التداعيات المحتملة للاتفاق النووي الإيراني على دول الخليج

الأربعاء, يناير 1, 2014

إن التداعيات المحتملة للاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، من خلال آلية مجموعة "خمسة زائد واحد"، في 24 نوفمبر الماضي، غير قاصرة على أطراف التوقيع، بل تشمل مسارات التفاعل في الإقليم ككل، وبصفة خاصة فيما يتعلق بتأثير الاتفاق على المصالح الخليجية، إذ لم تجد الولايات المتحدة سوى التفاوض مع طهران، وليس بالضغط عليها أو معاقبتها أو تخويفها، مع الأخذ في الاعتبار أن الاتفاق يعد مرحلياً، والاختبار الحقيقي يتعلق بتنفيذه على مدى الشهور الستة المقبلة، على نحو يجعل الاتفاق بين واشنطن وطهران في إطار سياسة الحد الأدنى أو اختبار النوايا. ([1])

وقد تركزت غالبية الكتابات على أن الاتفاق النووي بين القوى الغربية وإيران هو أقرب إلى نظرية المباريات (zero sum game)، التي تنطوي على فائز وخاسر بل تلحق الخسائر بأطراف إقليمية أخري، وبصفة رئيسية دول الخليج، وبشكل أخص المملكة العربية السعودية، لاعتبارات خاصة بالجوار الجغرافي والتنافس المذهبي والدور الإقليمي ([2])، على الرغم من أن الهدف الرئيسي للتوقيع على الاتفاق هو "تحقيق المكاسب" دون التركيز بدرجة أكبر على خسارة الأطراف الأخرى، لأنها تجسد الموازين المتحركة انطلاقاً من أن ثمة أسباب اقتصادية ومالية وصعوبات تقنية كانت تكتنف البرنامج النووي، دفعت إيران إلى الاستعداد لقبول الشروط الدولية، كما أن الولايات المتحدة سعت إلى تجنب خيار اللجوء للعمل العسكري بما يمنع إيران من امتلاك القدرة النووية ([3]). وقد عبرّ عن هذا الوضع وزير الخارجية الروسي سرجي لافروف "ليس هناك من خاسر، الكل رابحون".

وفي هذا السياق، تتناول هذه الورقة ثلاثة عناصر رئيسية، وهي المواقف الخليجية من توقيع الاتفاق النووي الغربي الإيراني، والتأثيرات المحتملة لهذا الاتفاق النووي على المصالح الخليجية، والسياسات المتوقعة لدول الخليج للتعامل مع هذه التأثيرات.

أولاً: مواقف الخليج من الاتفاق النووي الغربي الإيراني:

بداية، ينبغي التمييز بين موقف مجلس التعاون الخليجي وموقف دول الخليج من هذا الاتفاق. بالنسبة لموقف مجلس التعاون الخليجي كمؤسسة إقليمية، فقد غلب عليه فكرة "الموافقة المشروطة" حيث رحب المجلس الوزاري الخليجي خلال اجتماعه في الكويت في 27 نوفمبر الماضي بالاتفاق بين الدول الكبرى وإيران بشأن برنامجها النووي، على أن يكون مقدمة للتوصل إلى حل شامل لهذا الملف، ودعا المجلس إلى التعاون التام مع وكالة الطاقة الذرية. وقد عبر البيان – في جانب آخر منه-عن "أمله في أن تشكل الانتخابات الرئاسية الماضية في إيران مرحلة جديدة بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران مبنية على عدم التدخل وحسن الجوار وعدم استخدام القوة أو التهديد بها"([4]).

أما بالنسبة للمواقف الخليجية الفردية، لا يوجد موقف خليجي موحد من هذا الاتفاق، فثمة تباينات واضحة فيما بينها تجاه اتفاق جنيف، حيث سارعت الإمارات والكويت وقطر والبحرين للترحيب بهذا الاتفاق، وتمت الإشادة به بدرجات متفاوتة ([5])، فقد أكد رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد -خلال كلمته بمناسبة العيد الوطني لدولة الإمارات-ترحيب الإمارات بما توصلت إليه طهران والقوى العالمية من اتفاق تمهيدي حول برنامج إيران النووي ([6]).

