الموقف السعودي والإسرائيلي من الاتفاق النووي الإيراني

الأربعاء, يناير 1, 2014

كتب جورج فريدمان مقالاً تحليلاً جاء بعنوان "الإسرائيليون والسعوديون والاتفاق الإيراني" ونشره موقع ستراتفور الأمريكي للاستخبارات الدولية في 26 نوفمبر 2013[1]، وتناول فيه طبيعة الموقفين السعودي والإسرائيلي من الاتفاق النووي الذي تم في جنيف في 14 نوفمبر من نفس العام بين إيران ومجموعة 5+1 وهي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي إضافة إلى ألمانيا، ووضع هذا الاتفاق مجموعة من القيود على طموحات البرنامج النووي الإيراني في الوقت الذي وافق فيه الغرب على تخفيف بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي.

 ذكر فريدمان أن اللاعبين الرئيسيين في الاتفاق الذي نحن بصدده هما كل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وتعتمد المفاوضات المقبلة حول البرنامج النووي الإيراني والمقررة بعد ستة أشهر ، على التزام كل من الجانبين الإيراني والغربي بالاتفاق الراهن، وهو ما يسعي بدوره إلى التوصل إلى حل دائم بصورة أكبر بشأن البرنامج النووي الإيراني، وأشار فريدمان إلى حقيقة أن احتمالات عقد لقاءات علنية بين مسئولين كبار لكل من الولايات المتحدة وإيران –بين وزيري الخارجية على سبيل المثال –كان أمراً صعباً ولم يكن متصوراً بالأساس منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية حتى أشهر قليلة ماضية يقصد بذلك أن وصول روحاني للسلطة في إيران مهَد لحدوث التقارب بين البلدين.

أولاً: أهداف عقد الاتفاق النووي الإيراني:

1.       الأهداف الأمريكية: أشار فريدمان إلى أن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذا الاتفاق إلى التخلص من أية أسلحة نووية إيرانية قد تشرع إيران في تصنيعها بالفعل وبدون أن تلجأ الولايات المتحدة إلى استخدام القوة العسكرية، رغم أن مسألة توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية جوية ناجحة ضد إيران ظل اعتقاداً شائعاً، إلا أن فريدمان أكد على أن القيام بمثل هذه الخطوة لا يمثل فقط صعوبة، بل يشكل أيضاً خطورة بالغة على الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة، لذا تسعي الآن لوضع رقابة دولية على البرنامج النووي الإيراني.

2.      الأهداف الإيرانية:

يتمثل الهدف الإيراني الرئيسي من عقد اتفاقها الأخير مع المجموعة السداسية (5+1) في رغبتها في الحفاظ على النظام الإيراني وحمايته، لأن العقوبات الغربية التي فُرِضت علي إيران زادت تدريجياً من الضغط الواقع على الاقتصاد الإيراني، وهو ما أصبح له تأثير بالغ على قطاع واسع من الشعب الإيراني، وساهم في خلق حالة من الإحباط العام لدى المواطنين الإيرانيين، إلا أن فريدمان ذكر أن هذه الحالة لم تصل بعد إلى نقطة الانكسار التي يمكن أن تهدد استقرار النظام الحاكم في إيران، لكنه لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع الاقتصادية في المستقبل إذا استمر الوضع على ما هو عليه، وما يمكن أن يتحمله المواطن الإيراني جراء ذلك.

وأشار فريدمان إلى أن فوز الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني جاء في خضم أجواء وتأثيرات العقوبات الغربية على إيران، بل أن هذا الفوز يعتبر مؤشراً على وجود حالة من الإحباط العام والرغبة العامة في إحداث تغيير يُصلِح الأوضاع في البلاد، ولقد عبَر المرشد الأعلى علي خامنئي عما وصلت إليه الأوضاع من سوء، وأكد أن هناك رغبة واستعداد للتفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني رغم أنه يُعد حتى الآن سلاحاً إيرانياً للتخلص من العقوبات الغربية.

ثانياً: الاتفاق النووي الإيراني ليس خدعة إيرانية:

وحول مضمون الاتفاق النووي الإيراني، أشار فريدمان إلى أن العملية التفاوضية الأخيرة بين إيران والمجموعة السداسية قد أسفرت عن تخفيف العقوبات الاقتصادية على إيران في مقابل الإشراف على الأنشطة النووية الإيرانية لمنعها من تطوير أسلحة نووية.

