العدد 70، مارس 2016

تاريخ العدد: 
مايو 2016

 

افتتاحية العدد

لواء/ أحمد الشربيني

ُصدر المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط العدد (70) من دورية "أوراق الشرق الأوسط" في ضوء مجموعة من التطورات المتلاحقة التي تشهدها منطقتنا العربية والإقليمية.

فعلى مستوى الأزمة السورية، جاء قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسحب القسم الأكبر من القوات العسكرية الروسية من سوريا مفاجئاً من ناحية التوقيت، إلا أن حدوثه كان منطقياً في ظل الهدنة المفروضة والحسابات الاقتصادية لموسكو، ويبدو أن موسكو خشيت من أن يتحول وجودها في سوريا إلى ورطة بالنسبة لها إذا فشلت المفاوضات ولجأت الدول المتنافسة معها في سوريا إلى خطط بديلة. ولا يتعين قراءة الخطوة الروسية بالانسحاب الجزئي من سوريا بأنها تخلى عن نظام الرئيس الأسد، حيث أن انهياره سيمثل ضربة للمصالح الروسية بعد أن قامت بكل هذا الجهد لإنقاذه، وما يؤكد ذلك هو أن الانسحاب الروسي لم يكن كاملاً، وأن ما تم في الواقع هو خفض لحجم القوات، حيث ضمنت روسيا تواجد عسكري نوعي في سوريا من خلال قاعدتي "طرطوس" و"حميميم" ومنظومة صواريخ "إس400" المضادة للطائرات، ولا شك أن التدخل الروسي انعكس بشكل مباشر على الوضع العسكري وموازين القوى بين أطراف الصراع، وأفرز متغيرات جديدة على الأرض، لعل أهمها تحسين وضع النظام الميداني وإعطاءه أفضلية في جميع الجبهات على حساب قوات المعارضة وتنظيم داعش، كما يرجع لروسيا الفضل في إعادة بشار الأسد إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى وذلك في ضوء سعي روسيا لتقديم نفسها في صورة صانع الحل والتسوية السياسية للأزمة السورية.

وفيما يتعلق بتطورات الأزمة اليمنية، فقد بدأت بوادر الحل السلمي للصراع في اليمن، فمن المنتظر أن تشهد الكويت مفاوضات بين الحوثيين والنظام اليمني وذلك برعاية الأمم المتحدة، بهدف التوصل لاتفاق ينهي النزاع اليمني ويتيح استئناف الحوار الوطني بين الفرقاء اليمنيين فضلاً عن وضع آلية لتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي "رقم 2216" حول حل الأزمة اليمنية، وتأتي هذه الخطوة بعد عدة تطورات أهمها الإعلان عن هدنة في 10 ابريل 2016 بين تحالف الحوثيين وصالح من جهة والتحالف العربي بقيادة السعودية من جهة أخرى، وذلك عقب زيارة وفد حوثي للرياض في مارس 2016 لبحث عمليات التهدئة على الحدود اليمينة السعودية وتبادل الأسرى. وأخيراً قرارات الرئيس هادي بإعفاء "خالد بحاح" من منصب رئاسة الوزراء، وتعيين "على محسن الأحمر" نائباً للرئيس، في إطار الضغط على الحوثيين وحلفاؤهم في المفاوضات المزمع انعقادها في الكويت للقبول بالحل السياسي أو استمرار الحل العسكري.

وفيما يتعلق بتطورات الأزمة الليبية، فقد شهدت ليبيا عدد من التطورات الهامة على المستوى السياسي حيث تمكن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني من الانتقال من تونس إلى العاصمة الليبية طرابلس في 30 مارس 2016 عن طريق البحر ليستقر في قاعدة "أبو ستة" البحرية التي يمارس مهامه حالياً منها، بعدما فشل في الانتقال إلى طرابلس عن طريق الجو، بسبب إغلاق حكومة الإنقاذ المسيطرة على العاصمة طرابلس للمجال الجوي بتعليق حركة الملاحة الجوية في مطاري معيتيقة ومصراته. وقد أدى انتقال المجلس الرئاسي للعاصمة إلى تباينات في مواقف الأطراف الليبية، وظهور انقسامات بداخل التحالفات الليبية القائمة وصلت إلى اندلاع اشتباكات بالعاصمة طرابلس بين الجماعات المسلحة المؤيدة والمعارضة لحكومة الوفاق غير أنها سرعان ما توقفت عقب تدخل عدد من الأعيان والقيادات القبلية، في حين رحبت معظم القوى الدولية بانتقال المجلس الرئاسي للعاصمة.

كما قطعت حكومة الوفاق الوطني خطوات باتجاه تثبيت وجودها في طرابلس حيث أصدر وزراء حكومة الإنقاذ في طرابلس من دون رئيس الحكومة "خليفة الغويل" بياناً أعلنوا فيه تسليم سلطاتهم لحكومة الوفاق الوطني، كما التقى المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق بحوالي 25 من عمداء بلديات المنطقة الغربية والجنوبية وحصلوا على تأييدهم، كما أعلن المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والمؤسسة الليبية للاستثمار في طرابلس، تأييدها لحكومة الوفاق وخضوعهم لسلطتها. وعلى صعيد أخر فقد تشكل المجلس الأعلى للدولة المنبثق عن المؤتمر الوطني العام وعقد أولى جلساته في 5 أبريل 2016 وتم انتخاب النائب عن مدينة مصراتة "عبد الرحمن السويحلي" رئيساً له.