كما أكد وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة – في مؤتمر صحفي عقب اختتام الاجتماع الثالث لوزراء خارجية مجلس التعاون ودول رابطة أمم شرق آسيا "الآسيان" في المنامة في 26 نوفمبر الماضي "إن الاتفاق النووي مع إيران يصب في استقرار المنطقة". ([7]) وأشار وكيل وزارة الخارجية الكويتية في تصريحات لوكالة الأنباء كونا "نأمل أن يشكل هذا الاتفاق بداية ناضجة لاتفاق دائم ينزع فتيل التوتر ويحفظ للمنطقة أمنها واستقرارها" ([8]). والملاحظ أن الدول الخليجية التي يوجد لديها قضايا عالقة مع طهران هي التي بادرت بالترحيب بتوقيع هذا الاتفاق، وهو ما يعكس افتقادها للقدرة على تغيير هذا الواقع الإقليمي أكثر من اقتناعها به.

في حين كانت سلطنة عمان طرفاً وسيطاً بين إيران والولايات المتحدة في المحادثات الرسمية التي تمت منذ مارس الماضي، بالتوازي مع المفاوضات العلنية، الأمر الذي لم تطلع السلطنة عليه دول مجلس التعاون إذ أن مقتضيات السرية لم تسمح لهم بذلك، وهو ما يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بحدود التزامات أعضاء مجلس التعاون الخليجي تجاه بعضها، على الرغم من تصريح يوسف بن علوي وزير الدولة للشئون الخارجية بسلطنة عمان في 26 نوفمبر الماضي في تصريحات صحفية "إن ما جرى تسريبه مبالغ فيه ولا يمثل الحقيقة". وأضاف "إن الأطراف التي شاركت في المفاوضات في جنيف وتوصلت إلى الاتفاق النووي الإيراني كانت لديها مصلحة مشتركة في الوصول إلى حل سياسي للأزمة، مشيراً إلى أن ذلك سينعكس على الاستقرار في المنطقة". وأضاف "هذه مرحلة جديدة يجب أن نجربها، وهي بداية لحلول سلمية لمشاكل المنطقة، فيكفينا حروباً ومواجهات، فلا أحد يريد حروباً". وختم "إن دول الخليج لها مصلحة استراتيجية في استقرار الأوضاع، وهذا أمر واضح لنا، والإيرانيون جيراننا"([9]).

أما الموقف السعودي فقد غلب عليه التوجس الصريح في بداية الإعلان عن الاتفاق، ثم حدث تحول في الخطاب الرسمي السعودي إلى القبول المشروط حيث أكدت الحكومة السعودية خلال اجتماعها في 25 نوفمبر الماضي أنه إذا توافر حسن النوايا فيمكن أن يشكل هذا الاتفاق خطوة أولية في اتجاه التوصل لحل شامل للبرنامج النووي الإيراني، فيما إذا أفضى إلى إزالة كافة أسلحة الدمار الشامل، وخصوصا السلاح النووي من منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، على أمل أن تستتبع ذلك المزيد من الخطوط المهمة المؤدية إلى ضمان حق كافة دول المنطقة في الاستخدام السلمي للطاقة النووية" ([10]).

لذا، هناك ثلاثة مواقف خليجية مختلفة، فالتوافق بين دول الخليج حول إيران والثورات العربية والملفات الإقليمية بل والوحدة الخليجية غير قابل للتحقق في بعض الأحيان، وهو ما برز في التنافس القطري الإماراتي خلال الثورة في ليبيا، أو التنافس القطري السعودي في سوريا أو امتناع الكويت عن المساهمة بصورة جدية في قوات درع الجزيرة أثناء تفاقم احتجاجات البحرين، أو خروج سلطنة عمان عن القاعدة من خلال العلاقات الوثيقة مع طهران.

