الاعتماد على ممرات القطب الشمالي البحرية .. الفرص والتحديات

الكاتب: 

تزايد استخدام ممرات القطب الشمالي كشريان ملاحي للربط بين الشرق والغرب خلال السنوات الماضية، وذلك بسبب المزايا التي تقدمها مقارنة بالممرات التقليدية، على رأسها قصر فترة الرحلة، وانخفاض تكلفة الوقود، الأمر الذي يطرح أهمية إلقاء الضوء على تلك الممرات التي من المتوقع أن تصبح معابر رئيسية للتجارة بين الشرق والغرب.

طريق القطب الشمالي

يتضمن طريق القطب الشمالي عدداً من ممرات الشحن البحري للربط بين قارات آسيا وأوروبا والأمريكتين، حيث تمر من المحيط الهادي إلي المحيط الأطلسي، وتمر عبره أغلب أنواع التجارة بمنطقة القطب الشمالي خاصة البترول ومشتقاته والغاز المسال، فضلاً عن مرور سفن عسكرية، حيث عبرت سفينة تابعة للبحرية الفرنسية للمرة الأولى الممر الشمالي القطبي في سبتمبر 2018، وذلك بهدف تطوير معرفة باريس بهذه المنطقة نظراً لأهميتها الاستراتيجية، وفي هذا السياق يمكن تقسيم طريق القطب الشمالي الى الممرات التالية:

1. ممر الشمال الشرقي  : The Northern  Sea Route (NSR)

هو طريق ملاحي يمر بمحاذاة السواحل الروسية، وتدير موسكو الممر بواسطة "هيئة القطب الشمالي " NSRA، حيث ان هذه مياه اقليمية روسية يمكن من خلالها تحصيل رسوم مقابل المرور.

2. الممر الشمال الغربي :Northern West Passage (NWP)

هو ممر يربط المحيط الأطلنطي بالمحيط الهادي، ويمر بمحاذاة سواحل كندا والولايات المتحدة الأمريكية، ويعتبر هذا الطريق منافساً محتملاً لقناة بنما حيث يوفر حوالي 20% من المسافة بين شرق آسيا والساحل الشرقي للولايات المتحدة، ومقارنة بممر الشمال الشرقي NSR فإن معظم المناطق على الممر الغربي NWP غير مؤهلة وغير متطورة.

3. الممر البحري العابر للقطب Transpolar Sea Route (TSR):

يمر الممر الجديد بين الممرين السابقين، ويبلغ طوله نحو 3900 كم، ويُتوقع بدء الملاحة فيه خلال الفترة 2035-2070، ويربط الممر الجديد المحيطين الأطلنطي والهادي عبر القطب الشمالي، ويتميز بأنه يواجه قيود أقل مقارنة بالممرين "الشمالي الشرقي" و"الشمالي الغربي"، لأنه لا يمر عبر المياه الإقليمية لروسيا أو كندا والولايات المتحدة، وبالتالي سيخضع الممر الجديد للقوانين الدولية المتعلقة بالملاحة في أعالي البحار، وفي حالة مروره بالمناطق الاقتصادية الخالصة لبعض الدول (روسيا- كندا- الولايات المتحدة- الدنمارك-النرويج- ايسلندا)، لن تكون هناك شروط أو منع لذلك المرور، كما أن الطريق الجديد لا يتقاطع مع مناطق عليها خلافات حدودية بحرية بين دول المنطقة، مثل الخلاف الأمريكي/ الكندي.

4. جسر القطب الشمالي (Arctic Bridge Route (ABR:

هو ممر بحري تكميلي لممر الشمال الشرقي والممر البحري العابر للقطب، ويبلغ طوله نحو 6700كم، حيث يربط شمال غرب روسيا بكندا، ويسهم في نقل التجارة بين آسيا والأمريكيتين والقارة الأوروبية، وقد تم التوصل لتفاهم بين السلطات الكندية والروسية لتشغيل ذلك الخط في أواخر تسعينات القرن المنصرم.

فرص وتحديات

تواجه تلك الممرات العديد من التحديات، على رأسها عدم إمكانية الإبحار خلالها طوال العام بسبب تجمد مياهه طوال الشتاء، وبالتالي سلوك ذلك الطريق مرتفع التكلفة لأنه يحتاج إلى كاسحات جليدية تعمل بالطاقة النووية ترافق السفن التجارية لإذابة الجليد، كما يوجد عجز في المعدات والأجهزة المطلوبة في حالة الطوارئ مثل الطائرات وكسارات الجليد، وكذا يواجه نقص الخدمات اللوجستية والأسواق الاستهلاكية في طريقه، فضلاً عن خطر انفصال القطع الجليدية الضخمة واصطدامها بالسفن نتيجة الاحتباس الحراري، ووجود مخاطر بيئية نتيجة تأثير مخلفات السفن وانبعاثاتها على المنطقة المتجمدة.

تتمثل أهم المزايا التي تعزز استخدام طريق القطب الشمالي، هي توفيره زمن الرحلة بين الشرق والغرب مقارنة بالطرق البحرية التقليدية (مثل قناة بنما وقناة السويس ورأس الرجاء الصالح)، فوفقاً لبعض الدراسات والتقارير توفر ممرات القطب الشمالي زمن الرحلة بنسبة تتراوح ما بين 25 و50% مقارنة بالطرق التقليدية، وبالتبعية تقلص انبعاث ثاني أوكسيد الكربون، إضافة إلى تخفيض تكلفة التأمين، وذلك في ظل تراجع التهديدات الأمنية لبعض الممرات مثل القرصنة، كما يوجد توجه روسي وصيني لدعم تلك الممرات، واعتباره أنه فرع رئيسي من ممرات مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، وهو ما دلل عليه تسميته بـ "طريق الحرير القطبي"، ويذكر أيضاً أن بعض الدراسات أشارت إلي احتمالية أن يسفر التغير المناخي عن استخدام الطريق طوال العام بعد عام 20.35 بسبب ارتفاع درجة الحرارة.

ختاما: بالرغم من التحديات التي تواجه ممرات القطب الشمالي، والتي قد تقلص الاعتماد عليه كممر ملاحي بين الشرق والغرب، إلا ان المزايا التنافسية التي يوفرها، سواء من حيث انخفاض تكلفة استخدامه أو قصر زمن الرحلة، تجعل العبور من خلاله ذو جدوى اقتصادية مقارنة بنظرائه التقليديين، ويدعم من ذلك التوجه وجود شبه توافق دولي على اعتماده كممر رئيسي للقوافل التجارية بين آسيا والدول الغربية، وهي التي تهتم بعامل التكلفة والوقت كأولوية في تحديد مسارات التجارة التي يتم اتخاذها، الأمر الذي يلفت إلي أهمية تلك الممرات مستقبلاً، خاصة وأن تزايد الاعتماد عليها قد يبرز بعض المشكلات غير البارزة حالياً، مثل عدم ترسيم الحدود البحرية بشكل واضح بين الدول القطبية، والتداخل بين تلك الممرات في مناطق نفوذ بعض الدول، بما يجعلها مناطق متنازع عليها إلا إذا تم التوافق بين دول القطب الشمالي على تحقيق المنفعة المشتركة من تلك الممرات.

 

تعليقات القراء