الانتخابات اللبنانية وقضية التغيير

 

مدخل تحليلي

ما أن ظهرت النتائج الأولية للانتخابات البرلمانية اللبنانية التي جرت في ١٥ مايو الماضي،ومن قبل حتى إعلان النتائج الرسمية بواسطة وزارة الداخلية،حتى بادر كلا الفريقين اللذين يشكلان طرفّى الاستقطاب السياسي اللبناني الحالي بإعلان انتصار كل منهما على الآخر.فمن جهة ذهب فريق ٨ آذار إلى أن الثنائي الشيعي الذي يمثّل لبّ هذا التيار حافظ على مقاعده البرلمانية،ما يعني أن الناخب اللبناني مازال يدعم خيار المقاومة التي يرفع شعارها حزب الله وحركة أمل.ومن جهة أخرى ذهب ما تبقّى من فريق ١٤ آذار إلى أن معسكر المقاومة الذي يشمل إضافة للثنائي الشيعي قوى أخرى أساسية مثل التيار الوطني الحر والحزب الديمقراطي وحزب التوحيد العربي وحركة المردة…إلخ قد فقَد الأغلبية المطلقة التي تمتّع بها في برلمان عام ٢٠١٨،مقابل تحسين حزب القوات اللبنانية وضعه البرلماني ودخول قوى جديدة تمثّل انتفاضة أكتوبر/تشرين وزيادة عدد المستقلين تنظيميًا وإن يكونوا بخلفيات سياسية مختلفة.الفارق بين وجهتّي النظر السابقتين هو مساحة الرؤية التي شملتها عدسة المحلّل السياسي إن ضيقًا أو اتساعًا.وفي شرح ذلك يمكن القول إن وجهة النظر الأولى ركّزت على ثبات عدد المقاعد البرلمانية للثنائي الشيعي،وتجاهلَت تراجُع شعبية المكونات الأخرى داخل فريق ٨ آذار وبالذات التيار الوطني الحر الذي ما عاد يمكنه الادعاء بأنه يمثّل أغلبية المسيحيين الموارنة في لبنان.أما وجهة النظر الثانية فإنها ركّزت على فقدان ٨ آذار الأغلبية البرلمانية المطلقة،لكنها تجاهَلت أن مكوّنًا سياسيًا أساسيًا من مكونّات ١٤ آذار وهو تيار المستقبل لم يعد له وجود بحيث صرنا إزاء تمثيل نيابي سنيّ لا يجمع بين أعضائه رابط تنظيمي،يضاف إلى ذلك أن المقاعد التي خسرها فريق ٨ آذار لم تذهب بالضرورة إلى مكونات فريق ١٤ آذار بل لوجوه جديدة من خارج الطبقة السياسية الحاكمة،وأخيرًا فإنه بالأرقام ارتفع عدد الأصوات التي حصل عليها حزب الله من ٣٣٠ ألف صوت إلى ما بين ٣٥٠ و٣٦٠ ألف صوت ما يعني أن شعبيته زادت.

في كل الأحوال فإن السؤال الكبير الذي يكمن خلف التلاعب بالصورة الكاملة للمشهد الانتخابي من هذا الطرف أو ذاك،إنما هو ذلك السؤال المتعلّق بانعكاسات المشهد الانتخابي على المشهد السياسي الأكبر بمعنى إلى أي مدى سوف تتأثر توازنات القوة داخل النظام اللبناني بنتائج الانتخابات البرلمانية وبالتالي تتأثر عملية صنع القرار.وسعيًا للإجابة على هذا السؤال سوف تتناول الورقة ثلاثة عناصر أساسية تتحكم في عملية التغيير ،اثنان من هذه العناصر  يرتبطان بالواقع الداخلي،وواحد يرتبط بالواقع الخارجي الإقليمي والدولي،وفيما يلي تحليل لتلك العناصر.

أولا: حدود القدرة على التحكّم في الجماعة

كلما حافظَت قيادة الجماعة على أدوات الضبط والتحكّم في أعضائها،وحالت دون الانسحاب منها والالتحاق بالجماعات الأخرى أو التصرف بشكل مستقل، قلّت احتمالات التغير في توازنات القوة القائمة بالفعل بين الجماعات المختلفة.وبتطبيق هذه الفرضية على الواقع اللبناني يمكن القول:

