الجوار الحدودي والأمن القومي المصري

الأربعاء, ديسمبر 11, 2013 - 22:30

نوع الفعالية:

تتعدد مصادر تهديد الأمن القومي للدول، فهناك مصادر داخلية وأخرى خارجية، وهناك مصادر تهديد أساسية ومصادر ثانوية، ومن مصادر التهديد الخارجية تلك التي تأتي من الجوار الحدودي للدولة، الأمر الذي يجب معه وضع أمن الحدود في الاعتبار، ومتابعة كل التطورات في دول الجوار ودراسة نتائجه على الأمن القومي للدولة، ومصر ليست بعيدة عن هذا، حيث تشهد الحدود المصرية مع دول الجوار تطورات تحمل الكثير من المخاطر والتحديات التي تتصاعد من آن لآخر بما يهدد الأمن القومي المصري، الأمر الذي يتطلب من الدولة المصرية تركيز اهتمامها على هذه التطورات ووضع الخطط لتجنب تصاعد تهديدها.

وفي هذا الإطار عقد المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط حلقة نقاشية حول: الجوار الحدودي والأمن القومي المصري، حضرها نخبة من المتخصصين في المجالات المختلفة، كان من بينهم: د. عمرو عبد السميع الكاتب الصحفي بمؤسسة الأهرام، د. السيد فليفل العميد الأسبق لمعهد البحوث والدراسات الأفريقية جامعة القاهرة، د. خالد حنفي الباحث بمجلة السياسة الدولية، الأستاذ علي بكر الباحث المتخصص في شئون الجماعات الإسلامية بالمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، د. إجلال رأفت أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة، الأستاذ شادي عبد الوهاب الباحث بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار،  والباحثين بالمركز.

افتتح الحلقة النقاشية الدكتور محمد مجاهد الزيات والذي أكد على أن الحدود المصرية مع دول الجوار تشهد العديد من التطورات التي تحمل معها الكثير من المخاطر والتحديات التي تهدد الأمن القومي المصري، وأضاف الزيات أن خطورة تهديدات دول الجوار تتمثل في أنها تتداخل مع مصادر تهديد أخرى معقدة تضغط على الأمن القومي المصري في الفترة الأخيرة بصورة غير مسبوقة، ونوّه الزيات إلى أن هناك ترابطاً بين التهديدات والمخاطر التي تأتي على مصر من دوائر جوارها مع ليبيا وغزة والسودان، بما يوحي أن هناك نوعاً من التماثل والتنسيق بين القوي التي تقف وراء هذه المخاطر في تلك الدوائر، وشدد الزيات على أنه في كل دول العالم يتم تأمين الحدود من خلال واجبات مشتركة لأجهزة الأمن على جانبي البلدين، ولكن المشكلة في مصر تتمثل في أن قواتها المسلحة مسئولة وحدها عن تأمين الحدود حيث لا يقوم الجانب الآخر بدوره الأمني، وطرح الدكتور الزيات سؤالاً هو: ما الذي يمكن أن تقوم به مصر لاستعادة أمنها القومي ومواجهة المخاطر التي تتعرض لها في المناطق الحدودية والحيلولة دون تصاعد هذه المخاطر التي تقف أمام الأمن القومي المصري.

وعُرضت ورقتان خلال الجلسة الأولي، والتي أدارها الدكتور عمرو عبد السميع، وتناولت الورقة الأولي التطورات السياسية في ليبيا وتداعياتها علي الأمن القومي المصري وقدمها الأستاذ شادي عبد الوهاب، وتناولت الورقة الثانية التطورات الداخلية في السودان وتأثيرها على الأمن القومي المصري وقدمها الدكتور السيد فليفل.

