العددان 68 و 69

تاريخ العدد: 
ديسمبر 2015
افتتاحية العدد
 
لواء/ أحمد الشربيني

يُصدر المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط العددين (68 و69) من دورية "أوراق الشرق الأوسط" في ضوء مجموعة من التطورات المتلاحقة التي تشهدها منطقتنا العربية والإقليمية.

فعلى مستوى الأزمة السورية، أدى التدخل العسكري الروسي لمتغيرات جديدة على الصعيدين العسكري والسياسي، فعلى الصعيد الميداني والعسكري، أصبح النظام السوري في وضع المبادر بالهجوم اعتماداً على الإسناد الجوي الروسي، وتحسن وضعه الميداني نسبياً، وأصبحت فصائل المعارضة تشعر بالعجز في تحركاتها نتيجة الاستهداف الروسي لمقراتها وخطوط إمدادها، ولا يزال تنظيم داعش يتمدد بشكل خاص على حساب قوات المعارضة، واستغل الأكراد التنافس الأمريكي الروسي على دعمهم في أعقاب التدخل الروسي لزيادة نفوذهم الميداني في الشمال السوري. وعلى الصعيد السياسي، رأت روسيا استخدام الحل العسكري في سوريا لفرض الحل السياسي -من وجهه نظرها- ويأتي تكثيف موسكو من جهودها للتوصل لحل سياسي في إطار رغبتها في عدم إطالة تدخلها العسكري في سوريا أو دفع الأمور إلى حرب واسعة، ويعد الإنجاز الأبرز في هذا الصعيد هو قرار مجلس الأمن رقم 2254 والذي يتبنى خريطة طريق لحل الأزمة والتي سيكون من المتعين لإنجاحها الالتزام بإنجاز المهمات الموكلة للأطراف المختلفة في التوقيتات المحددة، خاصة فيما يتعلق بوضع خطة متكاملة من جانب الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار وجمع ممثلي النظام والمعارضة في يناير الجاري في جنيف لتشكيل الحكومة الانتقالية، ويعد وقف إطلاق النار في سوريا هو المسألة الأعقد التي ستواجهها الأطراف الساعية لإنجاح خريطة الطريق، وذلك نظراً لكثرة الفصائل المتواجدة على الأرض، ولصعوبة تحديد خطوط التماس في بعض المناطق، الأمر الذي يجعل هناك صعوبة في تحديد أي فصيل قد يخرق وقف إطلاق النار.

وفيما يتعلق بالأزمة العراقية، يعد الإنجاز الأبرز على الصعيد العسكري هو نجاح الجيش العراقي يوم 28 ديسمبر 2015 فــي تحرير معظم مدينة الرمادي مـن سـيطرة تنظيـم داعـش، ليكون ذلك الانتصار الثالث الكبير الذي تم تحقيقه ضد هذا التنظيم خلال الأشهر الماضية، وذلك بعد تحرير "بيجي" في أكتوبـر 2015، و"سـنجار" فـي نوفمبر من العام نفسه، ولكن يتمثـل الفارق المهم في تحرير الرمادي في أن القـوات العراقية بمساعدة العشائر السنية هي التي لعبت الدور الرئيسي في تحرير المدينة، وليس ميليشيات الحشد الشعبي أو قوات البيشمركة الكردية كما حدث فــي "بيجي" و"سنجار"، وهو نموذج يمكن الاعتماد عليه في مواجهة داعش مستقبلاً  فـي "الفالوجة" و"الموصل" وبقية المدن. وعلى الصعيد السياسي، لا تزال الحكومة العراقية عاجزة عن تحقيق المصالحة مع المكون السني حتى الآن في ظل التفافها على مطالبهم وأبرزها تشكيل الحرس الوطني ووضعه في قوالب جديدة غير طائفية. وفي هذا الإطار يستمر سعي بعض مراكز الأبحاث الأمريكية – من خلال دعمها لتحركات السنة – إلى تهيئة الأجواء لمخطط تقسيم العراق إلى ثلاث أقاليم ويرتبط بذلك ما يتردد حالياً في أوساط المراكز البحثية الأمريكية عن ضرورة تشكيل دولة سنية جديدة تضم غرب العراق وشمال شرق سوريا وتكون سنية مستقلة بديلا عن الدولة الإسلامية. في حين لا تزال الخلافات بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان تراوح مكانها خاصة فيما يتعلق بالملف النفطي.