‌أ. إن الفاعل الأساسي في العملية السياسية اللبنانية أي الثنائي الشيعي حافظ على درجة عالية من انضباط أعضائه،وهو ما يمكن أن نلحظه من خلال مؤشر أساسي هواحتكار هذا الثنائي تمثيل الشيعة داخل البرلمان،حيث ينتمي النواب الشيعة إما إلى حزب الله وإما إلى حركة أمل.وبالنسبة للآليات المستخدمَة في الضبط فإنها تشمل الآلية الأيديولوچية التي هي آلية أساسية للحشد والتعبئة في مجتمع قائم على أسس طائفية صارمة.وهناك مَن يذهب إلى لجوء الثنائي الشيعي للترهيب(بالتهديد) والترغيب(بالمال)كآليتين إضافيتين من آليات الضبط الاجتماعي للناخبين الشيعة كما اتضح من مراقبة الانتخابات الأخيرة خصوصًا في الدوائر التي احتدم فيها التنافس الانتخابي،أما المتمردون من الشيعة وهم أقلية فإنهم اكتفوا بالامتناع عن التصويت في الانتخابات.لكن هنا لابد من تسجيل ملاحظة مهمة،هي أن قدرة الثنائي الشيعي على توظيف أدوات الضبط بأنواعها المختلفة تتعزّز داخل الطائفة أكثر من خارجها  أي مع الأنصار الذين ينتمون إلى الطوائف الأخرى،والدليل على ذلك أن الموارنة والسنة والدروز في الجنوب اللبناني-أحد معاقل دعم المقاومة اللبنانية أعطوا أصواتهم بالأساس لمرشحّي قوى التغيير.وذلك قد يعود لعدم الرضاء عن الأداء السياسي للثنائي الشيعي على مدار السنوات الأربع الماضية.

‌ب.  تعمّق الانقسام داخل الطائفة المارونية وواصل حزب القوات اللبنانية منافسة التيار الوطني الحر على تزعّم تلك الطائفة،إلى الدرجة التي يمكن الحديث فيها عن تقاسم الزعامة بين سمير جعجع وجبران باسيل.ويمكن تفسير صعود أسهم سمير جعجع بأنه يظهر بمظهر المدافع عن استقلالية قرار الموارنة بعيدًا عن تأثير حزب الله،ومعلوم أن التيار الوطني الحر ارتبط بعلاقة تحالف مع حزب الله منذ عام ٢٠٠٦ من خلال ما عُرِف باتفاق مار مخايل.

 

‌ج.  شدّد الحزب التقدمي الاشتراكي قبضته على الطائفة الدرزية،بعد أن تخلّص من أهم رأسين منافسَين له داخل الطائفة وهما طلال أرسلان ووئام وهّاب بخسارتهما في الانتخابات النيابية الأخيرة،بحيث هيمن وليد جنبلاط زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي على النواب الدروز في البرلمان ماعدا نائب واحد مستقل،وبالتالي فإن انتقال الزعامة الدرزية بسلاسة من وليد لابنه تيمور صار احتمالًا راجحًا.وفي تفسير هذه النتيجة ذهب البعض إلى قدرة الأب على تأكيد دوره كعامل مرجّح لطرفّي الاستقطاب الأساسي أي ٨ و١٤ آذار،فهو وإن يكن محسوبًا على ١٤ آذار إلا أنه لا يقطع مع ٨آذار حتى وإن توتّرت علاقته به.بينما ذهب البعض الآخر في تفسير السقوط الكبير لطلال أرسلان ووئام وهاب إلى أن حزب الله لم يدعمهما بالقدر الكافي،وهو تفسير يحتاج هو نفسه إلى تفسير.

‌د. وحدها الطائفة السُنّية هي التي انفرط عقدها بعد التردّي المستمر في مكانة سعد الحريري زعيم تيار المستقبل الذي كان يقدّم نفسه بوصفه زعيم السُنّة،هذا علمًا بأن حزب الله حتى قبل مقاطعة الحريري الانتخابات كان قد أخذ يقضم مقاعد السُنّة من خلال ما عرف بمصطلح"سُنّة حزب الله"،أي السّنّة المؤيدين لفريق ٨ آذار.هكذا افتقرَت زعامة المستقبل آليات لضبط التزام أبناء الطائفة السنية بشكل صارم وأقدم بعضهم على الترشّح مستقلًا رغم مقاطعة تيار المستقبل الانتخابات. 

‌ه. إذا أردنا أن نلخّص هذه النقطة أمكن لنا القول إن الثنائي الشيعي حافظ على تماسك أبناء الطائفة رغم بعض مظاهر التمرد المحدودة ،كما أن حزب الله تحديدًا استطاع أن يشّد عصب التيار الوطني الحر في إطار الطائفة المارونية ولولا  الدعم الكبير الذي قدمه له لفَقَدَ التيار المزيد من المقاعد لحساب حزب القوات اللبنانية.وبالنظر إلى الموقف المراوح للحزب التقدمي الاشتراكي الذي سبقت الإشارة إليه فإن الشكل العام لتوازن القوة بين الطوائف المختلفة لم يتغيّر،خاصة أن التراجع الذي مني به التيار الوطني الحر أحد أعمدة فريق ٨ آذار،عوّضه الغياب الكامل لتيار المستقبل وهو الركيزة الأساسية لفريق ١٤ آذار.