وعن التطورات السياسية في ليبيا وتأثيرها على الأمن القومي المصري أوضح الأستاذ شادي عبد الوهاب أن الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا في تدهور مستمر مع تزايد مظاهر عدم الاستقرار وافتقاد الأمن، حيث يسعى الإخوان المسلمين للسيطرة على المشهد الأمني في طرابلس من خلال تكليف غرفة ثوار عمليات ليبيا (مليشيات تابعة لها) بتأمين العاصمة الليبية والوزارات، وذلك خوفاً من تكرار السيناريو المصري مرة أخرى في ليبيا، ولفرض نفوذهم على الحكومة الليبية، خاصة بعد تراجع شعبيتهم بصورة كبيرة، فضلاً عن قيام مجموعة من الانفصاليين بقيادة "إبراهيم الجضران" –رئيس حرس المنشآت النفطية في شرق ليبيا –بتأسيس مكتب سياسي من أجل المناداة باستقلالية برقة، وعيّن نفسه رئيساً للمكتب، وقام بإغلاق الحقول النفطية وموانئ التصدير في شرق البلاد، مما أدى لانخفاض إنتاج ليبيا بحوالي 60%، كما تم التلويح بإمكانية استقلال الإقليم مستقبلاً.

وفيما يتعلق بوضع الدولة الليبية ومستقبلها أكد الباحث شادي عبد الوهاب أن الدعم الشعبي للفيدرالية لا يزال محدوداً، إذ تشير استطلاعات الرأي أن 57% من الليبيين يفضلون اللامركزية، وأن 31% يفضلون الدولة المركزية، بينما يؤيد الفيدرالية 8% فقط، كما أن 15% فقط من سكان برقة يفضلون الفيدرالية، كما أن المليشيات والمسئولين المرتبطين بالأحزاب الإسلامية لا تتبنى هذا الخيار كذلك.

وفيما يتعلق بالمخاطر التي يمثلها الوضع الليبي على الأمن القومي المصري أشار عبد الوهاب إلى أنه من المتوقع أن تستمر الأزمة الأمنية الليبية خلال الفترة المقبلة خاصة مع استمرار المواجهات بين المليشيات المرتبطة بالأحزاب الإسلامية من جانب، وتلك الموالية لرئيس الحكومة وتحالف القوى الوطنية، بما يشير إلى استمرار المخاطر الأمنية على مصر من الحدود الليبية، خاصة في ظل اندماج المليشيات العسكرية - خاصة تلك التي لها صلة بتنظيم القاعدة في الأجهزة الأمنية في ليبيا، ومشاركتها في تأمين مناطق الحدود الليبية، الغربية والجنوبية، مما يزيد من حجم المخاطر على الأمن القومي المصري، وأشار إلى امتلاك هذه المليشيات مخازن ضخمة من الأسلحة على اختلاف أنواعها، وترتبط بصلات قوية مع تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، ولدى عناصرها معرفة بدروب وطرق التسلل والتهريب إلى داخل مصر، فضلاً عن وجود معسكرات تدريب لعناصر جهادية دولية في مناطق قرب الحدود المصرية، الأمر الذي يمثل تهديداً خطيراً للأمن القومي المصري.

وفي تعقيب للدكتور خالد حنفي على التطورات التي تشهدها الساحة السياسية الليبية أشار إلى أن ما يحدث في ليبيا الآن لا يمكن فصله عن إرث القذافي، ففترة القذافي التي استمرت حوالي 4 عقود لم تشهد وجود دولة بالمعنى الصحيح قادرة على إدارة التنوع المناطقي ولم توجد مؤسسات أمنية حقيقية، وليبيا لا تعاني حالياً من تفكك الدولة، ولكن تعاني من تفكك السلطة، حيث توجد لا مركزية شديدة، فضلاً عن خضوع القوانين لتوازنات القوة.

أكد حنفي على أن الدولة الليبية لن تتفكك على المدى القصير، حيث أن هناك تحوّل في بنية السكان الليبيين، فقادة الثورة هي نخبة مدنية وليست قبلية وهذه النخبة تتجاوز الاعتبارات الدينية والقبلية والجهوية، كما أن فكرة الصراع القبلي ليست موجودة بقوة حيث أن الفكرة المدنية أقوى منها.