جدير بالذكر أن فريدمان رفض طرح فكرة أن الاتفاق النووي الإيراني مجرد خدعة إيرانية لكسب الوقت أو لاستكمال تصنيع سلاح نووي، واختباره بصورة أو بأخرى، أعرب فريدمان أنه إذا أرادت إيران تصنيع سلاح نووي فإنه يتطلب منها الاعتماد علي صواريخ ومنصة إطلاق لا يمكن أن تكتشفها الأقمار الصناعية ووكالات الاستخبارات العالمية خاصة الاستخبارات الأمريكية ووكالة الأمن القومي الأمريكي، والموساد الإسرائيلي، وجهاز الاستخبارات البريطاني، لكنه من المُرجح أن تفشل إيران في تجنب ذلك، كما أن الضربات الجوية التي يتردد بين الحين والآخر توجيهها قد تكون محفوفة بالمخاطر وستعيد الاقتصاد الإيراني للوراء، لكنها لن توقف البرنامج النووي الإيراني، ويرى فريدمان أنه إذا حللنا سيناريو توجيه ضربة جوية بعمق نجده غير محتمل الحدوث.

ثالثاً: الاتفاق النووي والأمن القومي لدول المنطقة:

يورد فريدمان هنا موقف بعض الدول المعارضة للاتفاق النووي الإيراني لاسيما الموقفين السعودي والإسرائيلي، لأن كلاهما يعتبر معادياً قوياً للطموحات الإيرانية في المنطقة، وأقرب الحلفاء الأمريكيين في المنطقة، لكن يسعي كلاهما في الفترة الأخيرة إلى العمل على تقييم علاقاتهما مع واشنطن.

1-      الموقف السعودي:

رغم أن الاتفاق النووي الإيراني شمل أهم القوى الكبرى في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا والصين وروسيا وألمانيا، إلا أن موقف إسرائيل والسعودية المعارض بشدة للاتفاق مهم رغم أنهما ليسا من ضمن المجموعة السداسية وفق ما أكده فريدمان، بل ويظل موقفيهما هاماً ومؤثراً على مستقبل الاتفاق النووي.

ويضيف فريدمان أن الموقفين السعودي والإسرائيلي فيهما نوع من المفارقة، لأنهما متوافقان شكلياً فقط، حيث تري كلا منهما أن الاتفاق النووي الإيراني يعتبر بمثابة خيانة أمريكية لعلاقتهما مع واشنطن.

ويري فريدمان أن المشكلة في الاتفاق النووي الأخير من وجهة النظر السعودية تكمن في أن هناك فجوة أيديولوجية واسعة بين الولايات المتحدة وإيران وفي ذات الوقت، تختلف مسارات العمل في معالجة بعض القضايا الجوهرية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وهنا يحاول فريدمان تفسير أسباب المعارضة السعودية للاتفاق النووي الإيراني للإشارة إلى ما يلي:

‌أ-        في حال تقلص النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج، فإن إيران ستكون القوى الإقليمية العسكرية الأقوى.

‌ب-     أن هناك أقلية شيعية لا يمكن إغفال أهميتها، وتتركز هذه الأقلية في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية وهي منطقة غنية بالنفط.

‌ج-     أن التقارب الإيراني مع الشيعة في المنطقة الشرقية من المملكة يعتبر أمراً محتملاً، وبالتالي ربما يتسبب في حدوث اضطرابات داخل السعودية تهدد استقرارها.

وصف فريدمان الاتفاق النووي الأخير موضحاً أنه بمثابة هروب أمريكي من الالتزام الأمريكي بحماية السعودية من أعدائها الإقليميين وعلي رأسهم إيران، وبالنظر لهذه الصفقة الأخيرة والصفقات الأخرى المحتملة بشأن البرنامج النووي الإيراني، يؤكد فريدمان أن الولايات المتحدة بدأت تتملص من هذا الالتزام.

ويطرح فريدمان هنا سيناريو لما يمكن أن يسفر عنه احتمالات حدوث التزام أمريكي – إيراني حيال بنود الاتفاق النووي الأخير، مُشيراً إلى أنه إذا تمكنت كل منهما بالفعل من الالتزام بالاتفاق وفُتحِت العلاقات الاقتصادية بينهما، فإنه يمكن تسوية القضايا الجوهرية العالقة بينهما بشكل نهائي وسيكون ذلك خطوة مهمة سيكون لها تأثيراتها على المنطقة، ولقد أضاف أن هناك بضعة أمور قد تساعد في التقارب بين الولايات المتحدة وإيران أكثر في المدى المنظور، حيث يُشير هنا إلى احتمال تبلور مصالح متبادلة بين الجانبين، وهي:

‌أ-        رغبة إيران في إحداث طفرة في الاستثمارات في قطاع البترول وغيره من القطاعات الاقتصادية الهامة.

