أوراق الشرق الأوسط (العدد 83)

تاريخ العدد: 
أبريل 2019

الكلمة الافتتاحية

يصدر المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط العدد (83) من دورية "أوراق الشرق الأوسط" في ضوء مجموعة من التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة العربية والإقليم والعالم.

 تأتي قضية الصراع العربي الإسرائيلي في مقدمة هذه التطورات، حيث طرحت الادارة الامريكية مشروع رسمي حمل عنوان "من السلام إلي الازدهار " تضمن رؤية جديدة للشعب الفلسطيني، وتم التركيز على الإدارة والتنمية والحوكمة، وعلى ريادة الاعمال، والابتكار ودور مؤسسات المجتمع المدني، وغيرها من مبادئ النظام الاقتصادي الجديد، كما تم التركيز على المستقبل في الداخل الفلسطيني، وعدم الإشارة إلى الماضي أو الوضع الراهن، مع التطرق إلى مختلف المجالات (الاقتصادية والاجتماعية والفنية والثقافية)، واستهداف كافة الشرائح الموجودة في الداخل الفلسطيني وخاصة الشباب والمرأة.

  وبصرف النظر عن الطرح الأمريكي وردود الفعل فإن مرحلة جديدة من التعاملات الأمريكية في الشرق الأوسط بدأت، وقد تمر ببناء استحقاقات مختلفة في ظل إدارة أمريكية راغبة في الحل الاقتصادي الذي سيظل محل تباين واختلاف حقيقي، ومع وجود أطروحات أخرى مقابلة عربياً ودولياً مما يتطلب مراجعة مواقف الاطراف الأخرى.

لتشهد المنطقة العربية تطوراً اخر لا يقل في أهميته، وهو المتعلق بمسارات الازمة السورية، حيث مازالت التسوية السياسية تواجه العديد من العثرات، في ظل مفاوضات مستمرة بدون نتيجة واضحة حول تشكيل اللجنة الدستورية، وميدانيا استمرت حالة التوتر في الشمال السوري مع استمرار محاولات الجيش السوري المدعوم روسياً السيطرة على جنوب ادلب وطرد "هيئة تحرير الشام" من المنطقة، يتزامن ذلك مع حشود عسكرية تركية وتلويحات تركية لا تنقطع بعملية محتملة ضد الأكراد في مناطق "تل ابيض" و"تل رفعت" حال عدم التوصل لاتفاق بشأن إقامة "منطقة آمنة" خالية من القوات الكردية على الحدود السورية التركية، والتي تواجه صعوبات عديدة خصوصاً بعد الرفض الأوربي بالمشاركة بقوات بالمنطقة المقترحة.

في نفس السياق، استمرت الولايات المتحدة وإسرائيل في تتبع مناطق النفوذ الإيرانية في سوريا، ومحاولة تحجيمها سواء عن طريق ضربات جوية اسرائيلية مباشرة، أو عن طريق الأدوات الدبلوماسية، حيث تواترت الضغوط الإسرائيلية على روسيا من اجل الزام ايران وحزب الله بالابتعاد عن الجنوب السوري، تزامن ذلك مع تطبيق ايران وحلفائها لخطط إعادة انتشار شملت تخفيض للعدد الإجمالي للميليشيات الموالية لايران بسوريا، والتركيز على مناطق أخرى بجانب الجنوب وعلى رأسها الشرق السوري (تحديداً مدينة البوكمال). 

 