ورأى حنفي أن هناك عدة عوامل تدفع لتفكيك الدولة الليبية، وأخرى تساعد على دعم وحدة الدولة الليبية، أما العوامل التي تساعد على تفكيكها فتتمثل في: التفكك على مستوى السلطة التنفيذية، وانتشار السلطة على مستوي المناطق المختلفة، والخلافات بين القبائل المختلفة، فضلاً عن وجود مركزين هامين للسلطة في ليبيا، وهما بنغازي وطرابلس، وليس طرابلس وحدها.

ولكن هناك عوامل تدعم وحدة الدولة الليبية أهمها: أن الصراع القبلي ليس بالحدة الكبيرة في ليبيا خاصة وأن 86% من الليبيين ينتمون للحضر، كما أن تأثير القبيلة ضعيف، وأن هذه البنية الحضرية المدنية الغالبة تساعد على الوحدة، وأضاف حنفي أن الاتجاه الفيدرالي في شرق ليبيا ليس غالباَ، فمحاولة إعاقة أنصار الفيدرالية لانتخابات المؤتمر الوطني لم تنجح، كما أن المياه تتركز في الجنوب وليس في الشرق أو الغرب، وهو ما يحول دون انفصال الشرق والغرب.

وفي إطار الحديث عن تهديدات الجماعات الجهادية الليبية للأمن القومي المصري أشار الدكتور خالد حنفي إلى أن مرحلة إسقاط القذافي شهدت إحياءً للتيارات الإسلامية بشقيها المعتدل والمتشدد، لاسيما إنهم شاركوا بفعالية خاصة في الشرق في محاربة قواته، وفي ظل انفتاح المجال السياسي في المرحلة الانتقالية، ورخاوة السلطة، وطغيان حالة الضعف على البلاد، سعت جماعة الإخوان لتكريس دورها السياسي عبر حزب العدالة والبناء الذي حل ثانياً في انتخابات المؤتمر الوطني العام في يوليو 2012، في الوقت نفسه، تشرذمت الجماعات الجهادية وخرجت من تحت عباءتها اتجاهات عدة، فقد انخرط بعض الجهاديين في العمل الحزبي، مثل الجماعة الليبية المقاتلة التي غيرت اسمها للحركة الإسلامية للتغيير بعد إجراء مراجعات لنبذ العنف، وأسس البعض الأخر من المختلفين مع الجماعة الليبية المقاتلة أحزاب كالأمة والوطن ذات الطابع السلفي، واستغل البعض الأخر تنامي ظاهرة السلاح داخل ليبيا، ليشكلوا تنظيمات دينية مسلحة مثل (أنصار الشريعة في بنغازي ، كتيبة الشهيد أبو سليم في درنة،  جماعة التوحيد والجهاد، ألوية الشهيد عمر عبد الرحمن..).

وفيما يتعلق بتأثير الأوضاع السائدة في ليبيا على الأمن القومي المصري أشار حنفي إلى أن مصر أحد أبرز دول الجوار الإقليمي لليبيا تأثراً بتنامي الجماعات الجهادية في شرق ليبيا، خاصة في ضوء وجود تشابكات جغرافية وسياسية وأيديولوجية بين التيارات الإسلامية في البلدين، والتي تعمقت عقب صعود التيار الإسلامي بشقيه المعتدل والمتشدد في مصر بعد ثورة 25 يناير، وزادت مخاطرها بعد الموجة الثورية التي أسقطت حكم جماعة الإخوان المسلمين في 30 يونيو. وتتمثل أبرز تلك التهديدات للأمن القومي المصري في:

1-      الاتصال المتبادل بين الجماعات الإسلامية المسلحة عبر السلاح والتدريب للعمليات الإرهابية، لاسيما مع انضمام جنسيات متعددة للجماعات الجهادية، بما يرفع من التوتر الأمني بين السلطة والجماعات المسلحة في سيناء.