٢-دور القوى التغييرية  

‌أ.  مما لاشك فيه أنه في ظل نظام سياسي مبني على الطائفية في مختلَف مناصبه وتفاعلاته وسياساته،فإن وصول ١٣ نائب يمثلون قوى التغيير إلى مجلس النواب يعَد اختراقًا غير مسبوق في تاريخ الانتخابات اللبنانية وإنجاز يستحق التسجيل.هؤلاء النواب جاءوا من خلفيات اجتماعية ومهنية مختلفة،لكن يجمعهم هدف واحد هو الرغبة في إزاحة الطبقة الحاكمة التي عصفت بأموال المودعين في المصارف اللبنانية وأفقرَت الشعب وتسببَت في أن تفقد العملة الوطنية ما يقارب ٩٠٪؜ من قيمتها،دع عنك انفجار مرفأ بيروت بنتائجه الكارثية إنسانيًا وماديًا.ويمكن القول إن مجرد خروج هؤلاء التغيريين في ١٧ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٩ ورفعهم شعار"كلن يعني كلن" هو بحد ذاته خطوة إلى الأمام،فخروجهم أسقط الحصانة عن جميع زعماء الطوائف بما فيهم حسن نصر الله نفسه،وتلك كانت المرة الأولى التي يوضع فيها داخل سلة واحدة مع الباقين.وهذه الخطوة التقدمية تعززّت بخوض هؤلاء التغييريين الانتخابات البرلمانية وحصولهم على ١٣ من إجمالي ١٢٨ مقعدًا كما سبق القول.بعض التحليلات يذهب إلى أن هؤلاء استفادوا من الفراغ الذي تركته مقاطعة تيار المستقبل للانتخابات،ويمضي خطوة أبعد بالقول إن تيار المستقبل كان يدعمهم ليكونوا شوكة في حلق الثنائي الشيعي داخل البرلمان.لكن بغض النظر عن عوامل نجاحهم فإن هذا النجاح أصبح حقيقة واقعة،بحيث صارت كتلة التغييريين  إحدى الكتل الوازنة في مجلس النواب اللبناني. 

‌ب.   لكن إلى أي مدى يمكن لحَمَلة هذا النَفَس التغييري أن يكسروا معادلة الطائف ويضعوا الأساس لنظام جديد لا يعرف المحاصصة؟للتذكير فإن بعض هؤلاء النواب يطرحون أسئلة كبرى تضرب في صميم التوازنات الطائفية القائمة من قبيل:لماذا يكون منصب رئيس البرلمان موقوفًا على الطائفة الشيعية؟ مايعني أنهم يذهبون في تصورهم للتغيير إلى آفاق بعيدة.لكن في التطبيق سنجد أن الثنائي الشيعي نجح في تثبيت رئاسة نبيه بري لمجلس النواب للمرة السابعة على التوالي.وبالطبع قد يقال إن هذه هي أول مرة يتم فيها إعادة انتخاب بري لرئاسة المجلس بهذا العدد الهزيل من الأصوات:٦٥ صوتًا،لأنه إلى جانب التغييريين فإن هناك أحزابًا سياسية تقليدية تحت قبة البرلمان عارضَت هي الأخرى التجديد لبرّي.نعم هذا صحيح،لكن السؤال هو :إذا كان من المستحيل تدوير منصب رئيس المجلس حتى في إطار نفس الطائفة الشيعية،فكيف يمكن التفكير في تدوير هذا المنصب بين الطوائف المختلفة؟،هذا تطور بده وقت كما يقول اللبنانيون. وما حدث في انتخاب رئيس المجلس تكرّر في تشكيل اللجان،فمع بعض الخروقات التي تحقَقَت في عدد من اللجان التي دخل إليها التغييريون،ومع استطاعتهم فرض رأيهم فيما يتعلق بالمسائل الإجرائية الخاصة بتشكيل هذه اللجان،لكن يلفت النظر على سبيل المثال أن رئيس لجنة المال والموازنة في برلمان ٢٠١٨ وهو النائب إبراهيم كنعان أعيد انتخابه في البرلمان الحالي لنفس المنصب،وذلك رغم كل المآخذ عليه بسبب تعطيل تمرير قانون الكابيتال كونترول.ومن المعلوم أن هذا القانون يهدف إلى منع تحويل الأموال للخارج،وينظّم العلاقة بين المودعين والمصارف.وهذا معناه أن مَن تم الاحتجاج عليهم أعيد انتخابهم واستمروا في تقلّد نفس مسؤولياتهم السابقة.