 وعلي صعيد أخر، شهدت القارة الافريقية العديد من التطورات خلال الأسابيع الماضية، بدءاً بالأزمة السياسية في السودان والتي شهدت تطوراً هاماً تمثل في توصل كل من المجلس العسكري الانتقالي وقوى "الحرية والتغيير" إلى اتفاق بشأن بدء المرحلة الانتقالية القادمة، وتضمن الاتفاق بدء فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات، وتشكيل مجلس سيادي يضم في عضويته خمسة مدنيين وخمسة عسكريين واختيار شخصية مدنية ذو خلفية عسكرية لتولي رئاسة المجلس السيادي على أن يتناوب كلا الطرفين رئاسته، حيث تتولى شخصية عسكرية رئاسة المجلس لمدة 21 شهراً وتتولى شخصية مدنية رئاسته في الـ 18 شهراً المتبقية، كما تم الاتفاق على تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة، وتأجيل تشكيل المجلس التشريعي إلى ما بعد تشكيل الحكومة الانتقالية وإجراء انتخابات عامة بنهاية هذه الفترة، كما تم الاتفاق أيضاً على تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للكشف عن المتورطين في قتل المدنيين عند فض اعتصام قيادة الجيش في مطلع شهر يونيو الماضي بالإضافة إلى كافة الأحداث التي سبقت هذا الحادث وتلتْهُ لمحاسبة المسئولين، ولاتزال المفاوضات بين الطرفين قائمة لإقرار ما يعرف بالوثيقة الدستورية، وسيبقى نجاح هذا الاتفاق مرهوناً بمدى قدرة كافة الأطراف على التنسيق والتوافق المشترك لمواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية خلال الفترة المقبلة.

مروراً بالأزمة الليبية، حيث احتدم الصراع بين المشير "خليفة حفتر" ورئيس حكومة الوفاق "فايز السراج" على خلفية اطلاق المشير "حفتر" العملية العسكرية على طرابلس، حيث يتهم المشير "حفتر" حكومة الوفاق بأنها حاضنة للإرهاب، الأمر الذي يستوجب عزلها وتطهير العاصمة وضواحيها من ميليشيتها، فيما يناشد "السراج" المجتمع الدولي باتخاذ موقف موحد ضد المشير "حفتر" لوقف العملية العسكرية، ونظرًا لانقسام المجتمع الدولي وعدم جدية أطراف النزاع الليبي في العودة للحوار السياسي السلمي، تستمر المعارك المسلحة بين الطرفين مع توقعات بمزيد من التصعيد العسكري من جانب المشير "حفتر" وتصاعد التخوف من استغلال الجماعات الإرهابية للثغرات الأمنية في جنوب البلاد وتنفيذ عمليات موسعة داخل ليبيا وفي دول الجوار.

وصولاً للساحة الجزائرية، فمازال الحراك الشعبي مستمرًا في ظل رفض السلطة تأجيل الانتخابات الرئاسية وتفعيل فترة انتقالية يقودها شخصية مستقلة لحين تعديل الدستور وقانون الانتخابات، لعدم دستورية تلك المطالب، ولكن في ظل رفض الحراك لإجراء الانتخابات وفشل العديد من المبادرات لحل الأزمة، يتصاعد التخوف من بقاء الوضع على ما هو عليه من المدي القصير للمتوسط، الأمر الذي قد يؤثر بشكل سلبي على الحالة الأمنية والاقتصادية للبلاد.

إضافة الي، التطورات على الساحة التونسية، خاصة مع تجدد العمليات الإرهابية والانتحارية في شهر يونيو2019 حيث أعلن تنظيم داعش تبنيه تفجيرين انتحاريين متزامنين وسط العاصمة، كما حاولت مجموعة مسلحة مهاجمة محطة إرسال إذاعي جبل "عرباطة" بولاية "قفصة"، وذلك مع الذكرى الخامسة لإعلان قيام "دولة الخلافة"، وتكشف هذه العمليات عن دلالات مهمة لعل من اهمها محاولة داعش إثبات مدى قدرته على التمدد لتهديد الداخل التونسي، إضافة الي احتمال سعى التنظيمات الإرهابية إلي استغلال جبل "عرباطة" في نقل السلاح والمقاتلين والأموال من ليبيا إلي تونس (والعكس) حيث يربط الجبل بين جبال غرب تونس وجبال جنوب تونس المحاذية لليبيا، فضلاً عن ما يوفره من ملاذ آمن قد يصعب اقتحامه من قبل الأجهزة الأمنية، خاصةً مع ‌اشتداد المعارك الدائرة بين الجيش الليبي وميليشيات غرب ليبيا، الأمر الذي قد يفسر مخاوف تلك الميليشيات من احتمالات حصارها في المناطق الحدودية مع تونس، ومن ثم قد تسعى لإيجاد ملاذ لها في الداخل التونسي ليكون قاعدة خلفية بديلة.

