مبادرة شرق افريقيا: عملية سلام نيروبي ومعضلة شرق الكونغو

تقوم مجموعة شرق إفريقيا بدور مهم بشأن البحث عن تسوية سلمية للصراع الدائر في شرق الكونغو الديمقراطية التي أضحت تتمتع بالعضوية الكاملة في هذا التجمع الإقليمي الأفريقي. وتجمع عملية نيروبي الثالثة للسلام التي تقودها مجموعة شرق إفريقيا، الجماعات المسلحة من شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية وممثلي المجتمعات المحلية وجماعات المجتمع المدني والمسؤولين الحكوميين. ويتولى الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا تيسير عملية سلام نيروبي، بالإضافة إلى دور أصحاب المصلحة الآخرين وهم الاتحاد الأفريقي والمبعوث الخاص للأمم المتحدة لمنطقة البحيرات الكبرى، هوان شيا. ومع ذلك فإن القوة الإقليمية لجماعة شرق إفريقيا لا تزال تنشر قواتها في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. وتتألف الكتيبة الأفريقية حاليا، من قوات كينية وبوروندية فقط، ومن المتوقع أن تنضم أوغندا وجنوب السودان قريبًا. وتخضع كتيبة شرق أفريقيا لقيادة اللواء الكيني جيف نياجه ونائبين من جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو ما يعكس الدور الإقليمي المتصاعد لكينيا في منطقة شرق أفريقيا.

وتجدر الإشارة إلى أن عملية سلام نيروبي تهدف إلى تهيئة بيئة مواتية لنزع سلاح الجماعات المسلحة، وتعزيز الدعم للمجتمعات المحلية في عملية السلام ، وإنشاء آليات للعودة الطوعية للنازحين والمشردين إلى ديارهم. فقد أدى القتال الدائر بين الجيش الوطني لجمهورية الكونغو الديمقراطية والجماعة المتمردة المعرفة باسم حركة 23 مارس (إم 23) إلى نزوح آلاف الأشخاص في مدينة غوما الحدودية الشرقية.

الكونغو والجائزة الكبرى

إن عدم الاستقرار في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يحد من إمكانات منطقة مجموعة دول شرق إفريقيا ليس فقط من حيث التجارة والاستثمار، ولكن أيضًا في إفقار الشعب الكونغولي من خلال المعاناة الإنسانية المترتبة على استمرار الصراعومع ذلك فإن التوسط من أجل تسوية سلمية للصراع في الكونغو يعد أمرا بالغ التعقيد والتشابك بسبب المواريث التاريخية والتدخلات الدولية وديناميات التفاعلات الداخلية منذ الاستقلال.   تعتبر جمهورية الكونغو الديمقراطية بمثابة الجائزة الكبرى لكل الأطراف الطامحة في الثروة والنفوذ من نواح كثيرة. إنها أكبر دولة في إفريقيا. كما أنها تعد واحدة من أغنى دول العالم من حيث الموارد الطبيعية. لديها أكبر رواسب من اليورانيوم والكوبالت والذهب والنحاس عالي الجودة. كما أن لديها أكبر غابات استوائية في العالم وثاني أكبر نهر في العالم يمكنه توفير الطاقة الكهرومائية للقارة الأفريقية بأكملها.

ومع ذلك، على الرغم من الثروة المعدنية المقدرة بنحو50 تريليون دولار، فإن جمهورية الكونغو الديمقراطية هي واحدة من أفقر خمس دول في العالم حيث يعيش أكثر من ثلاثة أرباع السكان على أقل من دولارين في اليوم. وإضافة لذلك تضم الكونغو الديمقراطية أكثر من 200 جماعة عرقية وإثنية تتحدث حوالي ألف لهجة ،وهو الأمر الذي جعل مهمة بناء الدولة الوطنية مشروعا قيد التنفيذ. 

الولايات المتحدة وسياسة الأذرع الخفية

على الرغم مما يبدو أنه دور أفريقي واضح من خلال مجموعة شرق أفريقيا والوساطة المثيرة للإعجاب التي يقوم بها الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا والتي استحقها -كذلك- لدوره في التوصل لصفقة بريتوريا الخاصة بالتيغراي فإن هناك الأيدي الخفية التي يذكرنا بها دوما أدم سميث لو استعرنا مفردات عالم الاقتصاد ومفهوم توازن السوق. تبدو الأيدي الأمريكية واضحة تماما في أزمة الكونغو منذ البداية في ستينيات القرن الماضي. وللمصادفة كان جومو كينياتا – الأب- هو وسيط منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الأفريقي حاليا) في أزمة شرق الكونغو عام 1963.

