اتجاهات المراكز البحثية بشأن الدور الصيني في الشرق الأوسط (3-3)

اتجاهات المراكز البحثية بشأن الدور الصيني في الشرق الأوسط (3-3)

نشرت بعض المراكز البحثية إصدارات متنوعة خلال عام 2022، والتي تناولت جوانباً مختلفة لتزايد الدور الصيني في منطقة الشرق الأوسط، ويحلل هذا التقرير الاتجاهات العامة للإصدارات المشار إليها، وذلك في إطار التنافس الأمريكي الصيني في الشرق الأوسط، وتداعيات الأزمة الأوكرانية على هذا التنافس، وتقييم العلاقات الصينية مع الدول الخليجية وإيران وإسرائيل. يركز هذا الجزء على العلاقات الصينية مع كل من ايران واسرائيل. 

‌أولاً: العلاقات الصينية الايرانية

يحكم العلاقات الصينية الإيرانية مجموعة من المبادئ المشتركة، أبرزها عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، والاعتراض على فرض العقوبات كوسيلة للضغط على الدول، وعلى الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، فيما تنظر الصين لإيران باعتبارها جزءاً من منطقة بالغة الأهمية بالنسبة للصين، أي المنطقة الخليجية، بسبب الطاقة، ومشروعات البنية التحتية التي تقوم الصين بإنشائها، كما تدير بكين علاقتها على أساس الموازنة، حيث تحتفظ بعلاقات عمل جيدة مع طهران والرياض على حد سواء[1].

في مارس 2021 أعلنت الصين وإيران عن شراكة اقتصادية شاملة ، ويأتي ذلك تتويجاً لتعزيز العلاقات بين الجانبين في السنوات الأخيرة، حيث بلغ حجم التجارة بينهما نحو 20 مليار دولار سنوياً، فمنذ عام 1995، كانت إيران تصدر للصين بما قيمته 9 مليار دولار، في حين تستورد من الصين نحو 9 – 13 مليار دولار، وتعد بكين مزود رئيسي لطهران فيما يتعلق بالسلع الكهربائية والسمعية والبصرية والكيميائية والصناعية، في حين تعد طهران واحدة من أكبر موردي النفط للصين، وقد بلغت واردات النفط من إيران قبل العقوبات الأمريكية نحو 6٪ من إجمالي الواردات الصينية، كما تظهر بيانات غير رسمية أنه خلال فترة العقوبات، كانت الصين أكبر مشتر للنفط الإيراني[2].

‌ بلغت القيمة الإجمالية للاستثمارات الصينية في إيران نحو 26.5 مليار دولار خلال الفترة (2005 – 2021)، ومن المتوقع أن ترتفع وتيرة الاستثمارات الصينية في إيران وفقاً لاتفاق الشراكة، إلا أن هناك عقبات رئيسية أمام تحقيق قفزات في الاستثمارات الصينية هناك، لعل من أبرزها استمرار العقوبات على طهران، واستمرار الإدراك بأهمية وأولوية الاستثمار في دول خليجية أخرى، مثل السعودية والإمارات، خاصةً مع انخفاض عامل المخاطرة مقارنة بإيران[3].

‌فيما يتعلق بسياسة الموازنة الصينية بين الخليج وإيران، فمن أبرز مؤشرات هذه السياسة هو التزامن بين زيارة وزراء خارجية السعودية والكويت وعمان والبحرين والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي في يناير 2022 وبين زيارة وزير الخارجية الإيراني لبكين، وهي زيارات كانت تستهدف بالأساس تعزيز العلاقات البينية.

‌في هذا الاطار، تحاول بكين استغلال تراجع ثقة الخليج في واشنطن وتدهور العلاقات بين الأخيرة وبين طهران من أجل تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، فمن ناحية الخليج، تقوم الصين بإمدادهم بالتكنولوجيات المتطورة خاصة 5G، ولا تزال مستورد للنفط والغاز الخليجي، في الوقت الذي قللت فيه واشنطن من اعتمادها على النفط الخليجي لتلبية احتياجاتها.

‌من ناحية إيران، فإن الصين أصبحت مهمة لطهران من منظور اقتصادي، وصرحت بشكل متكرر، أنه إذا لم ترفع عنها العقوبات الاقتصادية، فستركز على تعزيز الروابط الاقتصادية مع الصين، ويمكن لبكين الاستفادة من علاقاتها الجيدة مع إيران والدول الخليجية من أجل لعب دور مستقبلاً في تحسين الروابط بين الجانبين[4].