ثانياً: تأثيرات الاتفاق النووي الإيراني الغربي على دول الخليج:

بوجه عام، يمكن القول إن هناك حزمة من التداعيات الناتجة عن توقيع الاتفاق النووي الإيراني الغربي، على النحو التالي:

1-      اضطلاع إيران بدور الهيمنة الإقليمية: إن مبعث قلق بعض دول الخليج يتمثل في تركيز الاتفاق على المصالح الأمريكية دون مراعاة هواجس دول الخليج، لاسيما فيما يتعلق بتعاظم نفوذ إيران دون ضمانات لأمن دول مجلس التعاون الخليجي([11])، بحيث يميل ميزان القوى لصالح طهران في الشرق الأوسط بعد ثلاثة أعوام من الاضطرابات التي أضعفت الدول العربية الكبرى (مصر وسوريا والعراق)، وهو ما تعبر عنه تصريحات رسمية سعودية حينما قال رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشورى السعودي عبدالله العسكر في 24 نوفمبر الماضي "إن النوم سيجافي سكان منطقة الشرق الأوسط بعد الاتفاق النووي، وأضاف "أخشى أن تكون إيران ستتخلى عن شئ في برنامجها النووي لتحصل على شيء آخر من القوى الكبرى على صعيد السياسة الإقليمية. أشعر بالقلق بشأن إتاحة مساحة أكبر لإيران أو إطلاق يدها أكثر في المنطقة".

بعبارة أخرى، إن ثمة تخوفات خليجية بأن يكون هذا الاتفاق غير قاصر على البرنامج النووي الإيراني بل يشمل ملفات إقليمية تعتبرها أحد الأوراق الرئيسية سواء في سوريا أو لبنان أو العراق أو اليمن تم التباحث بشأنها في المباحثات السرية([12])، بما يمنح إيران أدوار تدخلية متزايدة في الملفات الإقليمية، ويعطي الاتفاق طهران هامشاً أكبر للمناورة، ويترك قدرة فيلق الحرس الثوري الإيراني على التدخل في الدول الخليجية من دون رادع، وهو ما يكون على حساب المصالح الخليجية([13])، لاسيما وأن هناك تصريحات تعكس استعراض "أوضاع القوة الجديدة"، ليس بالضبط ضد دول الخليج وإنما ضد ما تعتبره طهران دول معادية مثل إسرائيل حيث صرح هاشمي رفسنجاني بأن إسرائيل سمكة صغيرة لا تأكل إيران الضخمة([14]).

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن طهران تهدف للدخول في ترتيبات خاصة بأمن الخليج حيث كانت طهران تطرح، في فترات زمنية سابقة، دعوات منتظمة لطرد ما أسمته القوى الخارجية من المنطقة، والمقصود هنا القوات أو القواعد العسكرية الأمريكية والحفاظ على أمن منطقة الخليج من خلال بنية أمنية خليجية (أمن الخليج هو أمن الدول المشاطئة للخليج فقط)، وهو الترتيب الذي لا تقبل به الرياض باعتبارها رمانة الميزان في مجلس التعاون لأنه –أي الرؤية الإيرانية –يجعلها في وضع الشريك الأصغر لطهران.

2-      تجنيب المنطقة حرب خليجية رابعة: إن أبرز تأثيرات هذا الاتفاق هو تجنب "سيناريو الجحيم" الناتج عن نشوب حرب إقليمية دولية، إذ تجد دول الخليج نفسها مضطرة للاستعداد لاحتمال اندلاع حرب في المنطقة لا تريدها، في ظل التصعيد المتبادل بين إيران من ناحية والولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية أخرى، على نحو كان يوحي بقرب استعدادات لتوجيه ضربة عسكرية لطهران، على اعتبار أن دول المجلس ستكون أحد الأطراف الرئيسية المتضررة من الحرب اقتصادياً وسياسياً وبيئياً.

كما كانت المسألة تزداد تعقيداً لو سمحت دول الخليج باستخدام قواعدها العسكرية بما قد يؤدي إلى الإضرار الأمني بها، بما يؤدي لاستغلال قواعدها في أي مهام حتى ذات الطبيعة اللوجستية، بحيث تبدو دول الخليج وكأنها "طرف" في حرب لا تريدها. فعلى الرغم من تأكيد دول الخليج رفضها استخدام أراضيها أو أن تكون منصة لانطلاق هجوم عسكري على إيران، إلا أن خبرات حربي أفغانستان والعراق تشير إلى أن ذلك قد يحدث وربما بشكل غير مباشر عن طريق تقديم دول الخليج لتسهيلات عسكرية. ومن هنا، فقد أدى توقيع الاتفاق إلى تجنب سيناريو كان يصعب التكهن بنتائجه سواء كانت ضربة استباقية أو عمليات عسكرية متواصلة بما يضع أمن الخليج في مأزق صعب.

