السياسة الخارجية المصرية والمجتمع الدولي بعد ثورة 30 يونيو 2013

الثلاثاء, أكتوبر 1, 2013
الكاتب: 

 

عادة ما يتراجع مستوى الاهتمام بالسياسة الخارجية في الفترات التالية للتغيير، سواء كان هذا التغيير ناتج عن ثورة، أو مرتبط بأزمة حادة تمر بها الدولة، ورغم أن مصر في الفترة التالية على 30 يونيو 2013 ، تواجه العديد من التحديات الداخلية، الأمنية والسياسية والاقتصادية، والتي تستدعي عدم اهتمامها بتنشيط سياستها الخارجية في الإقليم، فضلا عن العالم، إلا أن هناك ثلاثة عوامل شكلت ضغوط على الحكومة الانتقالية في مصر، على نحو يستدعي الاهتمام بالتفاعل مع العالم.

يتمثل العامل الأول في الموقع الاستراتيجي لمصر في منطقة الشرق الأوسط، والذي يفرض عليها الانخراط في تفاعلات مع الاقليم والعالم حتى في وقت الأزمات، وهو ما جعل القاعدة "إذا لم تهتم مصر بالخارج، سيهتم بها"، وهذا يفسر اهتمام قيادات الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا بالتعليق على ثورة 30 يونيو، سواء بإظهار دعمهم لها أو انتقادهم لها، خاصة وأنه لدى هذه الدول تصور مفاده أن إسقاط حكم الأخوان في مصر، يفتح المجال للسلفيين ليكونوا بديلا عن الأخوان، وهو ما يمثل مصدر تهديد حقيقي لأمن هذه الدول.

ويتمثل العامل الثاني، في أن المرحلة الحالية التي تمر بها مصر، تمس بمصالح العديد من القوى الإقليمية والدولية، والتي تبنت خطابا ينتقص من شرعية الحكومة الجديدة في مصر، سواء من قبل المؤسسات الرسمية فيها، كما في حالة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، أو المنظمات الحقوقية الاقليمية والدولية الداعمة لجماعة الأخوان المسلمين، مثل منظمة كرامة، أو بعض الدوائر الأكاديمية والإعلامية التي تتعاطف مع جماعة الأخوان في مصر، وهذا الخطاب يتطلب احتواء تأثيره تبني الحكومة المصرية خطابا موازيا، يقدم حجج مضادة counter arguments، وتكشف تعقيدات المرحلة الانتقالية التي تمر بها مصر، ولاتي عادة ما يتم تجاهلها من قبل الدوائر الغربية.

وينصرف العامل الثالث إلى أن الأزمة التي تمر بها مصر حاليا، خاصة ما يتعلق منها بالعلاقة مع جماعة الأخوان المسلمين،هي أزمة ممتدة بطبيعتها، وستولد أزمات أخرى، ستستدعي بدورها ردود فعل من المجتمع الدولي، حتى يتم التوصل لمصالحة ما مع هذه الجماعة، وهذا يتطلب وجود استراتيجية طويلة المدى للتعامل مع هذه الأزمة وما يتولد عنها من أزمات.

وفي هذا الإطار، تحاول هذه الورقة الأولية، أن تقدم بعض الأفكار التي قد تساعد الدولة المصرية في التفاعل مع المجتمع الدولي خلال المرحلة المقبلة، على نحو يحسن صورة مصر في الخارج، خاصة بعد التشويه الذي لحق بها بعد ثورة يونيو، حيث أصبح اسم مصر مرتبط بالعنف، و"عدم الاستقرار"، و"الإقصاء"، و"عودة الدولة البوليسية"، و"اللاديمقراطية" وغيرها من المسميات التي ترددها الدوائر الاكاديمية ووسائل الإعلام الغربية وبعض الدوائر الإقليمية.   

-حاجة مصر للدبلوماسية العامة:

تحتاج مصر إلى إستراتيجية طويلة المدى، في إدارة سياستها الخارجية في المرحلة المقبلة، تنفذها عدة مؤسسات في الدولة، وهو ما يتطلب التنسيق بينها، فالأمر لا يتعلق بوزارة الخارجية المصرية فقط، وتستند هذه الإستراتيجية إلى مفهوم الدبلوماسية العامة Public Diplomacy، ويكون هدفها إعادة بناء صورة الدولة المصرية في الخارج بعد 30 يونيو ، على نحو يعكس حجم التغيير الثوري الذي حدث، والطموحات الديمقراطية للشعب المصري.