‌ب-    سعى شركات ورجال أعمال أمريكيين لفتح استثمارات لهم في الداخل إيراني.

إلا أن فريدمان نوّه إلى مجموعة من التحديات السياسية الخفية التي لا تزال تمثل عائقاً أمام تحقيق التقارب الأمريكي – الإيراني الكامل، وأهمها:

‌أ-        حرص الولايات المتحدة على أن تتوقف إيران عن دعمها لحزب الله اللبناني، وأن تضمن أنها لن تدعم الإرهاب عامة.

‌ب-    سعي إيران الوصول إلى ضمانات معينة، أهمها:

-       ألا يتولى الحكم في العراق مستقبلاً حكومة مناهضة لإيران، وضرورة أن تعمل الولايات المتحدة علي منع قيام ذلك، جدير بالإشارة هنا أن إيران تتذكر جيداً مرارة الحروب التي خاضتها ضد العراق في السابق.

-       ألا تدعم الولايات المتحدة الأمريكية أي قوى معارضة لنظام الحكم الإيراني، ويكون مقرها في العراق خاصةً، في إشارة إلى مجاهدي خلق وما قد يحذو حذوها.

وتشير الرؤية السعودية إلى أن المطالب الإيرانية ستصبح مصدر قلق كبير في المنطقة، ويرجع ذلك لأن السعودية ترفض نهائياً أن يكون هناك دولة مؤيدة للنظام الشيعي على حدودها الشمالية، وذكر فريدمان أن الرياض تقوم بتمويل مقاتلين سنّة ليواجهوا المقاتلين الشيعة في حرب (الوكالة) التي تُدار بينها وبين إيران في المنطقة. كما أن أي اتفاق يقوم به الجانب الأمريكي ليخدم المصالح الإيرانية في العراق سيؤدي إلى إحداث تهديد واضح للأمن القومي السعودي.

2-      الموقف الإسرائيلي:

ذكر فريدمان أنه فيما يتعلق بالرؤية الإسرائيلية فإن إيران تمثل تهديداً للأمن القومي الإسرائيلي، وذلك التهديد له مصدرين، هما:

‌أ-        البرنامج النووي الإيراني.

‌ب-    الدعم الإيراني لحزب الله وحركة حماس وجماعات أخرى في منطقة الشرق الأوسط.

ورغم أن إيران تقع مكانياً في منطقة بعيدة عن إسرائيل ولا تُمثل تهديداً عسكرياً تقليدياً، لكن يحبذ الاسرائيليون أن تتخلى إيران عن برنامجها النووي بطريقة أو بأخرى، ويري فريدمان أيضاً أن إسرائيل نفسها لا تملك وسائل موثوق فيها لتدمير البرنامج النووي الإيراني عسكرياً، وما تخشاه إسرائيل في الحقيقة هو أن تُجري الولايات المتحدة وإيران صفقات سياسية من شأنها أن تضر بإسرائيل، والتي يظل لديها مساحة لكي تناور من خلالها أكثر مما هو متاح أمام السعودية، فإسرائيل يمكنها أن تبقي بجوار دولة عراقية موالية لإيران على عكس السعودية التي تري بدورها أن تجاوز إيران نطاق النفوذ السعودي في المنطقة أصبح مسألة وقت، كما لا يمكن أن يحتمل السعوديون أن تستمر هيمنة حزب الله اللبناني المؤيد لإيران في لبنان.

ويري فريدمان أن التحدي الحقيقي أمام السعودية وإسرائيل، هو أن كليهما يعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية لضمان أمنهما القومي لكي يبقي كل منهما في المنطقة التي تشتعل قضاياها يوماً بعد يوم، فضلاً عن حاجة إسرائيل إلى الحصول على المعدات العسكرية الأمريكية التي لا تستطيع أن تصنعها بنفسها كأنواع من الطائرات المقاتلة، أما السعودية تحتاج إلي القوات الأمريكية التي تُوصف بأنها الضامن النهائي لأمن السعودية، مثلما كان عليه الأمر منذ عام 1990، ورغم أن كلاً من إسرائيل والسعودية من أكثر الدول التي لها تأثير داخل واشنطن، إلا أن الاتفاق النووي الأخير يناقض هذا التأثير، فلم تمتلك أياً منهما القدرة الكافية للحيلولة دون اتمام هذا الاتفاق، ويتركز التخوف السعودي والإسرائيلي من تداعيات هذا الاتفاق، وهو ما سيؤثر سلباً على الأمن القومي السعودي والإسرائيلي وعلى تأثيرهما في واشنطن، ولقد فشلت زيارة بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى موسكو في محاولة لكسب موقف روسي والحشد لدعم دولي يمنع الاتفاق المذكور بعد فشله في إقناع الولايات المتحدة بالتراجع عن عزمها عقد ذلك الاتفاق.

