آفاق الاقتصاد العالمي

آفاق الاقتصاد العالمي

مقدمة

نشر البنك الدولي تقرير " الآفاق الاقتصادية العالمية"[1] في ۷ يونيو ۲۰۲۲، الذي يقيم الظروف الاقتصادية العالمية الحالية في ظل تأثيرات الجائحة والغزو الروسي لأوكرانيا، مع التركيز بشكل خاص على كيفية تأثير التضخم المصحوب بالركود على الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية.

يناقش التقرير الأوضاع الاقتصادية العالمية ويعيد تقييم بعض توقعاته للنمو العالمي، فقد ركز التقرير على خمس نقاط أساسية، السياق العالمي للأزمة، التطورات الأخيرة والتوقعات الخاصة بالاقتصادات الرئيسية، التطورات والتوقعات الخاصة بالأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التوقعات والمخاطر العالمية، وتحديات السياسة. ثم ينتقل لتقييم انعكاسات الأزمة على المناطق المختلفة، ومنها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

السياق العالمي للأزمة

يؤدي غزو روسيا لأوكرانيا إلى تفاقم التباطؤ الاقتصادي العالمي بسبب تفاقم الضغوط في سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع أسعار العديد من السلع، الذي ساهم ذلك في زيادة التضخم وتشديد الأوضاع المالية العالمية.

‌أ.  بالنسبة الى التجارة العالمية، خفض البنك الدولي توقعاته لنمو التجارة العالمية لعام ۲۰۲۲ من ٥،٨% في توقعاته السابقة في يناير الى ٤% في توقعاته في يونيو، بسبب استمرار تأثر سلاسل التوريد بالوباء، بالإضافة إلى ذلك، أدى الغزو الروسي لأوكرانيا وتداعياته إلى اضطرابات شديدة أدت إلى تضخيم الاختناقات الموجودة مسبقًا.

‌ب. بالنسبة الى أسواق السلع الأساسية، ارتفعت أسعار السلع الأساسية في النصف الأول من عام ۲۰۲۲، مما يعكس جزئيًا آثار الغزو الروسي لأوكرانيا، وفي أعقاب الارتفاع الواسع النطاق الذي بدأ في منتصف عام ۲۰۲۰. من المتوقع أن ترتفع أسعار الطاقة بنسبة ٥۲% في عام ۲۰۲۲، وأن ترتفع أسعار المنتجات الزراعية بنسبة ١٨% وأسعار الأسمدة بنسبة ۷۰% تقريبًا في عام ۲۰۲۲، كما سترتفع أسعار المعادن نسبة ١۲% في عام ۲۰۲۲، ومن المتوقع أن تنخفض أسعار هذه المنتجات في عام ۲۰۲۳ مع ارتفاع الإنتاج في أماكن أخرى، ولكنها ستبقى أعلى من التوقعات السابقة.

‌ج. ارتفع المتوسط ​​العالمي للتضخم العام في مؤشر أسعار المستهلكين إلى ۷،٨% على أساس سنوي في أبريل ۲۰۲۲، وبلغ معدل التضخم الإجمالي في الأسواق الناشئة والبلدان النامية أكثر من ٩،٤%، وهو أعلى مستوى منذ عام ۲۰۰٨. ومن المتوقع أن يظل تضخم أسعار المواد الغذائية الاستهلاكية في خانة العشرات هذا العام في معظم الأسواق الناشئة والبلدان النامية.

‌د.  أدى ارتفاع التضخم إلى توقعات بتشديد السياسة النقدية بشكل أسرع في جميع أنحاء العالم، كما أدى الغزو إلى ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي مقابل عملات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية، والذي تسبب في زيادة تكلفة خدمة الخصوم المقومة بالدولار على مستوى العالم.

الاقتصادات الرئيسية

حيث تباطأ النمو في الاقتصادات المتقدمة خلال النصف الأول من عام ۲۰۲۲، بسبب الحرب في أوكرانيا، وعودة انتشار كورونا في مطلع العام، واستمرار اضطرابات سلسلة التوريد، وانخفاض الدعم المالي، وتشديد الأوضاع المالية.

الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية

تعمل تداعيات الحرب على تضخيم العوائق الموجودة مسبقًا من الاضطرابات المستمرة لفيروس كورونا، والاختناقات المستمرة في سلسلة التوريد، والانسحاب المستمر لدعم سياسة الاقتصاد الكلي، مما أدى الى خفض توقعات نمو الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية من ٤،٦% الى ۳،٤% في عام ۲۰۲۲.

التوقعات والمخاطر العالمية

خفض البنك الدولي توقعاته للنمو العالمي في عام ۲۰۲۲ من ٤،١% في توقعاته السابقة الى ۲،٩% نتيجة الركود العميق في روسيا وأوكرانيا والتداعيات العالمية السلبية للحرب، كما خفض توقعاته لعام ۲۰۲۳ من ۳،۲% الى ۳% حيث من المتوقع استمرار العديد من الآثار منها ارتفاع أسعار السلع الأساسية والتشديد النقدي.