وفيما يتعلق بالأزمة العراقية، فتشهد العراق أزمة سياسية داخلية نتيجة لنظام المحاصصة الطائفية التي تقوم عليها العملية السياسية العراقية، والأزمة الاقتصادية وانتشار الفساد في مؤسسات الدولة مما أدى لتردي واضح في مستوي معيشة المواطنين، وتجلت هذه الأزمة مع دعوة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في 9 فبراير 2016 مجلس النواب والقوى السياسية إلى التعاون من أجل تغيير وزاري يضم شخصيات مهنية وتكنوقراط وأكاديميين، وليس وفق الاختيار السابق للوزراء بناء على حجم الكتل السياسية وتمثيلها في البرلمان، وتعقد المشهد السياسي والأمني بصورة كبيرة مع دخول زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر على خط الأزمة ودعوته للاعتصام أمام بوابات المنطقة الخضراء بالعاصمة بغداد في 26 فبراير 2016، وإعطاء العبادي مهلة 45 يوماً لتحقيق وعود الإصلاح، والتي انتهت في 26 مارس 2016 ، ونظرا لعدم استجابة رئيس الوزراء للمطالب الإصلاحية صعد مقتدى الصدر من تحركاته بدخول المنطقة الخضراء المحصنة في بغداد، التي تضم مقري الحكومة والبرلمان، وهو ما دفع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في 31 مارس 2016 إلى طرح تشكيلته الوزارية الجديدة، وحدد رئيس البرلمان سليم الجبوري مدة عشرة أيام لمناقشتها، وهو ما ترتب عليه تصعيد من قبل أعضاء المجلس بإقالة رئيس مجلس النواب "سليم الجبوري" من منصبه، وتجميد عمل مجلس النواب وظهور انقسامات حادة داخل الكتل السياسية بين مؤيد للإقالة ومعارض لها، الأمر الذي يفتح الباب أمام العديد من السناريوهات خلال المرحلة القادمة حول مستقبل العملية السياسية في العراق.

وفيما يتعلق بالشأن الإيراني، فقد أُجريت الانتخابات الإيرانية ( مجلس الخبراء ومجلس الشورى) في 26 فبراير 2016، والتي أظهرت نتائجها تقدم عدد كبير من التيار المحافظ والأقل تشدداً، ومن أهم التطورات التي شهدتها إيران أيضاً بالفترة الأخيرة هي قيام إيران بإطلاق صاروخين "بالستيين" قصير ومتوسط المدي في 9 مارس 2016، من طراز "قدر" من جبال البرز شمال ايران، وذلك في إطار مناورات "اقتدار الولاية" وتحت إشراف الحرس الثوري الإيراني، وهو ما فتح المجال للعديد من التساؤلات حول مدى التزام إيران باتفاقاتها مع المجتمع الدولي، كما أن تلك التجارب الصاروخية سلطت الضوء على الخلاف بين التيارات السياسية الإيرانية الداخلية، خاصة بين التيار المتشدد المعارض لسياسة الانفتاح مع الغرب والتيار الأكثر اعتدالاً متمثلا في الرئيس "حسن روحاني" الذي يحاول تحسين صورة إيران لجذب الاستثمارات الأجنبية إليها، ويمكن قراءة هذه التجارب في ضوء استمرار إيران في اتباع سياسة "استعرض القوة" أو "سياسة حافة الهاوية" مع الغرب، وذلك من خلال إبراز أنها القوة الأكثر ردعاً في المنطقة.

وعلى المستوى الإفريقي، فقد شهدت منطقة القرن الأفريقي حالة من الحراك السياسي حيث استضافت أثيوبيا منتدى "تانا" الخامس حول "الأمن في أفريقيا" لمدة يومين 16 – 17 أبريل 2016، وذلك في إطار حرص إثيوبيا للترويج لسياساتها باعتبارها قوة إقليمية في أفريقيا ومنطقة القرن الأفريقي من خلال المشاركة والتأثير في القضايا التي تهم دول القارة خاصة مكافحة الإرهاب. كما شهدت دولة السودان عدد من المتغيرات السياسية الهامة على الصعيد الداخلي حيث أجرت الحكومة السودانية في 11 أبريل 2016 استفتاء إداري حول وضع اقليم دارفور الاداري لتحديد ما إذا كان الإقليم سيبقى مقسماً إلى خمس ولايات أم سيتم توحيده في كيان واحد، وإن كانت المؤشرات الأولية لنتائج الاستفتاء تشير إلى الإبقاء على نظام الولايات الخمس بدلاً من الإقليم الواحد، وهو ما يعني الابقاء على وضع وبنية الولايات الخمس في دارفور. وخارجياً، لا يزال نظام الإنقاذ يتبنى سياسة خارجية من شأنها الحفاظ على مصالحه الاستراتيجية سواء في القارة الأفريقية أو في منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة عبر تعزيز علاقات السودان الخارجية مع القوى الإقليمية ذات التأثير وخاصة المملكة العربية السعودية من خلال التعاون معها في التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، ومن خلال تعزيز علاقاتها بأثيوبيا لما لها من ثقل سياسي في القارة الأفريقية.