‌ بشأن البرنامج النووي الإيراني، فإن بكين تبدو غير مهتمة بوصول إيران إلى العتبة النووية، لأنه لا يعد تهديداً لها كما هو الحال بالنسبة للغرب (وإن كانت بكين لا تفضل امتلاك طهران لأسلحة نووية)، كما أنها غير متحمسة لإنجاز الاتفاق النووي، أو تحسين العلاقة بين إيران والغرب، لأن ذلك سيقلل الاعتماد الإيراني عليها، وسيحرمها من التيسيرات التي تمنحها لها طهران فيما يتعلق باستيراد النفط، والتي ترتبط بظروف العقوبات.

‌على الجانب الآخر، فإن الصين لا ترغب في تأزم العلاقات بين إيران وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، خشية اندلاع صراع عسكري، بما يؤثر سلبياً على نشاطها الاقتصادي الواسع النطاق في المنطقة، كما سيؤدي فرض عقوبات أكثر شدة على طهران، إلى تقويض عمل الشركات الصينية إيران بشكل عام[5].

 بشأن الموقف الإيراني من طريق الحرير الصيني، فإن طهران تنظر له بشكل إيجابي، حيث ستزيد من العلاقات بينها وبين بكين، وستستفيد من مشروعات المبادرة الصينية، خاصةً أن السياق الحالي للعلاقات بين البلدين، ينظمه اتفاق الشراكة، والذي يتضمن قيام الصين باستثمارات تبلغ نحو 400 مليار دولار، منها 280 مليار دولار سيتم تخصيصها لمشروعات النفط والغاز، و120 مليار دولار في قطاع النقل، وهو ما يعني أن إيران ستصبح مركزاً أساسياً في مسار المبادرة، على الجانب الآخر، ستستفيد بكين من الوضع المميز لطهران لدى دمشق وبيروت من أجل تعزيز التواجد الصيني في البحر الأبيض المتوسط[6].

 إن التقييم الواقعي للعلاقات الإيرانية الصينية بأنها علاقات مهمة للجانبين، لكنها ليست العلاقات الأهم في السياسة الخارجية الصينية، فأقصى ما تمثله طهران بالنسبة لبكين هو أنها تمثل فرصة لموازنة النفوذ الأمريكي، وبالتالي يمكن أن تنخفض وتيرة التعاون حال بناء تفاهمات بين بكين وواشنطن، لكن إذا ما استمر التنافس الصيني الأمريكي، فإن الصين قد تقوم بعسكرة مشروعات مبادرة الحزام، وستزداد أهمية إيران بالنسبة للصين، ومن المرجح أن يصبح التعاون العسكري بين طهران وبكين عنصراً رئيسياً في المنافسة مع واشنطن على المدى الطويل[7].

ثانياً: العلاقات الصينية الإسرائيلية:

‌ تستهدف الصين أن تصبح قوة تكنولوجية واقتصادية رئيسية، خاصةً في عشر قطاعات رئيسية، التي ترغب بكين أن تكون رائدة فيها عالمياً، مثل تكنولوجيا المعلومات، وشبكات الجيل الخامس، والمركبات الكهربائية، والطاقة الخضراء وغيرها، وتستخدم الصين لبلوغ تلك الأهداف أدوات سرية وتدير أنشطة تجسس متنوعة، وتجمع بين الشراكات المدنية وأنشطة الاستخبارات من أجل جمع المعلومات، وباستخدام الهيئات الحكومية والحزبية والأكاديمية وكذلك الأفراد، ويتم تنفيذ هذه السياسات الصينية في عدد كبير من دول العالم بما فيها إسرائيل.

‌تنظر الصين إلى إسرائيل باعتبارها قوة تكنولوجية رائدة، لامتلاكها قدرات متقدمة في المجالات السيبرانية والطبية والزراعية وغيرها، لذا فإنه من المحتمل أن تعمل الاستخبارات الصينية على ممارسة أنشطة تجسس في إسرائيل، ولا يمكن استبعاد تعرض الوزارات الحكومية والصناعات الدفاعية والشركات المدنية في إسرائيل لأنشطة التجسس صينية، ومن المحتمل أن ينصب التركيز الصيني على المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، سواء في حد ذاتها، أو بالنظر إلى علاقاتها الوثيقة مع نظرائها في الولايات المتحدة، وهو ما يعني التجسس على أنظمة الأسلحة الرئيسية في إسرائيل، والتي تم تطويرها بالتعاون مع الولايات المتحدة، كما يرجح أن تمتد عمليات التجسس إلى القطاع المدني، وخاصة الأكاديمي، وذلك بهدف سرقة الأفكار والمعرفة بشكل عام.

