اتجاهات المراكز البحثية بشأن الدور الصيني في الشرق الأوسط (2-3)

اتجاهات المراكز البحثية بشأن الدور الصيني في الشرق الأوسط (2-3)

نشرت بعض المراكز البحثية إصدارات متنوعة خلال عام 2022، والتي تناولت جوانباً مختلفة لتزايد الدور الصيني في منطقة الشرق الأوسط، ويحلل هذا التقرير الاتجاهات العامة للإصدارات المشار إليها، وذلك في إطار التنافس الأمريكي الصيني في الشرق الأوسط، وتداعيات الأزمة الأوكرانية على هذا التنافس، وتقييم العلاقات الصينية مع الدول الخليجية وإيران وإسرائيل. يركز هذا الجزء على العلاقات الصينية الخليجية. 

شهدت العلاقات الصينية الخليجية تطوراً ملحوظاً، خاصةً منذ عام 2014، حيث أطلقت الصين ودول الخليج العديد من المبادرات لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية، لاسيما مبادرة الحزام والطريق، والانخراط الصيني في مشروعات التنمية الوطنية، مثل رؤية السعودية 2030، كما صمدت العلاقات الصينية الخليجية في مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية في المنطقة والعالم، مثل انهيار أسعار النفط عام 2014 والأزمة الخليجية عام 2017، ولم تؤثر بشكل كبير على العلاقات الاقتصادية، وكذا في مواجهة حالة التنافس الأمريكي الصيني، فالخليج وإن كان ينظر للولايات المتحدة باعتبارها أقرب حليف أمني لها، إلا أن الدول الخليجية قد اعتمدت على سياسة بناء علاقة متوازنة مع كل من القوتين، أخذاً في الاعتبار أن الصين تعد الشريك التجاري الرئيسي للخليج[1].

يكتسب ملف الطاقة أهمية جوهرية في العلاقات الصينية الخليجية، وبالرغم من كبر حجم صادرات النفط الخليجية إلى الصين، إلا أن الأولى تعتمد على سياسة تنويع الشركاء التجاريين (المستهلكين) لصادراتهم النفطية، مثل اليابان والهند (ستنمو احتياجات نيودلهي من الطاقة مستقبلاً، بما سيزيد من نمو الطلب على الطاقة خلال العقدين المقبلين)، ومن أبرز مؤشرات العلاقات في مجال الطاقة بين الخليج والصين ما يلي:

- تعد السعودية أكبر مورد للنفط إلى الصين عام 2021، واستحوذت على ما نسبته 17% من إجمالي واردات بكين النفطية.

-  تعد قطر أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى الصين، وأبرم الجانبان في نهاية عام 2021 عدة صفقات طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي القطري، فيما أبرمت قطر اتفاقاً مع الصين بقيمة تتجاوز 760 مليون دولار، من أجل إمداد الدوحة بناقلات الغاز الصينية، وذلك للمرة الأولى.

-  تعد الصين سوقاً مركزياً لصادرات النفط العمانية والإماراتية والكويتية.

تعمل صناديق الثروة السيادية الخليجية على تعزيز الروابط مع الصين والخليج، وسعت هذه الصناديق إلى تخصيص المزيد من الاستثمارات تجاه الاقتصادات الآسيوية، بما في ذلك الصين، خلال السنوات الأخيرة، فمثلاً أنشأت شركة مبادلة الإماراتية صندوق استثمار مشترك مع الجانب الصيني بقيمة 10 مليار دولار عام 2015. على الجانب الآخر، يعكس حجم الاستثمارات الصينية المباشرة في الاقتصاديات الخليجية (خلال الفترة 2005 – 2021) عن أمرين رئيسيين:

  الأول: تزايد حجم هذه الاستثمارات لتبلغ نحو 107 مليار دولار.

