التأثيرات العالمية للحرب الأوكرانية

التأثيرات العالمية للحرب الأوكرانية

نشرت مجموعة "مجموعة الاستجابة للأزمات العالمية بشأن الغذاء والطاقة والتمويل" تقرير في 8 يونيو 2022 حول التأثير العالمي للحرب في أوكرانيا على الغذاء والطاقة والتمويل، وحمل عنوان "مليارات الأشخاص يعاون من أكبر أزمة تكلفة معيشية منذ جيل"[1]، وقد تم إنشاء المجموعة في مارس الماضي لمساعدة الأمانة العامة للأمم المتحدة لتنسيق الاستجابة العالمية لتأثيرات الحرب في أوكرانيا على الغذاء والطاقة ونظم التمويل العالمية.

أولاً: مضمون التقرير: تناول التقرير خمسة افكار رئيسية هي كالتالي:

1-   طبيعة الأزمة المعيشية عالمياً:

أشار التقرير إلي أن  التقييم الحقيقي هو أنها عبارة عن حلقة مفرغة من ارتفاع التكاليف والأسعار، تضعف الدخل الحقيقي والقدرة الشرائية للأفراد، وسيكون هناك تخوفاً من ترجمة أزمة تكلفة المعيشة إلى عدم استقرار اجتماعي وسياسي، ومن أبرز مؤشرات الأزمة ما يلي:

  •  ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء بنسبة 20.8% مقارنة بالعام الماضي.
  • حدوث تقلبات في أسعار الطاقة، وتوقع ارتفاع أسعارها على المدى الطويل في حالة استمرار الحرب، وأن تبلغ الزيادات نحو 50% في عام 2022 مقارنة بعام 2021.
  • ارتفاع أسعار الأسمدة الى ضعف متوسط الأسعار خلال الفترة 2000 – 2020.
  •  ارتفاع تكلفة النقل البحري إلى ثلاثة أضعاف بالمقارنة مع التكلفة قبل جائحة كورونا، ويرجع ذلك الارتفاع إلى آثار الجائحة، والتأثير السلبي على البنية التحتية للنقل البحري، خاصة في أوكرانيا بشبب ظروف الحرب، وارتفاع أسعار الوقود. 
  •  انخفاض قيمة العملة في الدول النامية، وبالتالي انخفاض قدرتها على الاقتراض بسبب ارتفاع الفائدة وتراجع ثقة المستثمرين، فبعد أول 100 يوم من الحرب، انخفضت عملات 142 دولة نامية بنسبة 2.8% كمتوسط، وذلك بالمقارنة بالدولار الأمريكي، كما ارتفع عائد السندات بنسبة 77 نقطة أساس.

2-    تراجع قدرة الأفراد والدول على التكيف مع أزمة المعيشة:

 يأتي هذا التراجع  في ظل تأثيرات جائحة كورونا والتغيرات المناخية، وأشار التقرير في هذا الإطار لما يلي:

  •  ارتفاع معدلات الفقر المدقع بنحو 77 مليون فرد عن معدلات عام 2019، وأن 3 من أصل 5 عمال في الدول النامية لديهم دخل حقيقي أقل من المعدل قبل الجائحة، كما أن هناك 58 مليون فرد في إفريقيا يواجهون خطر الوقوع تحت خط الفقر، بالإضافة إلى مواجهة الكثيرين في إفريقيا وآسيا أزمة فقر الطاقة.
  • انخفاض توقعات النمو الاقتصادي العالمي بواقع 1% لسنة 2022، أي أنه قد تراجع من 3.6% إلى 2.6%.
  •  أن حوالي 60% من البلدان الأكثر فقراً إما أنها تواجه أزمة ديون، أو أنها بصدد مواجهتها، وقد ارتفعت نسب الدين للناتج القومي في الدول النامية من 55.7% في عام 2019 إلى 65.1% في عام 2021، ومن المتوقع احتياج هذه الدول إلى 311 مليار دولار لخدمة الدين الخارجي في عام 2022.
  •  تعاني الدول النامية من فجوة في تمويل سياسات الحماية الاجتماعية بنحو 1.2 تريليون دولار سنوياً، كما يعاني العالم من فجوة بنحو 4.3 تريليون دولار سنوياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ويتكلف الاقتصاد العالمي 520 مليار دولار سنوياً بسبب الكوارث المناخية، وتتحمل الدول النامية معظم هذه التكلفة.