‌ج. هناك مجموعة من القضايا المهمة التي سوف تمثّل اختبارًا لقدرة قوى التغيير على الاصطفاف وبناء التحالفات،وهنا يُعّد المستقلون هم الأقرب للتحالف رغم أنهم ليسوا مستقلين بالمعنى الحرفي للكلمة.أما القضايا العاجلة فهي قضية انتخاب رئيس الجمهورية الجديد وهي عادة قضية محفوفة بتعقيدات كبيرة ،وقضية ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل،وهذا ينقلنا للعنصر الثالث الخاص بالبعد الخارجي.

 ٣-المواقف الخارجية

‌أ.  يُعّد تثبيت توازنات القوة الحالية بين الطوائف هدفًا لإيران،فحزب الله يتمتع بموقف مُمَيّز مقارنة بكافة القوى السياسية الأخرى بالنظر إلى ما يمتلكه الحزب من سلاح وخبرة حربية مكتسبة أساسًا من مواجهاته المتكررة مع إسرائيل ثم في السنوات القليلة الماضية من انخراطه في ساحات القتال العربية المختلفة،وهو كما سبق القول يمتلك مع حركة أمل آليات ضبط معتبرة للطائفة الشيعية،لكن له أيضًا دور مهم في تحديد شخص رئيس الجمهورية.وبالتالي فإن الحزب مستفيد من صيغة الحكم الثنائية الحالية:مسلمون/مسيحيون،في انتظار أن تسمح الظروف بالانتقال لصيغة مثالثة في الحكم:سنة/شيعة/موارنة.وبما أن الحزب زاد من عدد أصواته الانتخابية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة فلقد ركّز الإعلام الإيراني على أن تلك الانتخابات كانت بمثابة تصويت لصالح خيار المقاومة.وبحكم الترابط الشديد بين ملفات المنطقة: ملف ترسيم الحدود البحرية اللبنانية مع إسرائيل،و مباحثات الملف النووي الإيراني في ڤينا،الاتفاقات الإبراهيمية وما يتردد عن الناتو العربي كتحالف أمني موجّه ضد إيران،فإن حزب الله يكتسب أهمية متزايدة في الاستراتيچية الإيرانية تجاه المنطقة. 

‌ب. دفعت وماتزال بعض الدول الخليجية في اتجاه تصعيد حزب القوات اللبنانية في إطار الطائفة المارونية بهدف إفراغ تحالف مار مخايل بين التيار الوطني الحر وحزب الله من مضمونه،ولأن الرهان على تيار المستقبل لإحداث تغيير في توازنات القوة بين السنة والشيعة لم يعد ممكنًا في ظل كون زعيم التيار نفسه لا يملك إرادة هذا التغيير كما هو واضح.وهذا يفسر ما ذهب إليه بعض المحللين عن الدور الذي لعبه المال السياسي في الانتخابات البرلمانية الأخيرة لصالح مرشحي حزب القوات اللبنانية،تمامًا كما أشير إلى دور المال السياسي في دعم مرشحي حزب الله وحلفائه.

‌ج.   لا تدعم القوى الغربية عدوانًا إسرائيليًا على لبنان بهدف القضاء على/أو تحجيم حزب الله وقلب التوازنات الطائفية القائمة رأسًا على عقب،وذلك بحكم المحاذير الكثيرة التي تحيط بهذا الأمر فضلًا عن عدم استعداد القوى الغربية للتعامل مع زلزال جديد في الشرق الأوسط على وقع الحرب الدائرة حاليًا في أوكرانيا.لكنها اعتبرت أن فقدان ٨ آذار الأغلبية المطلقة من جهة،وصعود مجموعة التغييريين من جهة أخرى مؤشرات إيجابية على بدايات حدوث تحوّل في البيئة الانتخابية اللبنانية.

خاتمة 

 إن انتخابات ١٥ مايو/أيار الماضي أتت بجديد لا خلاف على ذلك،وسمحَت لأشخاص وصفهم أحد المحللين السياسيين بأنهم"يشبهوننا"بالدخول إلى مجلس النواب لكن من دون أن يؤدي ذلك إلى خلخلة توازنات القوة الراهنة بشكل يؤثر على عملية صنع القرار في الداخل والخارج،وهذه النتيجة تتطلب منّا ترشيد التفاؤل والتحلّي بالموضوعية عند تحليل مستجدّات المشهد السياسي اللبناني في مرحلة ما بعد الانتخابات البرلمانية.

 

تعليقات القراء