3-      التوصل إلى تسوية إقليمية بشأن الأزمة السورية: إن واحداً من السيناريوهات المحتملة بشأن التوقيع على هذا الاتفاق هو خسارة دول الخليج لهدف رئيسي لها وهو الإسراع بإسقاط نظام بشار الأسد في سوريا، بحيث بات ممكناً التوصل لحل سياسي للأزمة السورية، بعد تراجع أو تضاؤل إمكانية توجيه ضربة عسكرية لنظام الأسد، والتي كانت وشيكة قبل عدة أشهر، بما يجعل دور هذا الاتفاق هو تفكيك التحالفات الإقليمية في سوريا ([15]).

فقد أدى الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا على تدمير الأسلحة الكيماوية في سوريا وتوقيع الاتفاق النووي الإيراني في جنيف إلى تهميش الجهات الفاعلة الإقليمية (أي دول الخليج والأردن وتركيا) التي كانت تتحمل عبء دعم المعارضة في مواجهة نظام الأسد ([16])، وهو ما يمثل خسارة رئيسية لبعض دول الخليج وبصفة رئيسية السعودية وقطر. ومن هنا، يتوقع الإبقاء على هيكل نظام الأسد خلال المرحلة الانتقالية المقبلة، بحيث تصبح إيران الضامن الإقليمي لأي اتفاق يتم التوصل إليه لتسوية الصراع الداخلي السوري، وتساندها روسيا باعتبارها الضامن الدولي.

ثالثاً: سياسات دول الخليج في مرحلة ما بعد توقيع الاتفاق النووي الغربي

إن هناك حزمة من السياسات التي ربما تنتهجها دول الخليج، خلال المرحلة المقبلة، للتعامل مع تأثيرات اتفاق جنيف، على النحو التالي:  

1-      استمرار دول خليجية، وتحديداً السعودية والإمارات، في نهج عدم إتباع سياسات إقليمية، تتماشى كلية مع الخطوط العريضة لاستراتيجية الولايات المتحدة، بحيث تكون هناك سياسات أحادية من شأنها، في بعض الحالات، أن تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة، وهو ما برز على خلفية مواقف سابقة مثل تناقض المواقف الأمريكية والسعودية تحديداً بشأن إرسال قوات درع الجزيرة للمنامة تحسباً لخروج الاحتجاجات البحرينية عن السيطرة ودعم السعودية والإمارات للنظام الانتقالي الجديد بعد ثورة 30 يونيو التي أطاحت بحكم الإخوان في مصر. وهنا، تدرك عدد من دول الخليج أنها صارت فواعل رئيسية في ميزان القوى في الإقليم، وليست مجرد طرف في لعبة توازن المصالح. ([17])

2-      تنويع التحالفات الدولية للدول الخليجية: ثمة أصوات تدعو إلى إقامة علاقات أوسع مع روسيا وفرنسا كوسيلة لموازنة "الدفء" في العلاقات الأمريكية الإيرانية، وهي ليست أصوات جديدة بل تتماشى مع اتجاه عام يرى أن دول الخليج تحاول توسيع اتصالاتها وعلاقاتها مع الصين وفرنسا وإيطاليا والهند وروسيا، لاسيما بعد أن بات واضحا أن واشنطن صارت مقتنعة بأن اعتمادها في سياساتها تجاه المنطقة على تحالفاتها العربية لم يعد كافياً، وأن الوقت قد حان للانفتاح على إيران. غير أن دول الخليج سوف تستمر في نهج التعاون الدبلوماسي والدفاعي مع الولايات المتحدة في المستقبل المنظور، إذ لا تزال واشنطن هي الخيار الوحيد الذي يفترض أن تتعامل معه دول الخليج، نظرا لغياب البديل الأوروبي الملائم أو الموازن وعدم رغبة الصين أو روسيا في تحمل العبء الأمني في المنطقة.

