العملية شجاع: مقاربات أفريقية لمحاربة الإرهاب

في الوقت الذي تبدو فيه المقاربات الغربية لمحاربة الإرهاب في أفريقيا عقيمة ولم تستطع القضاء التام على خطر الجماعات الإرهابية المعولمة تُظهر بعض المبادرات الأفريقية إنجازات ملموسة. ولعل ذلك يُعيد الاعتبار مرة أخرى لشعار "حلول أفريقية لمشكلات أفريقية".في الأول من يونيو 2022 قامت كل من أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية بتمديد أجل "عملية شجاع" ، التي تمثل الهجوم العسكري المشترك الذي بدأ في 30 نوفمبر 2021. وبمقتضى هذه العملية التي تستمد اسمها من اللغة السواحيلية بما يحمله ذلك من دلالات غير خافية، تقوم القوات المسلحة الكونغولية بعمليات عسكرية مشتركة مع الجيش الأوغندي ( حوالي 1700 جندي اوغندي)  ضد القوات الديمقراطية المتحالفة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.بينما يبدو أن العملية نجحت في وقف هجمات القوات الديمقراطية المتحالفة المرتبطة بتنظيم داعش على العاصمة الأوغندية كمبالا ، إلا أنها لم تقلص الهجمات في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. حتى إذا أدى تمديد التفويض إلى المزيد من النجاحات التكتيكية ضد القوات الديموقراطية المتحالفة والتي تبدو غير مرجحة ، نظرًا للنجاحات المحدودة للعملية في الأشهر الستة الماضية - فمن غير المرجح أن يسهم الهجوم في تحقيق سلام أو استقرار أكبر في المنطقة نظرًا لتعقيد وتشابك الصراعات في شرق الكونغو.   

  تحديات العملية شجاع

 ثمة تحديات  كثيرة  تواجه العملية شجاع لمحاربة داعش على الحدود الأوغندية مع شرق الكونغو . ومن ذلك:

1- المعارضة الداخلية والإقليمية

  إن الاستعدادات للهجوم المشترك كانت في مراحل مختلفة متأثرة بمعارضة بعض دول الجوار الجغرافي ، إلى جانب مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (سادك) ، التي مارست ضغوطا على الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسكيدي بعدم السماح لأوغندا بشن هجوم انطلاقا من أراضي بلاده . كما أن الضغوط التي تمارسها المعارضة السياسية في الداخل الكونغولي تثقل كاهل الرئيس تشيسكيدي. ولدرء هذه الشكوك  قامت أوغندا بتسريع خطى دبلوماسيتها الناعمة لتهدئة الزعماء الأفارقة المتشككين والمجتمع الدولي من خلال تقديم تأكيدات بأنه ، على عكس غزوها للكونغو في الفترة من  1996-2003 حينما تم نهب ثروات زائير آنذاك ، فلن يحدث أي ضرر هذه المرة.

2- قدرة الجماعات الإرهابية على التمدد والانتشار. لاتزال هذه الجماعات قادرة على صنع العبوات الناسفة والمتفجرات. لا يزال لديهم القدرة على مهاجمة القوات الحكومية . أضف إلى ذلك يستطيع إرهابي واحد أن  يتسلل في الغابات الكثيفة بمسدس ويهاجم قرية نائية ليقتل العديد من المدنيين الأبرياء.

3- صعوبة  التضاريس في المناطق الحدودية والتي تتكون من غابات وعرة وتلال شديدة الانحدار لا يمكن اختراقها والعديد من المسطحات المائية ، وهو ما يعني أن المركبات الثقيلة التابعة للقوات الحكومية لا يمكنها التقدم وملاحقة الإرهابيين.

4- تعقيد وتشابك المشهد الأمني في شرق الكونغو. فقد بدأ تصعيد القتال بين حركة إم 23 والقوات الحكومية في أواخرعام 2021. وهذه مجرد واحدة من عدة مواجهات مسلحة مستمرة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. إذ بالإضافة إلى القوات الديمقراطية المتحالفة اتي تقوم بذبح الناس على الرغم من العمليات المشتركة بين أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية توجد حرب بالوكالة في مرتفعات أوفيرا وفيزي ، غير البعيدة عن بوروندي. وفي إيتوري في الطرف الشمالي الشرقي من جمهورية الكونغو الديمقراطية ، تواصل الجماعات المسلحة المختلفة بما في ذلك فصائل كوديكو إحداث الفوضى العارمة. 

5- لا يبدو أن مقاتلي ولاية داعش مدفوعين فقط بالمعتقدات الدينية ولكن بالظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة والعوامل السياسية المحلية كذلك. وقد تسببت أنشطة داعش الاجرامية في نزوح آلاف الأشخاص ؛ ولقي العديد من المدنيين وضباط الشرطة والجنود مصرعهم نتيجة لهجماتهم. علاوة على ذلك ، فإن عملياتهم لها تأثير على المصالح الاقتصادية الغربية ، كما أن مدى العلاقة بين داعش و وفرعها في الكونغو غير واضح بالفعل. ومع ذلك ، سواء كانت هذه العلاقة قوية أم لا ، فإن خطر ولاية أفريقيا الوسطى حقيقي ، لأن أنشطتها تؤثر على الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية في المنطقة.