2-      المساهمة في نمو ظاهرة الجريمة المنظمة (تهريب السلاح والمخدرات، وغيرها) على جانبي الحدود المصرية الليبية، لاسيما أنها تشكل قاعدة اقتصادية وتمويلية للتيارات الإسلامية في مصر.

3-      الإضرار بالمصالح الاقتصادية (استهداف العمالة المصرية، والاستثمارات، وغيرها) بين مصر وليبيا.

4-      تحول بعض مناطق شرق ليبيا التي تسيطر عليها جماعات جهادية إلى ملاذ آمن لبعض المنتمين للتيارات الإسلامية المعارضة للسلطة في مصر بعد 30 يونيو.

وأكد حنفي على أن حدة هذه التأثيرات ستحدد في ضوء المسارات المحتملة التي تأخذها الدولة الليبية من جهة، والتي تتمحور ما بين الفيدرالية، والمركزية الهشة (توازن الضعف) والدولة منزوعة السيطرة على مناطقها، ومن جهة أخرى، إدارة السلطات المصرية لهذا الملف سواء عبر الضبط الحدودي، ومحاولة التأثير في التوازنات السياسية خاصة في منطقة الشرق، ودعم السلطات الانتقالية، خاصة فيما يتعلق ببناء أجهزة أمنية تحد من أخطار تلك الجماعات.

وأشار اللواء عبد الحليم المحجوب إلى أن هناك محركين أساسيين يحركون فكرة الفيدرالية، محرك داخلي متمثل في القبائل التي كانت لها نفوذ كبير في عهد القذافي، وعامل خارجي متمثل في قطر ودول غربية تلعب دور في تحديد مصير ليبيا، والدليل على ذلك أن أول اجتماع لإعلان إقليم برقة حضره عدد من سفراء دول غربية على رأسهم أمريكا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا، كما أشار المحجوب إلي أن الحركات الفيدرالية تلعب على القبيلة (البراعثة، الغريدات، ...)، وأن الهدف يتمثل في إقامة دولة في برقة أو في شرق ليبيا وتكون دولة نفطية منعزلة تؤسس مجتمع رفاهية، وتصبح دولة فاصلة ما بين شرق العالم العربي وغربه.

وعن تطورات الأوضاع الداخلية في السودان وتأثيرها على الأمن القومي المصري أوضح الدكتور السيد فليفل أن السودان يعيش منذ انفصال الجنوب حالة غيبوبة/ إفاقة ما بعد الجراحة السلمية بسبب فقدان التمويل الذي كان يوفره نفط الجنوب وفقدان السوق التي كان يمثلها السكان الجنوبيون، علاوة على أن الانفصال جاء ليفاقم من عزلة النظام ويحرمه من نافذة التواصل مع الجوار الأفريقي وتبادل التأثير والتأثر ورد الضربات التي كانت توجه إليه بأخرى، حيث انقطع السودان عن جوار كل من كينيا في الجنوب الشرقي وأوغندا في الجنوب والكونغو في الغرب.

 وأكد فليفل أن تجربة الإسلام السياسي في السودان قد باءت بالفشل، وأن هناك خللاً هيكلياً يمتلك النظام السوداني، وأن بنيته محكومة به، وأن انفصال الجنوب قد فاقم من ضعف النظام، حيث فقد معظم موارد التمويل بحصول الجنوب على 75% من البترول بعد انفصاله.