3-      تطوير الأطر التنظيمية الخليجية: البدء في تطوير القدرات الذاتية الخليجية بشكل تدريجي من خلال تطوير قوة درع الجزيرة وتنمية قدراتها وتعديل مهامها لتعمل كقوة تدخل سريع لتأمين الأهداف الحيوية في دول مجلس التعاون الخليجي، على نحو ما برز في حالة احتجاجات البحرين.

4-      السعي لامتلاك برامج نووية خليجية: برزت دعوات في الصحف الخليجية والعربية التي تمولها دول خليجية للتجهيز للمشروع النووي السعودي والإماراتي، لموازاة المشروع الإيراني، بدعوى أن الخطر الذي تواجهه منطقة الخليج يفوق ما كان عليه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، على حد تعبير طارق الحميد ([18]). في حين دعا البعض الآخر لبرنامج نووي عسكري عربي تقوده مصر والسعودية والإمارات ([19]). وهنا، ربما تفكر بعض دول الخليج، وتحديداً السعودية والإمارات في امتلاك برامج نووية توازي السلاح النووي الإيراني، لاسيما مع توافر الإمكانات المالية، وهو ما سبق أن عبر عنها بمقولة محددة أحد المسئولين التنفيذيين في أحد الصناديق السيادية الخليجية قائلا "نحن اشترينا أغلب العالم.. والباقي لم نقم بشرائه فقط لأنه غير معروض للبيع". وفي أعقاب التوقيع على الاتفاق النووي الأخير، أكد رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشورى في السعودية عبد الله عسكر "إذا لم ينجح الاتفاق في منع إيران من تصنيع قنبلة نووية فإن السعودية ودولا أخرى ستسعى لامتلاك واحدة على الأرجح" ([20]).

من هذا المنطلق، من المحتمل أن توجه بعض دول الخليج رسالة محددة للدول الكبرى التي كانت تفاوض إيران بشأن برنامجها النووي في أنها لن تجد نفسها في موقع الكماشة بين قوتين نوويتين هما إيران وإسرائيل، فإن حصلت إيران على السلاح النووي بموافقة القوى الكبرى مساء اليوم ستحصل عليه دول الخليج صباح الغد بدون هذه الموافقة. وفي هذا السياق، فإن التحرك الخليجي في مواجهة البرنامج النووي الإيراني يتأرجح بين ثلاثة خيارات أولها استكمال بدء برنامج نووي سلمي يتم تحويله مستقبلاً إذا ما اقتضت الضرورة إلى برنامج عسكري على غرار ما قمت به الدول النووية في العالم، ثانياً الدخول في تحالفات استراتيجية علنية مع قوى نووية للحصول على مظلة نووية لتأمين ردع استراتيجي تجاه إيران. وثالثها، شراء سلاح نووي جاهز، ويبدو أن دول الخليج سبق أن انحازت إلى الخيار الأول لأن تكلفته السياسية أقل، وهو ما عبر عنه البيان الختامي لقمة الرياض عام 2006، والذي أكد على الرغبة الخليجية في تطوير برنامج مشترك في مجال التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية طبقاً للمعايير والأنظمة الدولية. ([21])

5-      دعم مسألة إجراء حوار بين إيران ودول الخليج بما يوفر تطمينات للطرفين: قد يقود اتفاق جنيف النووي إلى بدء مرحلة جديدة من العلاقات بين إيران ودول الخليج، وربما تعكس زيارة وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد إلى طهران في 28 نوفمبر الماضي، وكذلك زيارة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف للكويت وسلطنة عمان وقطر هذا التوجه عبر تدعيم اللجان المشتركة. ([22]) غير أن تحقيق هذا السيناريو، المتلازم مع "استراتيجية الانخراط البناء" التي تبناها الرئيس الإيراني حسن روحاني، مرهون بالتعامل مع ثلاثة شروط أساسية تتمثل في: توافر حسن النوايا لدى إيران، وعدم ربط القضية النووية بالملفات الإقليمية، وإجراء حوار شامل بين الجانبين حول القضايا الخلافية العالقة، على نحو يجعل الموقف الرسمي الخليجي ينظر للتقارب بين واشنطن وطهران على أنه نهج للاستقرار أكثر منه مصدر للتهديد.