لم يمكث باتريس لومومبا- أول رئيس لوزراء الكونغو طويلا – حيث تم اغتياله.  جاء بعده جوزيف كازافوبو الذي "انتخب" وأعلن نفسه رئيسًا للكونغو، بيد أن الأمور بدأت تتداعى. أعلنت مقاطعة كاتانغا الشرقية "الاستقلال" تحت حكم مويس تشومبي. بيد أن المجتمع الدولي انتفض وتدخل من أجل سحق التمرد. وعندما أخذ الجزء الغربي من الكونغو دوره أيضًا وأعلن الانفصال تحت قيادة بيير موليلي  تم القضاء علي التمرد في مهده. بيد أن برميل البارود انفجر مجددا في الجانب الشرقي عندما تمت السيطرة على كيسنغاني من قبل "جيش" مارق يطلق على نفسه اسم سيمباس. كان الهدف الأول هو استخدام الرعايا الأجانب البالغ عددهم 1300 شخص في كيسنغاني كدروع بشرية. عندئذ تم استدعاء امزي جوما كينياتا ليقوم بدور الوساطة والوصول إلى تسوية سلمية في شرق الكونغو. بيد أن الولايات المتحدة استهزأت بالوساطة الأفريقية وأخذت الأمور على عاتقها من خلال العمل العسكري وإجلاء الرهائن الأجانب.

تمرد حركة إم 23 في شرق الكونغو

تأسست حركة إم 23 منذ نحو عقد من الزمان وتحديدا في أبريل 2012، حيث ولدت من رحم المؤتمر الوطني للدفاع عن الشعب ، وهي جماعة متمردة قاتلت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية بين عامي 2006 و 2009. وتستند المجموعتان إلى ادعاء مفاده أن التوتسي الكونغوليين وغيرهم من الجماعات الإثنية في شمال وجنوب كيفو يتعرضون للتمييز. إنهم يعتبرون من أصل رواندي ويشار إليهم عادة باسم الغرباء "الروانديين". وقد ترتب على هذه السياسة وجود عشرات الآلاف من اللاجئين في منطقة البحيرات العظمى بأفريقيا.

احتلت حركة 23 مارس مدينة غوما في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية لفترة وجيزة  في عام 2012. وقد أدى صعود هذه الجماعة المتمردة وارتباطها برواندا إلى إثارة القلق وبذل جهود دولية حثيثة لوقف إطلاق النار. وبالفعل بعد محادثات توسطت فيها مجموعة التنمية للجنوب الأفريقي، أنهت حركة 23 مارس تمردها في عام 2013. لكن سرعان ما اندلع الاقتتال الداخلي داخل حركة 23 مارس بين مجموعتين. فر أحد الأجنحة المكونة من حوالي 1700 جندي إلى أوغندا. وفر الجناح الأصغر الآخر المكون من 700 مقاتل إلى رواندا. تم تسريح العديد من هؤلاء المقاتلين بعد ذلك طواعية أو تفاوضوا من أجل ادماجهم في الجيش الوطني لجمهورية الكونغو الديمقراطية. وفي أوائل عام 2017 ، غادر بضع مئات من بقايا الجناح الأوغندي إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية ، حيث اشتبكوا أحيانًا مع الجيش الوطني لجمهورية الكونغو الديمقراطية. لكن لم يكن هناك ما يشير إلى تجنيد مكثف حتى عام 2021 عندما استأنفت الجماعة المتمردة هجماتها في شرق الكونغو.