وذكر فليفل أيضاً أنه على الرغم من الإخفاقات المتتالية للنظام السوداني، إلا أنه استطاع الاستمرار إلى الآن، وأن مرد ذلك هو التماسك السياسي الذي صنعته السلطة حول البشير من جهة وحول المؤتمر الوطني الحاكم من جهة أخرى، وأورد فليفل بعضاً من إخفاقات النظام الحالي في السودان وذكر من أهمها: التورط الجهادي في جنوب السودان، ثم التورط العسكري في دارفور، وسوء إدارة الملف التفاوضي مع الحركة الشعبية والتفريط في وحدة البلاد، علاوة على التدهور الاقتصادي وغير ذلك من مظاهر الإخفاق.

وبخصوص التغيير الوزاري الأخير الذي قام به الرئيس البشير –والذي أطاح بكل من "على عثمان محمد طه" نائبه الأول، ومساعده "نافع على نافع"-نوّه فليفل إلى أنه يهدف إلى تكريس السلطة في القيادات العسكرية على حساب الجناح الذي مثّله حزب المؤتمر الوطني من الإسلام السياسي، وإن كانت تعييناته لشغل المناصب العليا خلفاً لهم من الإسلاميين العسكريين، علاوة على أنه قد يكون محاولة لاسترضاء دعاة المؤتمر الشعبي وعلى رأسهم من يحملون السلاح في دارفور من تلاميذ الترابي، بل وقد يكون بداية لعودة تدريجية للإسلام التقليدي، والقوى التقليدية لتياري الأنصار والاتحاديين، الذين لايزالون في كنف النظام.

 وشدد فليفل على أن السودان تعيش منذ استقلال الجنوب حالة من الفراغ الدستوري الذي يتطلب تعديلات في الدستور الذي أفضى إلى الانفصال ليلائم التعديل دولة السودان بحدودها الجديدة وأقاليمها الجديدة، علاوة على أن انفصال الجنوب لم ينه المسألة الإقليمية بالسودان، بل فتح شهية بقية الأقاليم لنيل مثل ما ناله إقليم الجنوب الذي صار دولة ذات رئيس وجيش ووزير خارجية ووزير مالية.

وذكر فليفل أن السودان لكي يتخلص من العزلة التي فرضت عليه -والتي زادت بسقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر- حاول إرسال رسائل ودية إلى جواره التشادي، وفيما يخص إريتريا فقد بدأ في التضييق على المعارضة الموجودة منها بالسودان بما فيها رموز الاتحاد الإسلامي الإريتري، أما فيما يخص إثيوبيا فقد اتخذ عدة خطوات لافتة منها: ملاحقة المعارضة الإثيوبية التي اعتادت اللجوء للسودان، وتصعيد التعاون الاقتصادي مع إثيوبيا إلى المستوى الاستراتيجي، علاوة على إجراء تعديلات جوهرية على السياسة المائية السودانية والوقوف بجانب الموقف الإثيوبي الذي يصر على استكمال بناء سد النهضة على الرغم من الأضرار التي تعود على كلا البلدين جراء هذا السد، لأن إثيوبيا باتت هي الرهان الإقليمي الوحيد للسودان، علاوة على أنها تمثل الحقيقة العسكرية الضاغطة على السودان من عند حدوده الشرقية ومن خط التماس مع جنوب السودان حيث تشكل القوة الإثيوبية عماد القوات الدولية على الحدود بين السودانيين.

وأكد فليفل على أن السودان يشكل هو نفسه ضغط على الحدود المصرية وهو ضغط مثلث الأبعاد: ضغط في اتجاه حلايب وشلاتين، ضغط في اتجاه سد النهضة، وضغط في اتجاه تدريب المعارضة الإسلامية وتسليح الإخوان.