والمقصود بالدبلوماسية العامة، هي مجموعة الأنشطة الخارجية التي تهدف الى التأثير influence  على التصورات السائدة عن الدولة في الخارج، من خلال الاقناع persuasion، وخلق مساحات للفهم المتبادل مع الآخر، وتشمل الدبلوماسية الثقافية، ودبلوماسية التبادل الطلابي، والبث الإعلامي باللغات الأجنبية، والأنشطة البحثية الخاصة بجمع المعلومات عن التصورات السائدة عن الدولة في الخارج، من خلال السفارات، ومراكز الفكر، وتبني فكرة أو  رواية narration عن الدولة،  فالموضوع الأساسي لهذه الأنشطة هو صورة الدولة في الخارج State Branding، وهي تهدف بصورة عامة إلى معالجة أي تشويه يلحق بصورة الدولة، كما حدث في حالة السعودية بعد أحداث 11 سبتمبر2001، أو إعادة بناء صورة الدولة خاصة في الفترات التالية على الأزمات، أو بعد التحولات العنيفة، او التغييرات الثورية، مثل حالة مصر بعد ثورة 30 يونيو 2013.

وبذلك تختلف الدبلوماسية العامة عن حملة العلاقات العامة Public Relations Campaign ، من حيث كونها إستراتيجية طويلة المدى وغير مرتبطة بحدث معين، وعن Propaganda، والتي تروج لموقف سياسي معين، أو تدافع عن قضية محددة، من خلال بعض الاستراتجيات مثل شيطنة العدو.

وتمتلك الدولة المصرية الموارد التي تسمح لها بتبني استراتيجية الدبلوماسية العامة، وتكشف الممارسات العملية للعديد من الدول، عن وجود نوعين من الدبلوماسية العامة،  يتمثل النوع الأول في الدبلوماسية العامة الرسمية والتي تكون من الحكومات إلى الشعوب government to people ، حيث تلعب فيها المؤسسات الرسمية للدولة، مثل وزارة الخارجية، ووسائل الاعلام الرسمية، والملاحق الاعلامية التابعة لسفارات الدولة في الخارج دورا رئيسيا في تنفيذ استراتيجية الدبلوماسية العامة.

 وينصرف النوع الثاني الى الدبلوماسية العامة غير الرسمية، والتي تكون من الشعب الى الشعب people to people. وينفذ أنشطة الدبلوماسية العامة في هذه الحالة مؤسسات المجتمع المدني في إطار ما يعرف بـ Triplomacy. وترجع أهمية هذا النوع من الدبلوماسية، إلى حرية الحركة التي تتمتع بها مؤسسات المجتمع المدني، مقارنة بأجهزة الدولة الرسمية، مع تمتعها بالقدرة على التأثير في داخل الدول، حيث لم يعد تحسين صورة الدولة في الخارج يتم من خلال التأثير في سلوك الدول الأخرى من خلال  معادلة   guns, money and rhetoric ، فالأمر يتعلق أيضاً ببناء العلاقات مع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني في بلدان أخرى، وتيسير إنشاء الشبكات بين الأطراف غير الحكومية في الداخل والخارج.

واهتمام مصر بهذا النوع من الدبلوماسية العامة يتطلب إعادة التفكير في البناء الداخلي لوزارة الخارجية، على نحو يضمن وجود قناة اتصال مع مؤسسات المجتمع المدني المحلية، فضلا عن إعادة بناء قدرات هذه المؤسسات لتكون قادرة على المشاركة في إدارة علاقات مصر الخارجية، وتحقيق مصالحها.  

-تحويل الدبلوماسية العامة لبرنامج عمل: 

إن تبني الحكومة المصرية للدبلوماسية العامة، كإطار ناظم لتفاعلاتها مع المجتمع الدولي، خاصة الدول التي تمر معها العلاقات بأزمة، مثل الولايات المتحدة، والدول الأوربية، وتركيا، وتونس، يتطلب التفكير في برنامج عمل، يتألف من خمسة خطوات يمكن أن تجعل الدبلوماسية العامة فاعلة في تحسين صورة مصر في الخارج، وهي أولا، تحتاج الحكومة المصرية لتحديد الهدف من تبني الدبلوماسية العامة، أي تعريف ماهية الصورة المراد إعادة بنائها في المرحلة المقبلة، ففي حالات بعض الدول التي مرت بأزمات، مثل السعودية التي عانت من تشوه الصورة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 ، حيث كان التصور العام السائد عنها في الغرب أنها دولة تصدر الإرهاب، تبنت استراتيجية تعمل على إعادة بناء صورتها بعيدا عن فكرة الإرهاب، ونجحت في أن تغير صورة السعودية في الخارج إلى "دولة تنشر السلام" كما أعلنت عن ذلك القيادة السعودية في احتفالات العيد الوطني الأخيرة. وفي حالة المكسيك، تبنت الدولة منذ 2010 إستراتيجية للدبلوماسية العامة، هدفت لتصوير المكسيك على أنها دولة قائد في أمريكا اللاتينية، وتم ترجمتها إلى 111 خطوة تنفذها وزارة الخارجية، ومؤسسات المجتمع المدني.