تحديات السياسة

اهتم التقرير بعرض تحديات السياسة ووضع بعض التوصيات التي يجب اتباعها لتعدي الأزمة، مثل:

‌أ.  تجنُب السياسات الحمائية التي يمكن أن تزيد من تضخم ارتفاع الأسعار وتقلبها.

‌ب.  تنسيق جهود عالمية لتخفيف عبء الديون لمساعدة بلدان الأسواق الناشئة والبلدان النامية.

‌ج.  يتعين على بلدان الأسواق الناشئة والبلدان النامية أن توازن بعناية بين الحاجة إلى ضمان الاستدامة المالية والحاجة إلى تخفيف الآثار السلبية للحرب.

‌د.  الإغاثة المالية الموجهة لحماية الأسر الضعيفة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية.

‌ه.  تجنب فرض قيود سعرية على المنتجات لمحاربة التضخم، بل يجب تحسين شبكات الأمان الاجتماعي، وتنويع مصادر الغذاء، وتعزيز الكفاءة في إنتاج الأغذية وتجارتها.

‌و. تعزيز مرونة سلاسل القيمة العالمية، وخفض تكلفة التجارة، وتسهيل تدفق رأس المال.

‌ز. الاستثمار في التعليم بشكل أكبر.

منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

‌أ. التأثير على المنطقة متباين بشكل ملحوظ. من ناحية، يستفيد مصدرو النفط من ارتفاع أسعار الطاقة التي يقابلها جزئيًا ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتكاليف الاقتراض، حتى بالنسبة لكبار مستوردي القمح، فارتفع انتاج دول الخليج من النفط بنسبة ۲۰% عن مستويات انتاجها قبل الجائحة، بينما رفعت باقي الدول المصدرة للنفط انتاجها بحوالي ٦% عن العام الماضي. 

‌ب.  ومن ناحية أخرى، يواجه مستوردو النفط مزيدًا من العوائق للنمو، فواجهت مصر تراجع في معدلات النمو بداية ۲۰۲۲ بعد طفرة في النصف الأول من السنة المالية. بينما تراجع النمو في المغرب بسبب تراجع الانتاج الزراعي نتيجة الجفاف، كما واجهت تونس عوائق كثيرة أمام النمو منها البطالة، و ارتفاع حالة عدم اليقين بشأن السياسات ، وضعف تنفيذ الإصلاح.

‌ج.   ارتفع معدلات التضخم في المنطقة لتتخطى متوسط ​​التضخم في العقد السابق للوباء في معظم الاقتصادات. بين مستوردي النفط، بلغ متوسط ​​تضخم أسعار المستهلكين ۷،۷% في أبريل ۲۰۲۲، ولكن مع تباين كبير بين الدول. تعتمد مصر على واردات الغذاء بشكل كبير، فمع انخفاض قيمة الجنيه ارتفع معدل التضخم السنوي لمعدل أعلى من ١۰%. بين مصدري النفط، بلغ متوسط ​​التضخم الاستهلاكي ٤،۷%، أي أكثر من ضعف متوسطه على المدى الطويل.

‌د.  أدت الحرب أيضا الى ارتفاع أسعار المواد الغذائية ونقصها حيث بلغ متوسط ​​واردات الحبوب، بما فيها القمح، من روسيا وأوكرانيا ٤۰% من واردات المنطقة من الحبوب خلال الفترة من ۲۰١۷ الى ۲۰١٩، تأثرت مصر، لبنان، وتونس بشكل أساسي.

‌ه.  رفع البنك الدولي توقعاته للنمو في المنطقة من ٤،٤% في توقعاته السابقة الى ٥،٩% في التوقعات الحالية، يرجع ذلك بشكل أساسي الى بارتفاع عائدات النفط، ومدعوماً بالإصلاحات الهيكلية في بعض الاقتصادات منها مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وتراجع عام في الآثار السلبية للوباء. ومن المتوقع أن تنخفض الفجوة بين انتاج المنطقة الحالي مقارنة بقبل الجائحة بنسبة ٥۰% في ۲۰۲۳، ويتراجع النمو خلال ۲۰۲٤ الى ۳،۲%.

‌و. بالنسبة للبلاد المصدرة للنفط من المتوقع أن يصل معدل النمو الى ٥،٦% في ۲۰۲۲ و أن يتراجع في ۲۰۲۳ دون متوسط فترة ۲۰۰۰-۲۰١٩، على مستوى الدول:

  • بالنسبة للمملكة السعودية، متوقع أن يصل النمو الى ۷% في ۲۰۲۲ بسبب زيادة انتاج النفط وانتعاش القطاع غير النفطي، ويتراجع النمو الى ۳،٨% في ۲۰۲۳.
  •  تستفيد الامارات من ارتفاع أسعار النفط في الأجل القصير، بينما على المدى المتوسط يدعم إصلاحات تعميق أسواق رأس المال، وزيادة مرونة سوق العمل، والابتكار التكنولوجي النمو.
  •   من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الايراني بنسبة ۳،۷% في ۲۰۲۲، و لكن من المتوقع أن يتباطأ النمو بعد ذلك بسبب المشاكل الهيكلية في الاقتصاد.
  •   اليمن متوقع أن تشهد معدلات نمو ايجابية لأول مرة بعد سنتين من الانكماش مستفيدة من زيادة تدفقات التحويلات الى الداخل.

