التداعيات الدولية للحرب الروسية الأوكرانية

تقديم: [1]

تثور عدة تساؤلات بشأن التداعيات الدولية للحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت في ٢٤ فبراير ٢٠٢٢ ولاتزال جارية حتى وقت كتابة هذا المقال، وذلك من جهة التداعيات الأمنية والاستراتيجية العالمية أو من جهة التداعيات التي لاحت بالفعل على الاقتصاد العالمي. وعلى الرغم من أنه من المبكر الجزم بنتائج محددة للحرب، إلا أنه بصفة عامة يمكن رصد عدد من التداعيات في ضوء ما أفرزته من نتائج خلال أكثر من شهر من بدئها. وفيما يلي محاولة مبدئية لرصد هذه التداعيات.

أولاً: النواحي الأمنية والاستراتيجية

(1)   عودة حالة عدم الاستقرار الاستراتيجي لأوروبا بعد عقود من السلام الطويل

إن أحد أهم التداعيات الواضحة للأزمة الروسية الأوكرانية هو عودة حالة عدم الاستقرار الاستراتيجي والعسكري لأوروبا، وذلك مع تأكد عدم تردد روسيا في اللجوء للوسائل العسكرية في سبيل تأمين حدودها الغربية وضمان وجود مناطق عازلة/محايدة بينها وبين الغرب عموماً.

(2)  ترتيبات  مابعد الحرب الأوكرانية ستتجاوز أوكرانيا وتمتد إلى العلاقات الأمنية بين الشرق والغرب الأوروبي.

في هذا السياق، يمكن القول أنه بغض النظر عن نتيجة هذه الحرب، ستستمر روسيا في محاولة حماية محيطها الاستراتيجي في شرق أوروبا، وسيظل استقرار النظام الأمني ​​الأوروبي مرهوناً بالاعتراف بمصالح روسيا الأمنية بشكل ما. لهذا فإن عبء إدارة العلاقات الأوروبية الروسية في مرحلة ما بعد الحرب يعتبر من التحديات الكبيرة لأوروبا.

(3)  الحرب الأوكرانية تعطي دفعة للترتيبات الأمنية والدفاعية الأوروبية

ساهمت الحرب الأوكرانية في إعطاء دفعة للترتيبات الأمنية والدفاعية الأوروبية المشتركة، والتي بدأت بالفعل في أعقاب إصدار الاتحاد الأوروبي للاستراتيجية الشاملة في يونيو ٢٠١٦. وتأتي الحرب الروسية الأوكرانية لتجبر عدد من دول أوروبا الأساسية، مثل ألمانيا التي تقود خطط الدفاع الأوروبية المشتركة، على زيادة إنفاقها العسكري.[2]

(4)  الحرب الأوكرانية تستدعي دورا مستقبليا أوسع لحلف شمال الأطلنطي في الترتيبات الأمنية والدفاعية للجناح الشرقي للحلف بأوروبا.

فقد بدأت بالفعل دول حلف شمال الأطلنطي منذ شهر يناير ٢٠٢٢ في وضع قوات في حالة تأهب وإرسال سفن وطائرات مقاتلة إضافية إلى عمليات انتشار الحلف السابقة في أوروبا الشرقية وذلك بهدف تعزيز قدرة ردع ودفاع الحلفاء بالتزامن مع مواصلة روسيا حشدها العسكري

 في أوكرانيا وحولها.[3]

(5)  الصين وروسيا: صداقة لها حدود

أبدت الصين في بداية الأزمة مواقف سياسية أعطت انطباعاً عاماً بصلابة العلاقات الصينية الروسية وأن الدولتان، كما صرحتا قبيل اندلاع الحرب في فبراير ٢٠٢٢، تتمتعان بصداقة "لا حدود لها". فقد رفضت الصين إدانة هجوم روسيا على أوكرانيا وبررت الحرب بأنها نتاج سياسات حلف شمال الأطلنطي التوسعية.[4] إلا أن تطورات الحرب الأوكرانية أظهرت برجماتية موقف الصين، فقد أكدت الصين لاحقاً أنها ليست طرفاً في الحرب الأوكرانية. ففي حين أن الصين هي الشريك التجاري الأول لروسيا، إلا أن التجارة بين البلدين تمثل ٢٪ فقط من إجمالي حجم التجارة الصينية، وهو ما لا يقارن بحجم التبادل التجاري الضخم بين الصين من ناحية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

(6)  الولايات المتحدة: سياسة ارهاق روسيا واستمرارية في التركيز على الشرق الآسيوي

على الرغم من مسؤولية الغرب عموماً في استفزاز روسيا في أوكرانيا، إلا أن رد فعل القوى الغربية عموماً جاء مخيباً للآمال الأوكرانية، وتعود أسباب ضعف ردة الفعل الى ما يلي:

-    فأولاً، تظهر خبرة العمل الدولي أن قيادة الولايات المتحدة الأمريكية أمر ضروري لتعبئة عمل عسكري أوروبي.