أسباب نجاح التمرد في شرق الكونغو

يعزى الصراع في أحد جوانبه إلى وجود أسلحة غير شرعية بحوزة الجماعات المسلحة الأجنبية، بما في ذلك قوات الدفاع المتحالفة (أوغندا) ، وإنتراهاموي (رواندا) والجماعات الكونغولية الداخلية، بالإضافة إلى مسألة الحرب بالوكالة ودور بعض الأطراف الإقليمية. وينحدر معظم مقاتلي حركة 23 مارس المتمردين من مقاطعة شمال كيفو القريبة من حدود رواندا  . ولعل ذلك جعلهم على دراية بالتضاريس والخصائص الجغرافية للمنطقة وقد يتمتعون بدعم محلي من السكان. وتقع المنطقة التي تحتلها حركة 23 مارس على حدود رواندا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وهي منطقة لديها حركة مرور ضخمة للشاحنات التجارية التي تحمل البضائع من ميناء مومباسا الكيني عبر أوغندا إلى غوما وبوكافو في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وتوفر السيطرة على بلدة بوناغانا الحدودية - كما تفعل حركة 23 مارس حاليًا - فرصة لجمع أموال إضافية من خلال الضرائب غير الرسمية. كما أن المنطقة غنية بالموارد الطبيعية (الحرجية والمعدنية). في الماضي، حفز الوصول إلى هذه الموارد والسيطرة عليها العديد من الجهات الفاعلة لدعم الجماعات المتمردة.

تعمل حركة 23 مارس كجيش تقليدي حيث تعتمد على معدات أكثر تطوراً مما كانت عليه في الماضي. وتمتلك الحركة  أجهزة ومعدات الرؤية الليلية. كما أن لديها أسلحة بعيدة المدى ، مثل قذائف الهاون والمدافع الرشاشة.  وفي مقابل ذلك يعاني الجيش الوطني لجمهورية الكونغو الديمقراطية من خلل وظيفي للغاية ومن الفساد وسوء التجهيز وانخفاض الروح المعنوية. ومن المعروف أن حصص الجنود تختفي في أيدي الجنرالات. في كثير من الحالات ، يمكن للجنود قضاء أيام بدون دعم لوجستي لمجرد أن كبار الضباط والجنرالات العسكريين يهتمون أكثر بتكديس الموارد حتى على حساب متطلبات وحداتهم العسكرية الأساسية.

 آفاق المستقبل

دائما ما تظل مسالة تسريح وإدماج المقاتلين السابقين إشكالية كبرى أمام بناء وصنع السلام في أفريقيا. ظهر ذلك واضحا في اتفاق جوبا الخاص بالأزمة السودانية، كما أنه يمثل معضلة أمام صفقة بريتوريا ونيروبي الخاصة بأزمة التيغراي. ليس مستغربا أن الاتفاق السياسي الذي أنهى احتلال حركة 23 مارس لمدينة غوما قبل 10 سنوات لم يتم تنفيذه بالكامل. كان ينبغي دمج مقاتلي حركة التمرد في الجيش الوطني الكونغولي لكن لم يتم دمجهم. وكان من المقرر أن يصبح الجناح السياسي لحركة 23 مارس حزبا سياسيا معترفا به لكن لم يحدث ذلك قط.

  ومن جهة أخرى فإن البعد الدولي للأزمة الأمنية المعقدة في شرق الكونغو له أوجه متعددة  أكثر من أي وقت مضى ، وهو ما يؤكد لنا أن الشعب الكونغولي لديه ذاكرة تاريخية  مع تدخلات الجهات الخارجية التي سلبته  الأمن والفرص والفاعلية في تحديد مستقبله .  ونظرًا لتنوع المصالح والعلاقات بين الدول المشاركة في الجهود العسكرية والدبلوماسية التي تهدف ظاهريًا إلى استقرار الوضع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، يصبح من المهم أيضًا الإقرار بأن أعضاء تحالف مجموعة شرق إفريقيا قد يجدون أنفسهم في بعض الأحيان في مواجهة مخاطر الوقوع في شرك شبكة من الصراعات عميقة الجذور، مما يقوض الأمن الإقليمي بدلاً من تعزيزه.

وعليه فإن الانتشار العسكري الكيني في منطقة الصراع قد يكون سلاحا ذو حدين  إذ أنه من المرجح أن يعزز جهود القوات الموالية للحكومة لمواجهة جماعة إم 23 المتمردة ، التي حققت مكاسب إقليمية كبيرة في شمال كيفو خلال الفترة الماضية. بيد أن المبادرة العسكرية لجماعة شرق أفريقيا  قد تخاطر في الوقت نفسه بتفاقم المشاعر المعادية للقوات الأجنبية بين أفراد الشعب الكونغولي، وهو ما قد يعني المزيد من عدم الاستقرار والاضطرابات الإقليمية.

تعليقات القراء