داعش وتأسيس ولاية أفريقيا الوسطى

 ربما تكون علاقات القوات الديمقراطية المتحالفة  مع تنظيم داعش قد بدأت في وقت مبكر من عام 2017. وبحلول عام 2018 ، تم الاعتراف  بولاية أفريقيا الوسطى بشكل رسمي من قبل قيادة تنظيم داعش ، وفي أبريل 2019 ، كانت هجمات الجماعة الارهابية في جمهورية الكونغو الديمقراطية تحمل بصمات وأعلام داعش. وعليه لا ينبغي أن يدور الجدل بعد الآن حول ما إذا كانت القوات الديمقراطية المتحالفة  لديها علاقة رسمية مع داعش ، بل التركيز على طبيعة تلك العلاقة وأبعادها. وعلى الرغم من عدم وجود دليل حاليًا على تسلسل القيادة والسيطرة المباشرة من داعش إلى فرعها في أفريقيا الوسطى ، فإن تطور الأنشطة التشغيلية والاستراتيجية للقوات الديمقراطية المتحالفة  تحت قيادة موسى بالوكو يشير إلى أن المجموعة تسعى إلى تنفيذ عقيدة ومنهاج تنظيم داعش. يتضح ذلك من تحليل خطاب ودعاية  االقوات الديموقراطية المتحالفة، والذي يعكس تأثير داعش على تلك الجماعة الارهابية.  

 هناك أدلة متزايدة تشير إلى أن القوات الديمقراطية المتحالفة قد أقامت روابط اتصال مع داعش كما يتضح من عناصر ولاية أفريقيا الوسطى المتمركزة في جمهورية الكونغو الديمقراطية والتي تظهر في الرسائل من قبل وحداتها الإعلامية المركزية منذ عام 2019  . كما تشير تقارير المصادر البشرية أيضًا إلى أنه تم إنشاء روابط مالية بين كيانات داعش والقوات الديمقراطية المتحالفة. ونظرًا لتكرار ظهور أنشطة القوات الديمقراطية المتحالفة  في جمهورية الكونغو الديمقراطية في الرسائل الإعلامية لتنظيم داعش الأم منذ عام 2019 ، فمن الواضح أن داعش تستفيد من هذه الأنشطة لإثبات أنها لا تزال فعالة ونشطة على نطاق عابر للحدود ، على الرغم من فقدان السيطرة على الأراضي في جميع أنحاء سوريا والعراق. ومع انتشار الجماعات التابعة لتنظيم داعش والجماعات الموالية لها في جميع أنحاء إفريقيا ، فإن احتمال التعاون عبر الوطني وهجرة أعداد متزايدة من المقاتلين الأجانب الإقليميين قد يهدد الاستقرار الإقليمي. ولعل ذلك يطرح أهمية التنسيق الإقليمي لوقف تمدد داعش.

خاتمة وما العمل؟

وعلى اية حال يمكن القول بشكل عام أنه لا توجد منطقة أفريقية اليوم محصنة ضد التطرف الإرهابي العنيف. بالأمس ، كانت الجماعات الإرهابية تعمل بشكل واضح في شمال إفريقيا ومالي ونيجيريا. اليوم ، نتحدث عن الزيادة المضطردة في عدد الأنشطة الإرهابية العنيفة في الكاميرون وموزمبيق وجمهورية الكونغو الديموقراطية وربما تتمدد بعد ذلك لتشمل دولا مثل الغابون ، حيث إن تلك البلدان ، منخفضة الدخل والغنية بالموارد الطبيعية ، قد دمرتها أيضًا السياسات الاقتصادية والتنموية الفاسدة. لذلك ، هناك حاجة إلى مزيد من الجهود لضمان استقرار المنطقة ، ولا بد من اتباع نهج شامل لمعالجة بعض المشاكل الأمنية في المنطقة. نظرًا لتعقيد الإرهاب والتطرف العنيف ، هناك عدة مقاربات مطلوبة للتعامل مع الجماعات الإرهابية مثل داعش أفريقيا الوسطى ، بما في ذلك دعم البلدان المجاورة والمنظمات الدولية والمحلية والموارد البشرية والمالية الكبيرة. إلى جانب التدريب العسكري الأجنبي والتعاون الإقليمي ، هناك حاجة أيضًا إلى نهج اجتماعي واقتصادي للصراع. يجب تعزيز الحوار بين مختلف الأطراف المعنية للتخفيف من حدة الصراع بين الأجيال. يجب أن تركز السياسات العامة على زيادة وعي الشباب بالتطرف ، ولكن الأهم من ذلك أن التمكين الاقتصادي والمدني يظل ضروريًا للتخفيف من عوامل عدم الاستقرار. كما أن تطوير البرامج الاجتماعية والاقتصادية يعد شرطا لا غنى عنه لمزيد من الاستقرار في المنطقة. لذلك ، يجب معالجة الأسباب الجذرية للتطرف العنيف ، بحيث لاتساهم البيئة الاجتماعية الحالية في تعزيز التطرف بين شباب أوعندة أو الكونغو أو وسط إفريقيا.

تعليقات القراء