التوجهات الإيرانية لتعزيز دورها في الربط الإقليمي

شهدت الفترة الماضية تحركات إيرانية لتعزيز الربط الإقليمي بين دول الشرق الأوسط، مما يوسع إمكاناتها وقدراتها في الربط بين الشرق والغرب، مستهدفة بذلك تنويع اقتصادها في مواجهة الاتجاه العالمي لتخفيض الاعتماد على الطاقة التقليدية الذي سيؤثر سلباً على إيراداتها منها، وتتمثل أهم التحركات الإيرانية في هذا الصدد على النحو التالي:

1-  توقيعها مع قطر، أثناء زيارة الرئيس الإيراني للدوحة في فبراير 2022، عدة اتفاقات لتعميق التعاون بين البلدين خاصة في مجال النقل، ومن أهم ما تم الاتفاق عليه هو دراسة إنشاء نفق تحت الخليج العربي لربط البلدين، والذي قد يصل طوله لنحو 200 كيلومتر، وذلك من عند ميناء "دير بوشهر" الإيراني (الموقع يوفر أقصر مسافة بين البلدين)، على أن يشمل المشروع بنية تحتية للسكك الحديدية والطرق، وأكدت وكالات إعلامية إيرانية أن المشروع سيخضع لدراسات الجدوى أولاً.

 

2-  إعلان السلطات الإيرانية في نوفمبر 2021، افتتاح طريق تجاري جديد يربط بين الإمارات وتركيا، لافتة إلى أنه تم عبور أول حمولة تجارية بينهما عبر ذلك الطريق، وأشارت وكالات الاعلام الإيرانية إلى أهمية ذلك الممر نظراً لتوفيره زمن الرحلة والتكلفة مقارنة بالنقل البحري بين ميناءي "الشارقة" الإماراتي و"مرسين" التركي.

دلالات التوقيت

يأتي توقيت التحركات السابقة في إطار التالي:

1-  تزايد فرص توقيع إيران اتفاق بشأن برنامجها النووي، وما يصاحب ذلك من رفع العقوبات من عليها تدريجياً وبالتبعية زيادة تواجدها في الأسواق العالمية، وفي هذا السياق تطمح طهران في تعميق علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة خاصة الخليجية، ولعل ذلك النفق سيكون أداة مهمة في رفع حجم التجارة مع تلك الدول، ويؤكد على ذلك التوجه تصريح للرئيس الإيراني قبل زيارته لقطر، الذي أعتبر أن زيارته للدوحة خطوة لتفعيل العلاقات بين دول المنطقة واستخدام طاقاتها وقدراتها لتطوير العلاقات السياسية والاقتصادية.

2-  سعي إيران للاستفادة من التفاهمات الجارية بالمنطقة، على رأسها تحركات تركيا والامارات لخفض التوتر بينهما وتعزيز العلاقات الاقتصادية، حيث من المتوقع أن تستفيد إيران من ممرها التجاري الجديد الذي يربط البلدين (المشار إليه سابقاً)، خاصة مع اتجاه أبو ظبي وأنقرة لزيادة حجم التبادل التجاري بينهما خلال السنوات المقبلة، وبالتالي في حالة إنشاء نفق جديد مع قطر قد يسهم هذا في زيادة التجارة الخليجية/ التركية عبر أراضي إيران.

3-  تزايد المنافسة بين مشاريع الربط الإقليمية: تلاحظ الفترة الماضية شروع العديد من الدول في تطوير موانيها البحرية، أو حتى بناء موانئ جديدة، فضلاً عن تطوير مجال الخدمات اللوجستية المتعلقة بمجال النقل البحري، ومن جهة أخرى تم الاعتماد مؤخراً على النقل البري بسبب أزمة قطاع النقل البحري بعد جائحة "كوفيد-19"، مما زادة حدة المنافسة بين الدول الواقعة على مسارات الربط بين الشرق والغرب، وبالتالي لا تريد طهران أن تتخلف عن هذا الركب خاصة وأن موقعها يؤهلها لشغل دور رئيسي على ممرات التجارة العالمية.

رؤية إيران للربط الإقليمي والدولي

ترى طهران أن استحداث عدة ممرات برية وخطوط سكك حديد سيعزز ربطها بدول الجوار، والتي بدورها ترتبط بشبكات نقل بري موجودة بالفعل مع الدول الواقعة على مسارات طريق الحرير الجديد، وفي هذا الإطار تستهدف إيران الربط مع الدول التالية:

1-  الربط مع وسط آسيا والصين وروسيا، ويُشار في هذا الصدد إلى أن الربط السككي بين إيران وروسيا يُعد أقصر من طريق تركيا/ روسيا الموجود حالياً (وفق العديد من التقديرات).

2-   الربط مع الدول الأوروبية، سواء عبر تركيا أو روسيا أو البحر الأسود.

3-  الربط مع العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان على البحر المتوسط (بعد انتهاء حالة عدم الاستقرار في سوريا).

4-  تطمح إيران في تفعيل مقترح ممر "شمال- جنوب" الذي تم التوقيع عليه في عام 2000، والذي من المفترض أن يربط  ميناء "مومباي" الهندي بموانئ إيران الجنوبية ثم إلي شمال إيران وصولاً إلي روسيا، كما يوفر بعدها مدخل لأوروبا،  وبالتالي يُرى أنه في حالة بدء العمل في النفق بين قطر وإيران قد يتم إعادة الحديث بجدية عن تفعيل ممر "شمال-جنوب"، والعكس صحيح.

 

بناءاً على ما سبق، ترى طهران أن الربط مع دول الخليج العربي -خاصة برياً- سيُعظم من أهمية موقعها الاستراتيجي، وسيزيد الربط بين الشرق والغرب، وبالتالي هي تستهدف عدة مشاريع بخلاف مشروع النفق مع قطر لشغل دور محوري على طريق التجارة العالمية، وهو ما ستسعى لتحقيقه الفترة المقبلة، ولكن يُوضع في الاعتبار أنها ستواجه العديد من التحديات على رأسها تزايد المنافسة الإقليمية والدولية (مثل ممر الشمال القطبي) للربط بين الشرق والغرب،  فضلاً عن تحديات فنية وتمويلية قد تواجهها عند تنفيذ خطوط الربط التي تطمح لها، مما يتطلب دعم خارجي لمواجهة تلك التحديات، وبالتالي يُرى أن محددات الحركة الإيرانية في الربط بين الشرق والغرب سترتهن بمدى تقبل المجتمع الدولي، وخاصة الدول الكبرى، أن تصبح إيران لاعب فاعل في حركة التجارة العالمية.

 

 

 

تعليقات القراء