  الثاني: ارتباط حجم الاستثمارات الصينية مع حجم اقتصاد الدول الخليجية، حيث بلغت الاستثمارات نحو 43.5 مليار دولار في السعودية، و36 مليار دولار في الإمارات، فيما كانت البحرين الأقل من حجم الاستثمارات الصينية بقيمة 1.42 مليار دولار.

من المرجح أن تلعب الصين دوراً مهماً في تنمية القطاعات الاقتصادية غير النفطية في الخليج، مثل السياحة، والاتصالات، ومصادر الطاقة المتجددة، وبناء المدن الذكية، والذكاء الاصطناعي، لكن الخطط الصينية تقابلها العديد من العقبات، مثل تراجع السياحة الصينية للخليج بسبب جائحة كورونا، والضغوط الأمريكية لتقييد انتشار التقنيات التكنولوجية الصينية، واهتمام صناديق الثروة السيادية الخليجية بتخصيص حصة أكبر من رأس مالها الاستثماري تجاه الغرب، وبشكل أكبر من الصين.

من جانب اخر، فعلى الرغم من وجود إدراك خليجي بعدم جدوى مبادرة الحزام والطريق بالنسبة للاقتصاديات الخليجية، في مقابل وجود اهتمام أكبر بتطوير شراكات ثنائية جديدة مع الدول التي تمتلك اقتصاديات أصغر، مثل إسرائيل[2]، إلا أن حالة التنافس الاقتصادي بين السعودية والإمارات قد انعكست على سياسات الدولتين تجاه المبادرة الصينية، ونشير في هذا الإطار لما يلي:

-  تنظر السعودية والإمارات إلى النقل البحري والخدمات اللوجستية باعتبارها عنصراً أساسياً لتنويع اقتصادها، ويحاول الجانبان اكتساب وضعاً رائداً في هذا المجال.

-  تحاول السعودية الاستفادة من كونها الدولة الوحيدة التي لها منفذ ساحلي إلى كل من الخليج العربي والبحر الأحمر، وقد اتخذت المملكة مجموعة من الخطوات لتعزيز مكانتها في سلاسل التوريد العالمية، وذلك في إطار رؤية 2030، ومن أبرز هذه الخطوات التخطيط لتحويل ميناء الملك عبد العزيز بالدمام إلى مركزاً للحاويات العملاقة، وإنشاء ميناء لوجستي في ميناء جدة الإسلامي، وتطوير منافذ جديدة على البحر الأحمر.

-  تعد الإمارات الشريك الاقتصادي الأساسي للصين في الخليج، ويعد ميناءي دبي وخليفة من الموانئ المركزية الإقليمية للتجارة الخارجية الصينية، ويمر نحو ثلثي الصادرات الصينية إلى أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا عبر الموانئ الإماراتية.

- يبلغ حجم حركة الحاويات في الموانئ الإماراتية ضعف الحجم في الموانئ السعودية، ومن غير المرجح أن تتخلى الإمارات عن هيمنتها، إلا أن استمرار في المنافسة، سيؤدي إلى تضاؤل ميزة الإمارات، من حيث القدرات وحصص السوق والاستثمارات الدولية والعلاقات التجارية.

- تتوافق الأهداف الإماراتية والسعودية مع الطموحات الصينية، خاصةً أن الأخيرة قد عززت من تواجدها الاقتصادي في الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، ومن المرجح أن تتزايد حاجة أبو ظبي والرياض إلى التكنولوجيا الصينية من أجل خفض التكاليف التشغيلية وتسهيل وتسريع عمليات التسليم، إلا أن حالة التنافس بين السعودية والإمارات ستفرض على بكين إدارة مصالحها للوصول إلى وضع مربح للأطراف الثلاثة[3].

 


[1] Gulf International Forum: https://gulfif.org/china-in-the-gulf-deep-pockets-and-deepening-ties/

[2] Arab Gulf States Institute in Washington: https://agsiw.org/growing-china-gulf-economic-relations-have-limits/

[3] Middle East Institute: https://www.mei.edu/publications/new-normal-saudi-uae-relations-tying-china

 

تعليقات القراء