3-  تأثير الحرب الأوكرانية على الفقر والدخل والحصول على الطاقة: وقد تمثلت أبرز أوجه التأثير فيما يلي:

  • انخفاض الدخل الحقيقي للأسر بمتوسط 1.5% من بداية الحرب، آخذاً في الاعتبار الزيادة في أسعار القمح والذرة فقط دون باقي المنتجات، وقد بلغ معدل الانخفاض في مصر 3.54%.
  •  تحمل الفئات الأشد فقراً آثار زيادة الأسعار، حيث أن الغذاء وحده يتكلف 50% من دخلهم في الدول النامية، بالإضافة إلى ذلك، تواجه الطبقات القريبة من خط الفقر خطر أن تصبح تحت هذا الخط نتيجة الأزمة.
  •  توقع أن يصبح 95 مليون شخص في فقر مدقع في عام 2022، حيث يقع 10 مليون شخص تحت خط الفقر المدقع مع كل 1% زيادة في أسعار الغذاء.
  • ارتفاع عدد الأفراد الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد، من 135 مليون قبل الجائحة الى 276 مليون في بداية عام 2022، ومن المتوقع ارتفاعه إلى 323 مليون فرد في نهاية عام 2022.
  • أن ‌تعامل الأفراد مع الأزمة على أساس يومي إنما يعني تحويل ما يمكن أن يكون أزمة قصيرة الأمد إلى أزمة طويلة الأمد مع عواقب كبيرة على معدلات الفقر وتوزيع الدخل والتنمية، حيث بدأ الأفراد في التقليل من مشترياتهم من الغذاء، والتقليل أيضاً من تلقيهم للرعاية الصحية، وبدأوا في زيادة اقتراضهم بفوائد عالية.

4-  أزمة الأسمدة والقيود التجارية: وذلك على النحو التالي:

  •  ارتفاع أسعار الأسمدة بما يفوق ارتفاع أسعار المواد الغذائية، مما يعني أن لم يعد بإمكان المزارعين تحمل تكلفة استخدام الأسمدة في المحاصيل، ولا يمكنهم زيادة الإنتاج لتلبية الطلب العالمي، أضف إلى ذلك تزايد القيود على عملية تصدير الأسمدة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة عام 2023.
  • تواجه إفريقيا حاجة ملحة إلى الأسمدة، لكنها تفتقر إلى الإمدادات اللازمة، كما أن الحاجة إلى الإمدادات عبر البلدان النامية للمواسم القادمة تستدعي المراقبة عن كثب، خاصةً فيما يتعلق بمحاصيل الأرز في آسيا.
  •  تستغرق مصانع الأسمدة الجديدة من 2 إلى 5 سنوات حتى تصبح جاهزة للعمل، مما يعني أن موردي الأسمدة غير قادرين على الاستجابة بسرعة لارتفاع مستويات الطلب العالمي على الأسمدة، لذلك فإنه بدون اتخاذ الإجراءات المناسبة في أطر متعددة الأطراف، خاصة فيما يتعلق بخفض القيود التجارية، فإن أسعار المواد الغذائية قد تستمر في الارتفاع.