وفى تعقيب الدكتورة إجلال رأفت على الورقة السابقة أكدت على أن المعارضة الحقيقية لحكم البشير ليست في الأحزاب التقليدية مثل حزب المؤتمر الشعبي وحزب الأمة القومي، فكلاهما يتوافق مع النهج الأيديولوجي للنظام الحاكم علاوة على عدم اختلافه جذرياً مع سياسات الحكومة. وأن التغيير الحكومي الذي قام به البشير مؤخراً لا يؤشر على رغبة النظام في مراجعة أخطاءه السابقة، وأضافت إجلال رأفت أن هذا التغيير لا يعد انفتاحاً على مصر لأنه ما يزال يحتفظ بوزير الخارجية علي كرتي المعروف بمواقفه المتشددة إزاء مصر، ونوّهت رأفت إلى أن هناك محاولات جدية من جنوب السودان للتخلص من سيطرة السودان عليها، وذلك عن طريق البحث عن طرق بديلة لتمرير نفط الجنوب عبر أنابيب أخرى غير الأنابيب التي تمر عبر السودان.

وذكرت رأفت أن الموقف السوداني من سد النهضة يوضح لأول مرة أن السودان تترك مصر وحيدة في موقفها مع دول الحوض الأخرى وتقترب من الطرح الإثيوبي بخصوص الموضوع، وقد يكون السبب في ذلك التقارب السوداني الإثيوبي هو صفقة عقدها البشير مع النظام الإثيوبي ويبدو أنها خاصة بمنطقة الفشقة المتنازع عليها بين إثيوبيا والسودان.

وفى الجلسة الثانية عرض الأستاذ على بكر ورقة تحدث فيها عن: التنظيمات الجهادية في سيناء والأمن القومي المصري، أكد فيها على أن موجة الإرهاب التي اجتاحت مصر في أعقاب ثورة 25 يناير على يد التنظيمات الجهادية في سيناء ليست بمعزل عن موجة الإرهاب التي اجتاحت المنطقة في أعقاب "الربيع العربي"، حيث أن هذه الثورات مثلت بداية لموجة جديدة من الجهاد، ربما تكون أشد ضراوة من الموجات السابقة، حيث عادت هذه التيارات مرة أخرى إلى الساحة أكثر قوةً ونشاطاً، وأصبحت أكثر قدرة على التأثير بقوة في مجريات الأحداث، وقامت بعمليات عنف كبيرة ومتنوعة على نحو يفرض واقعاً جديداً لم يكن مألوفاً من قبل.

وأضاف بكر أن التنظيمات الجهادية المختلفة عادت إلى مصر، في أعقاب الانفلات الأمني الذي ضرب مصر في أعقاب ثورة 25 يناير، وتمركزت هذه التنظيمات في سيناء، ثم سرعان ما نمت وتضخمت وأُتخمت بالمال والسلاح واستفحل خطرها في عهد الرئيس السابق محمد مرسى، وأن هناك قاسماً مشتركاً بين هذه التنظيمات وهو استخدام العنف المسلح لتحقيق أهدافها، كما يغلب عليها التشدد الفكري لدرجة تصل في كثير من الأحيان إلى درجة التكفير.

وأوضح بكر أنه يمكن تقسيم التيارات الجهادية في مصر إلى قسمين هما:

1-      المجموعات التكفيرية: وهي التي يقوم فكرها على تفسيرات مغلوطة تقوم على تكفير المجتمع ككل، وجدير بالذكر أن الفكر التكفيري في مصر ليس له انتشار واسع أو بيئة ملائمة تسمح بوجود دعائم قوية تثبت من فكرة وجوده على الأرض، علاوة على عدم وجود روابط تنظيمية كبيرة تجمع أفرادها من جهة أخرى.

2-      المجموعات الجهادية: وهي التي تنتهج العنف كـ "غاية" ضد النظم السياسية "العلمانية" المسيطرة على الدولة من أجل إلحاق الهزيمة بها، على أساس أن العلاقة بينهم وبين تلك النظم هي حرب متبادلة يعمل كل طرف فيها لإثبات جدارته وهزيمة الطرف الآخر والقضاء عليه لوضع مشروعه السياسي والفكري موضع التنفيذ.