‌ بالرغم من وجود حوادث تجسس صينية على إسرائيل، إلا أن الأخيرة امتنعت عن توجيه الاتهام رسمياً إلى بكين، إذ أن تقييم العلاقة بين الجانبين أنهما ليسا أعداء، وهناك اهتمام بالعلاقات الاقتصادية بين الجانبين[8]، وتنظر تل أبيب إلى زيادة الانخراط الاقتصادي الصيني في المنطقة باعتباره فرصة محتملة للتعاون بين الشركات الإسرائيلية والصينية في مجموعة متنوعة من المشروعات الإقليمية[9].

هذا وقد شهدت الفترة الماضية نموا في النفوذ الصين في إسرائيل، حيث تستثمر الشركات الحكومية الصينية في قطاع التكنولوجيا، ولعل أهم مشروع صيني في إسرائيل هو تطوير ميناء حيفا من قبل مجموعة شنغهاي الدولية للموانئ، التي فازت بالمناقصة في عام 2015 وبدأت العمل في عام 2018، ويعد حيفا أكثر موانئ إسرائيل ازدحاماً، وهو قاعدة لأسطولها البحري الرئيسي، بما في ذلك الغواصات التي قد تحمل رؤوس نووية[10].

‌في هذا السياق، فإن سعي تل أبيب للحفاظ على مستوى علاقتها مع الصين دفع واشنطن نحو ممارسة ضغوطاً متزايدة من أجل الحد من هذه العلاقات، وتعرض مسئولون إسرائيليون لحملة عامة أمريكية من أجل هذه الأمر، وبالرغم من ذلك، فإن إسرائيل مهتمة بتطوير علاقتها مع بكين، خاصةً في المجالات التي تفتقر إلى تقنيتها المتقدمة، كما أن إسرائيل لم تستجب للضغط الأمريكي بانضمامها إلى الحملات ضد أوضاع حقوق الإنسان في الصين. قد تبدو إسرائيل حالياً قادرة على الموازنة في علاقتها بين القوتين، إلا أنه مع اشتداد حدة المنافسة بين الصين والولايات المتحدة، فسيكون من الصعب على إسرائيل الحفاظ على سياسة الموازنة[11].

الخاتمة :
 
نستخلص من عرض الاتجاهات السابقة ما يلي:

‌أ- استمرار الاهتمام الصيني بالشرق الأوسط، خاصةً المنطقة الخليجية، لاعتبارات الطاقة والثروة والفرص الاقتصادية والاستثمارية، ومن المرجح أن يصبح الخليج أول ساحة معلنة للتنافس الأمريكي الصيني، بالنظر إلى السوابق التي تؤكد ذلك، من حيث الخطط الصينية لتعزيز حضورها العسكري في الخليج.

‌ب- يتوقف مدى استفادة الصين من مبادرة الحزام والطريق، ونجاحها في اختراق المجتمعات الاقتصادية في الشرق الأوسط على قدرتها على الاستمرار في الموازنة بين المصالح المتضادة، خاصةً بين الإمارات والسعودية، التي يرجح أن تستمر حالة التنافس بينهما للوصول إلى (أو الاحتفاظ بـــ) وضع رائد كمركز إقليمي للشحن والنقل اللوجيستي.

‌ج- تعد إسرائيل أقرب دول المنطقة استعداداً للتضحية (خفض مستوى) بعلاقتها مع الصين مع اشتداد المنافسة بين الأخيرة وبين الولايات المتحدة، حيث تظل واشنطن الضامن الأهم للأمن الإسرائيلي مهما تعددت شراكات تل أبيب الأمنية إقليمياً أو دولياً.

 


[1] The Institute for National Security Studies: https://www.inss.org.il/publication/china-russia-jcpoa/

[5] The Institute for National Security Studies: https://www.inss.org.il/publication/china-russia-jcpoa/

[7] German Institute for International and Security Affairs: https://www.swp-berlin.org/en/publication/chinas-path-to-geopolitics#hd-d22821e1852

[8] The Institute for National Security Studies: https://www.inss.org.il/publication/china-espionage/

[9] The Institute for National Security Studies: https://www.inss.org.il/publication/china-ukraine-russia/

 

تعليقات القراء