وفيما يتعلق بتطورات الأزمة الليبية، نجحت وساطة الأمم المتحدة في إقناع معظم أطراف الأزمة الليبية بالتوقيع على الاتفاق السياسي في 17 ديسمبر 2015 وتشكيل مجلس رئاسة حكومة التوافق الوطني برئاسة فايز السراج، مع استمرار معارضة رئاستي البرلمان الليبي والمؤتمر الوطني العام للاتفاق السياسي، ومن المقرر أن يشكل المجلس الرئاسي حكومة التوافق الوطني خلال الفترة المقبلة، غير أن مستقبل هذه الحكومة ونجاحها في ممارسة مهامها وبسط سيطرتها على الأرض يتوقف على موقف الميليشيات المسلحة من تلك الحكومة. وفي الوقت ذاته تتزايد احتمالات إقدام الدول الغربية على القيام بعملية عسكرية في ليبيا ضد تنظيم داعش الذي بدأ يتمدد باتجاه منطقة الهلال النفطي للسيطرة على حقول النفط لتوفير مصادر جديدة لتمويل عملياته بعد الخسائر التي تعرض لها في سوريا والعراق، وسعي التنظيم لجعل ليبيا بمثابة العاصمة الثانية له بعد مدينة الرقة في سوريا عقب مناشدة التنظيم للعناصر الراغبة في الانضمام إليه بالذهاب إلى ليبيا، حيث تستعد قوة مشتركة من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية قوامها ستة آلاف جندي للذهاب إلى ليبيا لتدريب ودعم القوات الليبية في مواجهة تنظيم داعش وتعتزم ألمانيا إرسال 100 جندي لتدريب قوات الأمن الليبية.

وفي الجزائر، يسعى النظام لتمرير التعديلات الدستورية التي أعلن عنها في 4 يناير 2016 والتي أبرز ما جاء فيه تحديد مدد تولي رئاسة الجمهورية بفترة واحدة قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، وجعل اللغة الأمازيغية لغة رسمية وإنشاء هيئة مستقلة لمراقبة الانتخابات يعين أعضاءها من قبل رئيس الجمهورية، غير أن تلك التعديلات لم تلقى قبول من أحزاب المعارضة التي تطالب بإعداد دستور جديد توافقي وإجراء انتخابات مسبقة تعالج خلو منصب رئيس الجمهورية الناتج عن مرض الرئيس بوتفليقة، ويمكن القول أن هذه التعديلات تندرج ضمن عملية تهيئة الأجواء لنقل السلطة في ظل مرض الرئيس بوتفليقة وفي إطار التنازلات السياسية التي يقدمها النظام الجزائري للتغلب على حالة الغضب في الشارع الجزائري نتيجة لتردي الأوضاع الاقتصادية الناجمة عن انخفاض أسعار البترول العالمية.

وعلى مستوى منطقة الخليج العربي، فقد تصاعد التوتر بين السعودية وإيران عقب إعدام السعودية 47 متهما في قضايا تتعلق بالإرهاب وزعزعة أمن واستقرار المملكة من بينهم الشيخ الشيعي السعودي "نمر الباقر النمر"، وهو ما ادى الى اندلاع احتجاجات واسعه داخل ايران تم خلالها حرق السفارة والقنصلية السعودية بطهران ومشهد، وكذلك في عدد من الدول العربية كالعراق والبحرين ولبنان، ووصل حد التصعيد بين الجانبين إلى إعلان المملكة العربية السعودية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع ايران، وقامت العديد من الدول العربية بمساندة الخطوة السعودية سواء بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع "طهران" كالسودان والبحرين، أو تخفيض التمثيل الدبلوماسي، أو استدعاء الممثلين الدبلوماسيين الإيرانيين، أو التنديد والاحتجاج على ما حدث. ومن شأن التصعيد السعودي الإيراني أن ينعكس في صورة مزيد من التصعيد بالأزمتين السورية واليمنية أحد مجالات التنافس السعودي الإيراني، خاصة مع اقتراب عقد جولة جديدة من المفاوضات في25 يناير 2016.

ويعد التطور الأبرز على مستوى منطقة الشرق الأوسط هو التحول الكبير في السياسة الخارجية التركية عقب التوتر التركي الروسي الناجم عن إسقاط تركيا لطائرة حربية روسية بدعوى انتهاكها للأجواء التركية، حيث تتجه تركيا لإعادة علاقاتها مع حلفاءها القدامى وعلى رأسهم إسرائيل حيث توصل الطرفان لاتفاق مبدئي حول تطبيع العلاقات بينهما، كما تتجه تركيا لتوثيق علاقاتها بحلفائها الغربيين ممثلين في حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا للاستعانة بهم في مواجهة التصعيد الروسي، وتتجه تركيا أيضاً في الوقت ذاته لتوثيق علاقاتها بالدول الخليجية وعلى رأسها قطر التي ستستضيف قاعدة عسكرية تركية والسعودية التي اتفقت مع تركيا على تأسيسي مجلس أعلى للتعاون الاستراتيجي، ويأتي هذا التحول في السياسة الخارجية التركية في إطار استراتيجيتها لمواجهة العقوبات الاقتصادية الروسية بفتح أسواق جديدة أمام المستثمرين الأتراك والصادرات التركية وتنويع مصادر حصولها على الغاز الطبيعي الذي يأتي 57% منه من روسيا.