‌ز.  أما بالنسبة للدول المستوردة للنفط، من المتوقع أن ينخفض معدل النمو من ٤،٦% حسب التوقعات السابقة الى ٤،١% في ۲۰۲۲، ومن النتوقع أن يصل الى ٤،٤% في ۲۰۲۳. على مستوى الدول:

  •  تم رفع معدلات النمو لمصر من ٥،٥% الى ٦،١% نتيجة الأداء القوي للاقتصاد خلال النصف الأول من العام المالي۲۰۲١/۲۰۲۲. و لكن تم خفض توقعات النمو للعام المالي۲۰۲۲/۲۰۲۳ من ٥،٥% حسب التوقعات السابقة الى ٤،٨%، حيث يؤدي ارتفاع تضخم الغذاء والطاقة إلى إبطاء نمو الدخل وزيادة تكاليف المدخلات بشكل أساسي. سيظل النمو في مصر مدعومًا من قبل قطاع استخراج الغاز حيث يستفيد من ارتفاع الأسعار، والتحويلات من دول مجلس التعاون الخليجي، ومن خلال الإصلاح المستمر.
  •  بسبب تداعيات الصراع في إثيوبيا، تم خفض توقعات النمو في جيبوتي من ٤،۳% الى %۳،۳ لسنة ۲۰۲۲.
  •    في المغرب ، من المتوقع أن يتباطأ النمو بشكل كبير إلى ١،١% في عام ۲۰۲۲، حيث يفوق استمرار ظروف الجفاف وتأثير الحرب في أوكرانيا الانتعاش المتوقع لقطاع الخدمات.

‌ح.  بالنسبة للدعم المالي، لدى مصدري النفط مساحة توفير الإغاثة للأسر التي تعاني من ارتفاع معدلات التضخم من خلال تحسين شبكات الأمان الاجتماعي وتوفير تدابير الدعم المؤقتة المستهدفة. بينما يحتاج مستوردو النفط الذين يواجهون ضغوطاً مالية متزايدة إلى تسريع الضبط المالي حيث يسهم دعم الغذاء والوقود في تدهور الموازين المالية. كما من المتوقع أن تواصل سلطات السياسة النقدية دورة التشديد وأن ترفع أسعار الفائدة.

‌ط.  تواجه المنطقة بعض المخاطر التي من شأنها أن تشدد تأثير الأزمة، منها:

  •  زيادة أسعار الطاقة تؤثر بشكل متفاوت على المنطقة، فبالنسبة لمستوردي النفط، يمكن أن تؤدي الزيادات الإضافية في أسعار النفط إلى زيادة التضخم وخفض النمو وزيادة الفقر والحد من الإنفاق الاجتماعي من قبل الحكومات وزيادة عجز الحساب الجاري. أما بالنسبة لمصدري النفط، قد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار النفط إلى تحسين أرصدة المالية العامة والحساب الجاري وتحفيز زيادة الإنتاج.
  •   زيادة أسعار السلع الغذائية من شأنها التأثير على الأمن الغذائي، مما قد يؤدي الى اضطرابات اجتماعية وسياسية.
  •  بالنسبة للدعم، يضع دعم الطاقة والغذاء ضغط على الحكومة والذي من شأنه رفع العجز وزيادة معدلات الفقر.
  • مع التشديد المالي العالمي لمواجهة التضخم، تواجه الدول تحديات كثيرة أمام الاستدانة وارتفاع تكلفة الدين والذي يزيد الضغوطات خاصة أمام الدول ذات نسب ديون حكومية مرتفعة، مثل مصر.
  •  تجدد تفشي جائحة كورونا قد يستلزم وضع قيود على الحركة خاصة مع انخفاض معدلات التطعيم في معظم دول المنطقة.    

الخاتمة

الوضع الحالي نتاج تراكم الأزمات بداية بجائحة كورونا التي لم يتعافى الاقتصاد منها حتى واجه الغزو الروسي لأوكرانيا. الأزمة الحالية لها جوانب عديدة ومتشعبة، وستمتد آثارها لفترة ليست بقصيرة وعلى مدى واسع تشعر به كل الدول، لذلك يستلزم خطوات وطنية ودولية وتعاون متعدد الأطراف حتى تتمكن الدول تخطي الأزمة بأقل خسائر على المدة الطويل.   

 


[1]Global Economic Prospects”, World Bank, 7 June 2022. Available https://www.worldbank.org/en/publication/global-economic-prospects

 

تعليقات القراء