رابعاً: السياسة الإقليمية للولايات المتحدة:

تناول فريدمان بعد ذلك الاستراتيجية الأمريكية للتعامل مع دول المنطقة لاسيما مع السعودية وإيران وإسرائيل، وأشار إلى ما يمكن وصفه (بالمفارقة)، حيث ذكر أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن حليفيها السعودي والإسرائيلي، في حين أن سياستها الإقليمية تجاه إيران تحديداً ستكون سياسة غير رشيدة، بحيث تسعي الولايات المتحدة إلى استعادة علاقتها الجيدة مع السعودية وإسرائيل، لكن بصورة معتدلة تتمثل في أن يأتي الدعم الأمريكي في سياق توازن القوى لاسيما بين إيران والسعودية، وفي ذات الوقت تستعد فيه الولايات المتحدة لدعم السعودية وفق هذا السياق، وسيكون على السعودية قبول الوضع، كما تفرضه الولايات المتحدة، والتي تريد دولة إيرانية مستقرة وقوية ومعتمدة علي نفسها بصورة أو بأخرى بغض النظر عن أيديولوجيتها، كما تسعى الولايات المتحدة لخلق توازن قوى في المنطقة يكون مكونه سنّي – شيعي أو توازن عربي – إيراني لا يكون من دواعيه قيام حرب، بل أنه يمثل ما يشبه القوى المضادة لبعضها البعض.

ولقد بُنيت الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة على خبرتها في العراق وأفغانستان، حيث تعلمت واشنطن أن الاستغلال المباشر للقوة الأمريكية لا يحقق مصالحها في المنطقة ويرجع ذلك جزئياً إلى أن فرض الحلول يحتاج قوات أكثر مما لدى الولايات المتحدة، فضلاً عن أن اجبار القوات على العمل يولد المقاومة وعصيان الأمور، وبالتالي تحتاج الولايات المتحدة في رأي فريدمان إلى أدوات تحقق بها مصالحها دون اللجوء للاستخدام المباشر للقوة.

ووفقاً لوجهة النظر الأمريكية فإن الولايات المتحدة ملتزمة أيضاً بضمان أمن إسرائيل، وهذا قد يتحقق من خلال منع إيران من امتلاك سلاح نووي، أما المصالح الإسرائيلية الأخرى من قبيل بناء المستوطنات في الضفة الغربية، فإنه لا يحتاج دعماً أمريكياً، وقد تُراجِع الولايات المتحدة علاقتها مع إسرائيل إذا قامت بما لا يخدم مصالحها كأن تُهدد أمن الأردن على سبيل المثال، وبالتالي ستجبر الولايات المتحدة إسرائيل على التخلي عن المستوطنات من خلال التهديد بتغيير علاقتها معها، وأشار فريدمان في مقاله أيضاً إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى أن تصل إسرائيل إلى مرحلة" النضج" بمعني أن تعتمد على نفسها، وتواصل تحقيق مصالحها دون اللجوء للولايات المتحدة إلا في الحالات التي يكون فيها بقاء إسرائيل على المحك.

وفي ذات السياق، نظراً للعجز السعودي الدائم عن إنشاء قوة مسلحة قادرة على الدفاع عن نفسها بفعالية، فقد قامت الولايات المتحدة بإرسال قوات للتعامل مع هذه المشكلة، وفي إطار الاستراتيجية الجديدة، فمن المتوقع أن يخوض الجنود السعوديون حروباً بمساعدة أمريكية حسب الحاجة ولكن ليس قوة بديلة، وستضطر السعودية لبذل مساعي لتحقيق التوازن مع الإيرانيين، وسوف يضطر الإسرائيليون لمواجهة التهديدات الاستراتيجية، لكن ستظل هناك إشكاليات استراتيجية قائمة، وعلى كل من السعودية وإسرائيل الحفاظ على بقائهما.

[1] George Friedman, Israelis, Saudis and the Iranian Agreement, TUESDAY, NOVEMBER 26, 2013, available on: http://www.stratfor.com/weekly/israelis-saudis-and-iranian-agreement

 

 

تعليقات القراء