وذكر بكر أن هناك بعض التنظيمات الجهادية في مصر وذكر من أهمها: 

1-      تنظيم التوحيد والجهاد: وهو تنظيم جهادي متطرف شديد العنف، يقترب إلى الفكر التكفيري أكثر من اقترابه من الفكر السلفي الذي تعتنقه معظم التيارات الجهادية الموجودة على الساحة، وهذا التنظيم هو الذي قام بتفجيرات طابا وشرم الشيخ في 2004 و2006، وينتمي كل أفراد هذا التنظيم تقريباً إلى أبناء سيناء، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدد من الفصائل الفلسطينية، وقد انحسر هذا التنظيم بسبب الضربات الأمنية التي وجهت له.

2-      تنظيم أنصار بيت المقدس: وهو تنظيم جهادي كان يعلن في الماضي أنه يسعى في المقام الأول إلى تهديد الكيان الصهيوني، ولكنه غيّر وجهته في الفترة الأخيرة وأصبح يوجه عملياته إلى الداخل المصري، ويشن هجماته ضد قوات الجيش والشرطة المصرية، ويتكون هذا التنظيم من مصريين وفلسطينيين وأجانب، وأغلب مقاتلي هذا التنظيم من الأجانب، وهم غالباً ينتمون بشكل كبير إلى فكر القاعدة، ولهذا التنظيم قدرة على القيام بعمليات نوعية.

3-      تنظيم أنصار الجهاد: هو أحد نماذج تنظيم "القاعدة" المنتشرة في العالم، وقد ظهر التنظيم على السطح عقب الثورة المصرية وما تبعها من تدهور أمني، ويتكون التنظيم في معظمه من المصريين من أبناء سيناء وغيرهم من المحافظات المصرية إضافة إلى وجود بعض العناصر السابقة من تنظيم الجهاد الذين خرجوا من السجون في أحداث يناير مع التنظيم، ويسعى التنظيم إلى إقامة إمارة إسلامية في سيناء.

4-      تنظيم جيش الإسلام: يعد أحد أبرز التنظيمات الجهادية بغزة وقد كان مقرباً من حماس، لكنه تحول إلى ألد أعداء حماس، وشنت الحركة هجوماً عليه أدي إلى مقتل كثير من عناصره بعد سيطرتها على غزة، وقد أسس هذا التنظيم ممتاز دغمش، وقد لعب جيش الإسلام الدور الأكبر في نشر الفكر الجهادي في سيناء، ورغم ما ينشر عن وجود خلافات عميقة وعداء قوى بين تنظيم جيش الإسلام وحركة حماس، إلا أنه في الحقيقة يعتبر حليف قوي لحركة حماس ويتلقى منها دعماً كبيراً، وهناك تنسيق كامل بين الطرفين، لدرجة أن البعض يعتبر تنظيم جيش الإسلام هو الجناح العسكري السرى لحركة حماس.

وأكد بكر تراجع دور بعض التنظيمات الجهادية في سيناء والتي كانت تتمتع بشهرة وتواجد قوى في الماضي، حيث يبدو أن هذه التنظيمات اندمجت مع تنظيم أنصار بيت المقدس، أو على الأقل بدأت تعمل تحت لوائه على الأقل، وأضاف أيضاً أن دور تنظيم "جيش الإسلام" قد اختفي نهائياً من سيناء، بعد هدم أكثر من 85% من الأنفاق عقب العملية العسكرية التي قام بها الجيش في سيناء في الفترة الأخيرة، مما يدل على أن التنظيم عاود أدراجه إلى قطاع غزة خوفاً من تقطع طرق العودة إلى قطاع غزة.

ونوَه بكر إلى أن التنظيمات الجهادية في سيناء تمكنت من إقامة شبكة علاقات مع عدد من التنظيمات الجهادية في المنطقة، مثل تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" والتنظيمات الجهادية في سوريا والعراق، وكذلك مع الجماعة الإسلامية في ليبيا وخاصة في مناطق الحدود، مما جعل مصر محاصرة بالتنظيمات الجهادية من الشرق والغرب، وهو ما مثَل خطراً حقيقاً على الأمن القومي المصري.