خلاصة القول إن سيناريوهات المستقبل بالنسبة للسياسات الخليجية إزاء تداعيات جنيف عديدة، فضلا عن أن المسارات المفتوحة لاتفاق جنيف لازالت مفتوحة وتحمل افتراضات كثيرة وتغييرات متعددة.

(1) عبد الله إسكندر، "أميركا وإيران والإقليم"، الحياة، 27 نوفمبر 2013.

(2) ياسر الصالح، "ربحت إيران.. فهل خسرت دول الخليج؟"، الرأي الكويتية، 28 نوفمبر 2013.

(3) "موازين متحركة: مضامين التقارب الإيراني الغربي"، الموقع الإلكتروني لمركز الجزيرة للدراسات، 31 أكتوبر 2013.

(4) حمد الجاسر، "المجلس الوزاري الخليجي يرحب بالاتفاق النووي ويأمل التزام إيران"، الحياة، 28 نوفمبر 2013.

(5) "دول الخليج تبدي ارتياحها للاتفاق النووي مع إيران"، ميدل أيست أونلاين، 27 نوفمبر 2013.

(6) شفيق الأسدي، "الشيخ خليفة بن زايد يعبر عن القلق من توترات المنطقة"، الحياة، 2 ديسمبر 2013.

(7) "وزير الخارجية البحريني: الاتفاق النووي مع إيران يصب في استقرار المنطقة"، الشرق الأوسط، 27 نوفمبر 2013.

(8) "الكويت تأمل أن يشكل بداية استقرار في المنطقة وعمان ترحب ولبنان يعتبره صفقة العصر"، الاتحاد، 26 نوفمبر 2013.

(9) "بن علوي: الاتفاق بداية حلول سلمية لمشكلات المنطقة"، الشرق الأوسط، 26 نوفمبر 2013.

(10) "السعودية: الاتفاق النووي بين مجموعة 5+1 وطهران يمكن أن يشكل خطوة باتجاه حل شامل إذا توفر حسن النوايا"، الشرق الأوسط، 26 نوفمبر 2013.

(11) أحمد المنصوري، "الخليج وتداعيات الاتفاق الإيراني الغربي"، الخليج، 26 نوفمبر 2013.

(12) إيمان رجب وريهام مقبل، after the deal: التداعيات الإقليمية المحتملة للصفقة بين واشنطن وطهران"، الموقع الإلكتروني للمركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، 15 نوفمبر 2013.

(13) خالد الدخيل، "القلق السعودي من الاتفاق الأمريكي الإيراني"، الحياة، 28 نوفمبر 2013.

(14) "رفسنجاني يرجح اتفاقا شاملا خلال سنة: إسرائيل سمكة صغيرة لن تأكل إيران الضخمة"، الحياة، 27 نوفمبر 2013.

(15) "ملامح التقارب الأمريكي الإيراني تلقي بظلالها على دول المنطقة.. ودولة خليجية تتحضر لاحتواء الخسائر من البوابة السورية"، الوطن السورية، 27 نوفمبر 2013.

(16) طارق الحميد، "الأسد بعد اتفاق إيران"، الشرق الأوسط، 27 نوفمبر 2013.

(17) فريدريك ويري، "ما تفسير إفراط السعودية في التعبير عن ضيقها؟"، الموقع الإلكتروني لمركز كارنيجي للسلام الدولي، 15 أكتوبر 2013.

(18) طارق الحميد، "الاتفاق الإيراني أخطر من 11/9"، الشرق الأوسط، 26 نوفمبر 2013.

(19) غنيم الزعبي، "دول الخليج: إذا امتلكت إيران النووي مساء اليوم سنحصل عليه صباح الغد"، ميدل أيست أونلاين، 27 نوفمبر 2013.

(20) جهاد الخازن، "عيون وأذان"، 26 نوفمبر 2013.

(21) سلمان الشيخ، "العمل الشاق بدأ لتوه مع الاتفاق النووي"، الموقع الإلكتروني لبروكنجز الدوحة، 25 نوفمبر 2013.

(22) إيمان رجب، "الانخراط المشروط: احتمالات التقارب بين إيران ودول الخليج بعد اتفاق جنيف"، التقديرات الإقليمية، المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، تقرير غير منشور لوحدة العلاقات السياسية الإقليمية، 28 نوفمبر 2013.

 

 

تعليقات القراء