-    وثانياً: هو عامل الردع النووي وهو العامل الأهم الذي مثل العامل الأساسي في غياب أي مواجهة عسكرية مباشرة بين الغرب وروسيا.

-    وثالثاً، مضت الولايات المتحدة قدماً في إعادة تنظيم انتشارها العسكري العالمي بهدف زيادة ثقله في آسيا، وهو ما يلقي بعبء دفاعي أكبر على أوروبا..  

(7)   برجماتية الهند ودلالاتها

تميز أيضاً موقف الهند بالبرجماتية في التعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية. فمثل  الصين، امتنعت الهند عن التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص استنكار العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ويلاحظ أن مصالح الهند تتقاطع مع روسيا في مجال التسلح والدفاع منذ عقود طويلة وهو ما يقوض من مكانتها سواء كزعيم مستقل للجنوب العالمي غير المنحاز أو كحليف مؤكد للغرب في آسيا.

ثانياً: الحرب والتداعيات على الاقتصاد العالمي

(1)   تباطؤ النمو العالمي وزيادة سرعة التضخم وارتفاع الأسعار

خلال أيام من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية لاحت تداعياتها السلبية على الاقتصاد العالمي، خاصةً وأن الاقتصاد العالمي لم يتعاف بعد من تداعيات أزمة وباء كوفيد-١٩، وكانت أهم هذه التداعيات ارتفاع الأسعار وارتفاع معدلات التضخم عالمياً وتباطؤ النمو. في هذا الشأن، حذر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية من أن الاقتصاد العالمي برمته سيشعر بآثار الأزمة من خلال تباطؤ النمو، والاضطرابات في حركة التجارة العالمية، وزيادة حدة التضخم.[5]

(2)  انكماش الاقتصاد الروسي واحتمالية زيادة الاعتماد الروسي على الصين في المستقبل

 تشير التحليلات الاقتصادية الأولية من مصادر متفرقة إلى توقعات بانكماش الاقتصاد الروسي خلال عامين متتاليين (٢٠٢٢ و٢٠٢٣) للمرة الأولى منذ الانهيار الذي أعقب الانهيار السوفيتي قبل ثلاثة عقود.

(3)   الاتجاه نحو محاولة تقليص الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين روسيا وأوروبا

اتفق قادة الاتحاد الأوروبي على تعزيز مرونة الاقتصاد الأوروبي بشكل يسمح بخفض واردات الطاقة الأوروبية بشكل جذري من روسيا. ومن الواضح أن الاتحاد الأوروبي نجح بالفعل في تقليص التجارة مع روسيا بما في ذلك قطاع الطاقة حيث انخفضت واردات الطاقة من روسيا من ١٤٨ مليار يورو في عام ٢٠١١ إلى ٩٩ مليار يورو في عام ٢٠٢١، لهذا لن يكون من السهل أو السريع تقليص هذه الواردات بشكل جذري في مدة زمنية قصيرة.

(4)   تهديد الأمن الغذائي العالمي:

 واحدة من أهم التداعيات الاقتصادية المباشرة للحرب الروسية الأوكرانية هو ارتفاع أسعار القمح والحبوب وغيرها من السلع التي تتصدر تصديرها روسيا وأوكرانيا للعالم ارتفاع تاريخي، خاصةً الدول النامية، وهو ما ينذر بأزمة غذاء عالمية، أو بحسب تعبير الأمين العام

للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش "إعصار الجوع وانهيار نظام الغذاء العالمي". ويلاحظ أن روسيا وأوكرانيا تعتبران بمثابة سلة خبز للعالم، حيث تمثلان معاً ٣٠٪ من صادرات القمح العالمية.

 


[1] هذا المقال هو تلخيص لورقة عن نفس الموضوع جاري نشرها بمجلة "أوراق الشرق الأوسط"، العدد 91

[2] European Union External Action (14 March 2022), The War in Ukraine and its Implications for the EU, https://www.eeas.europa.eu/eeas/war-ukraine-and-its-implications-eu_en

[3] NATO (24 January 2022), NATO Allies send more ships, jets to enhance deterrence and defence in eastern Europe, https://www.nato.int/cps/en/natohq/news_191040.htm

[4] Time (1 April 2022), China’s Embrace of Putin is looking more and more costly, https://time.com/6163807/china-russia-putin-ukraine/

[5] UNCTAD (24 March 2022), Ukraine war cuts global growth prospects by 1%, https://unctad.org/news/ukraine-war-cuts-global-growth-prospects-1

 

تعليقات القراء