 ومن جانب آخر تشهد منطقة شرق أفريقيا العديد من الاحداث، خاصة الصومال وتحت وطأة زيادة حادة حجم الهجمات الإرهابية والتفجيرات سواء من "حركة الشباب الإرهابية" أو من "داعش"؛ وذلك بعد انسحاب القوات التابعة للاتحاد الأفريقي (الأميصوم)، وبالتوازي مع الوضع الأمني غير المستقر، كما تشهد الصومال أزمة دبلوماسية حادة مع كينيا إثر الخلاف الحدودي البحري بين البلدين؛ الأمر الذي زاد من حالة التخبط في تحركات وقرارات الرئيس الصومالي "عبد الله فرماجو" في محاولة منه لعلاج تلك المشكلات في ضوء ما تشهده حكومته من انتقادات لاذعة من الولايات المحلية.

 أما على صعيد تطورات الازمة اليمنية، فيشهد الملف مزيدًا من التحديات في ضوء التوتر الإقليمي الناجم عن التصعيد الإيراني/الأمريكي المستمر وانعكاساته على منطقة الخليج على وجه خاص، فضلًا عن القرار الإماراتي بتخفيض أو العمل على إعادة انتشار تواجدها العسكري في اليمن، وهو ما ينذر بعدد من المخاوف والتي تتبلور في انزلاق اليمن إلى مجرد منطقة للصراع بين المحور الإيراني بما يمثله دعمهم للحوثيين، وبين المحور السعودي/الأمريكي خاصًة مع ارتفاع وتيرة الهجمات الحوثية على الأهداف السعودية، وإبداء المملكة موافقتها على استضافة عدد من قوات الجيش الأمريكي بما يقارب 500 جندي، بالإضافة إلى التحسب من التفسير الحوثي للتخفيض الإماراتي على أنه انتصار لهم. أما عن الجهود الأممية الساعية لتنفيذ اتفاقات استوكهولم وخصوصًا اتفاق الحديدة فقد شهدت الفترة الأخيرة عودة المبعوث الأممي لدى اليمن "مارتن غريفيث" لإجراء جولاته الإقليمية والدولية في عدد من دول الخليج، وروسيا، والولايات المتحدة، كما استأنف جلساته مع الرئيس اليمني "عبد ربه منصور هادي"، بعد الأزمة التي شهدتها علاقته مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وذلك من أجل الدفع بالأطراف لإعادة الانتشار في موانئ محافظة الحديدة لما يمثله من ممر هام للمساعدات وكونه خطوة أولية للاتجاه نحو المشاورات السياسية، ولكن حتى الوقت الراهن لا توجد أية مؤشرات على اقتراب طرفي الأزمة من التوصل لاتفاق حول القوات المحلية وبالتالي هذا يعني احتمالية بقاء الحال كما هو عليه في المدى القريب.

كما تشهد منطقة الخليج العربي الكثير من التفاعلات والتطورات، سواء علي المستوي السياسي أو المستوي العسكري، في ظل التصعيد الأمريكي/ الإيراني المستمر خلال الأشهر القليلة الماضية، بدءاً من تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب قراره بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (5+1) في مايو 2018، استراتيجية "الضغوط القصوى" من أجل إرغام طهران على القبول بالتفاوض حول اتفاق نووي جديد، مروراً بتوقيف ناقلة النفط الإيرانية "غريس 1" في منطقة جبل طارق الخاضعة للسيادة البريطانية وهو ما قوبل باحتجاز ايران لسفينتين بريطانيتين في مضيق هرمز، وصولاً الي الإعلان الأمريكي عن الدعوة لصياغة تحالف دولي لضمان حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز تشارك فيه نحو 60 دولة لمواجهة أية ممارسات عدائية من جانب إيران، وهو ما ينذر بمزيد من التصعيد في المنطقة ويعيد الي الاذهان إمكانية تجدد حرب الناقلات التي وقعت في ثمانينات القرن العشرين، وعلي الرغم من تداعيات تلك التطورات، إلا انها قد تفتح المجال لإمكانية أن تشهد الأيام القادمة جولة جديدة من المفاوضات على أسس مختلفة بما يحقق الوصول إلى صيغة مقبولة من قبل الجميع لحفظ مصالح الجانبين (الإيراني والأمريكي) في المنطقة.