وفي حالة مصر، فإن تبني بعض العبارات العامة، مثل "الدولة النموذج"، قد لا يكون مفيد خلال المرحلة  الحالية، خاصة مع عدم وضوح ماهية هذا النموذج، ولمن تعد مصر نموذجا، فمن المهم أن تكون العبارات أكثر تحديدا، وهو ما يمكن تطويره من خلال تشكيل فريق عمل من الخبراء، يعكفون على تحديد أبعاد صورة الدولة المصرية، وترجمتها إلى خطوات عملية.

ثانيا، التعامل مع الدبلوماسية العامة كإستراتيجية طويلة المدى، وكجزء من الممارسات اليومية، وليست نشاط مؤقت، فهناك مقولة شهيرة عن الدبلوماسية العامة it is not a bandage applied after damage،  وهذا يتطلب أن يتم تخصيص موارد محددة لهذه الاستراتيجية، سواء من قبل وزارة الخارجية أو رئاسة الجمهورية، وأن يتم تشكيل معاهد تتبع وزارة الخارجية، تعمل على إعداد الكوادر القادرة على المشاركة في تنفيذ هذه الإستراتيجية من الدبلوماسيين، وتدريب مؤسسات المجتمع المدني لتمكينها من المشاركة في تحسين صورة مصر في الخارج. وفي بعض الدول الغربية، تم إنشاء معاهد ملحقة بالمعاهد الدبلوماسية تعمل على تخريج دفعات من الدبلوماسيين والأكاديميين ، المتخصصين في مجال الدبلوماسية العامة.

ثالثا، الاهتمام بالمصداقية في الأنشطة المختلفة الخاصة بالدبلوماسية العامة، والتي تعد محدد مهم في فعالية الدبلوماسية العامة في التأثير على التصورات السائدة في الخارج عن الدولة، ولذا من المهم أن يتم تشجيع الشخصيات المشهورة المصرية مثل الممثلين، وشباب الثورة، والمبدعين، ومبعوثي الأمم المتحدة للنوايا الحسنة من المشاهير المصريين ، للمشاركة في تحسين صورة مصر في الخارج، فالقصة التي يرويها هؤلاء عادة ما يتم تصديقها من قبل الرأي العام الغربي أكثر من القصة التي يرويها المسئول الحكومي.

رابعا، إعداد وثيقة باللغتين العربية والانجليزية تشرح ما حدث في 30 يونيو ، وتوضح تفاصيل خريطة الطريق، والمحطات الرئيسية في هذه الخريطة، فوجود وثيقة مكتوبة واسعة الانتشار سيترك تأثير كبير لصالح مصر.

خامسا،الاعتماد على الدبلوماسية العامة غير الرسمية، والتي تسمح بانخراط  engagement   متعدد المستويات مع المجتمعات الغربية، من خلال تدريب مؤسسات المجتمع المدني على كيفية المشاركة في تحسين صورة مصر في الخارج، من قبل وزارة الخارجية، بحيث يتم تدريبها على الأسس العامة للدبلوماسية العامة، وترك تفاصيل التنفيذ لها، كما يمكن أن تشجع الدولة دبلوماسية المشاهير Celebrity Diplomacy  في التعريف بما جري في مصر، وتشجيع مراكز الفكر على التواصل مع مراكز الفكر الغربية وتقديم تحليلات موازية لما هو سائد في الدوائر الأكاديمية الغربية، وتسهيل كتابة الخبراء في هذه المراكز في الصحف الغربية لمخاطبة الرأي العام الغربي.

إن التحدي الرئيسي الذي توجهه الحكومة المصرية في المرحلة المقبلة، مرتبط بقدرتها على أن تتحدث عن نفسها وعن المرحلة الانتقالية بطريقة مقنعة للآخر، وبيان تفاصيل هذه المرحلة، وتفاصيل خارطة الطريق، وما تصبو إلى تحقيقه من أهداف خاصة بالديمقراطية والحقوق والحريات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، حتى توازن التصورات المهيمن عن مصر في الخارج، والتي تركز على مصير الأخوان باعتباره الحدث الرئيسي في مصر، وعلى الدور السياسي للمؤسسة العسكرية،وهذه القدرة مرتبطة بصورة كبيرة بتبني إستراتيجية دبلوماسية عامة ذكية.

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات القراء