5-     تأثير الأزمة على دول العالم:

 بالنظر إلى منطقة الشرق الأوسط، فقد أكد التقرير على الآتي:

  • تأثر الشرق الأوسط بشكل سلبي في قطاع الطاقة على الرغم من أن هناك العديد من مصدري الطاقة في المنطقة.
  •  واجهت دول المنطقة صعوبة في الحصول على التمويل الدولي، حيث ارتفعت تكلفة الاقتراض بنسبة 19.1% منذ بداية عام 2022، وارتفع الدين العام من 66.6% إلى 74.5% من الناتج المحلي الإجمالي، خلال الفترة 2019 – 2021، ومن المتوقع أن تخصص دول المنطقة 28.1% من الإيرادات لخدمة الدين الخارجي في عام 2022.
  •  من المتوقع زيادة معدلات الفقر المدقع في المنطقة بمقدار 2.8 مليون شخص في عام 2022.
  •   أن دول الشام والمغرب العربي هم الأكثر تأثراً بأزمات الطاقة والتمويل.

ثانياً: توصيات التقرير:

انتهى التقرير إلى التوصيات التالية:

‌أ-  العمل على تخفيف الآثار الحالية للأزمة، من خلال استقرار الأسواق العالمية من حيث التقلب وعدم الثقة، خاصة في أسعار الغذاء وتكلفة الديون، مع ضرورة إعادة دمج الانتاج الغذائي الأوكراني وانتاج الغذاء والأسمدة الروسية في السوق العالمي، ويمكن تخفيف هذه الآثار من خلال:

  • الاستمرار في إطلاق مخزونات الغذاء والطاقة الاستراتيجية في الأسواق، والسيطرة على التخزين وسلوكيات المضاربة الأخرى.
  •  تجنب القيود التجارية غير الضرورية. 
  •   زيادة الإنتاج المحلي للسلع الغذائية المختلفة وتنويع مصادر الأغذية المستوردة
  • العمل على توافر الأسمدة وقدرة المزارعين على الوصول إليها.
  • توسيع نطاق استثمارات الطاقة المتجددة.

‌ب-  تعزيز قدرة الدول على التكيف واتاحة السيولة اللازمة لبرامج الحماية الاجتماعية التي تستهدف الفئات الفقيرة، ويجب أن تكون سياسات الحماية الاجتماعية هادفة ومحددة زمنياً، ومتسقة مع أهداف التنمية المستدامة، ويجب الاهتمام باحتياجات الغذاء والطاقة للفئات الضعيفة.

‌ج- توفير حزم تمويلية سريعة من خلال مؤسسات التمويل الدولية، مع ضمان توجيههم للموارد الصحيحة وبفوائد منخفضة.

‌د-  اتباع نهج منظم للديون المتعددة الأطراف وإعادة الهيكلة والإغاثة التي تشمل البلدان الضعيفة، لضمان حلول طويلة الأجل للتحديات الحالية من خلال حذف الدين أو تأجيل مواعيد الاستحقاقات.

ثالثا: التعليق:

يؤكد التقرير على عالمية الأزمة، حيث لا تقتصر أزمات الغذاء والطاقة والتمويل على منطقة واحدة، لكن كل منطقة ستتأثر بشكل مختلف عن الأخرى، ففي الوقت الذي تواجه فيه معظم دول منطقة إفريقيا جنوب الصحراء ما وصفه التقرير بأنه "عاصفة كاملة" من الأزمات، فإن دول شرق أوروبا ووسط آسيا تتعرض لأزمات في قطاعي الطاقة والتمويل بسبب أهمية مصادر الطاقة والتحويلات المالية الروسية بالنسبة لهذه الدول، والتي يُتوقع انخفاضها بنسبة 20%.

 


[1] “Global impact of the war in Ukraine: Billions of people face the greatest cost-of-living crisis in a generation”, UN Global Crisis Response Group on Food, Energy and Finance, Brief No.2. 8 June 2022. Available https://unsdg.un.org/sites/default/files/2022-06/GCRG_2nd-Brief_Jun8_2022_FINAL.pdf

 

تعليقات القراء