واختتم بكر ورقته محذراً من أن الموجة الإرهابية الجديدة في مصر، تدل على أن التنظيمات الإرهابية التي تقود هذه الموجة حالياً، تريد إحياء الخطط التكتيكية للتنظيمات الجهادية السابقة (الجماعة الإسلامية -تنظيم الجهاد) في مواجهة الدولة.

وفي تعقيب على تأثير التنظيمات الإرهابية في سيناء على الأمن القومي المصري أشار اللواء محمد قشقوش إلى أن سيناء تواجه تهديدات استراتيجية وسياسية تفاقمت بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة وتصدير مشاكل القطاع لمصر، كما توجد صعوبة في مواجهة الجماعات المسلحة في سيناء لإتباعهم نمط حروب العصابات والتي تنهك الجيوش النظامية، وتزايدت قوة وخطورة تلك الجماعات الإرهابية نتيجة لهروب عدد من المسجونين الخطرين من السجون وتوجههم لسيناء، بالإضافة إلى الإفراجات الرئاسية عن عدد من الجهاديين السابقين في فترة حكم الرئيس مرسي، وتوافد بعض المتشددين والمتطرفين من الخارج على مصر في ظل تشجيع غربي لهذا الأمر للتخلص من تهديداتهم للأمن الغربي.

وأكد اللواء قشقوش على أن الحرب في سيناء هي حرب معلومات، فالمعلومة مدخل أساسي للقضاء على الجماعات المسلحة وستساهم في تخفيف الخسائر الناجمة عن حروب العصابات، والأنفاق هي المصدر الأساسي لتدفق المتطرفين إلى سيناء وتهريب السلاح والبضائع وتخزينها في سيناء لحمايتها من الهجمات الإسرائيلية، كما أن ليبيا تمثل مصدراً أساسياً لتدفق السلاح بكميات هائلة نظراً لغياب الدولة الليبية.

وفيما يتعلق بالأبعاد الاجتماعية والقبلية للنشاط الجهادي في سيناء، أشار الدكتور جلال الزناتي إلى أن قبائل سيناء تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي: قبائل شمال سيناء ويطلق عليهم قبائل بلاد العريش، وهم قبيلة السواركة وقبيلة المساعيد وقبيلة الرميلات وقبيلة البياضية، وقبائل وسط سيناء وهم قبيلة التياها وقبيلة الترابين وقبيلة الاحيوات وقبيلة الحويطات، وقبائل جنوب سيناء وأهمهم قبائل الحماضة والتمنة والبراثين والمواطرة. وأشار إلى أن لأهالي سيناء مطالب تتمثل في وقف حملات المداهمة الأمنية ومطالب تنموية وحقوق المواطنة وتسوية مشكلة تمليك الأراضي للساكن في سيناء.

وأكد زناتي على أن هناك العديد من المخاطر الأمنية في سيناء مثل مشكلات التهريب، والأنفاق، والطابع القبلي، وضعف التواجد الأمني، ووجود تدخلات أجنبية ووجود دور خفي لبعض العناصر الأجنبية وتأثيرها على بعض العناصر الموجودة من خلال الامتداد الطبيعي للعائلات من ناحية، وكذلك دور أجهزة المخابرات كالموساد والشاباك من ناحية أخرى، وأشار إلى أن التنظيمات الإرهابية تعتبر الدولة المصرية عدواً لها واتضح ذلك بعد 30 يونيو2013، وأكد على وجود حالة من عدم الثقة بين المواطنين المصريين البدو من ناحية والدولة من ناحية أخرى لاعتقادهم بأن العمليات العسكرية موجهة لهم وليس ضد المتطرفين.

تعليقات القراء
?> ?>