العلاقات المصرية الأمريكية (ورشة عمل)

الثلاثاء, أكتوبر 1, 2013

لم تكن العلاقات بين مصر والولايات المتحدة في أي وقت مضى علاقات ثنائية سلسة ومباشرة، فكانت دائماً ما يتخللها طرف ثالث، الاتحاد السوفيتي في الخمسينيات والستينيات ثم إسرائيل بعد حرب 1973، وشهدت هذه العلاقات حقبة ازدهار غير مسبوقة منذ الرئيس الراحل أنور السادات الذي أراد تحويل هذه العلاقة إلى علاقة استراتيجية ثابتة وقوية، واستمرت هذه العلاقة مع تخللها لبعض التوتر من الحين للآخر حتى قيام ثورة 25 يناير2011 إلى الحد الذي ذهب البعض بوصفها علاقة تتسم بالتناقض والفصام، فنحن نتلقى معونة أمريكية، من ناحية، وننظر إلى الولايات المتحدة على أنها عدو لنا، من ناحية أخرى، وفي ظل الظروف التي تمر بها مصر بعد ثورة يناير 2011 تبدو الحاجة قوية نحو إعادة التفكير في علاقات مصر الخارجية وتقييم هذه العلاقات وتصحيح مسارها، وتأتي العلاقات المصرية – الأمريكية في مقدمة هذه العلاقات، وفي هذا الإطار عقد مركز الأمير الوليد بن طلال للدراسات الأمريكية والبحوث التابع لكلية الشئون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بالتعاون مع كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ورشة عمل يوم الثالث والعشرين من يونيو 2013 بقاعة فيردي بفندق الماريوت، حول التحديات والآفاق المستقبلية وتوضيح الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بعد ثورة 25 يناير2011، وقد شارك في الورشة العمل نخبة من الدبلوماسيين والباحثين من الجامعات والمراكز البحثية والمهتمين بهذا الشأن، وتناولت ورشة العمل ثلاثة موضوعات أساسية تم تقديمها من خلال أوراق مختصرة، ومستهدفة إثارة الأفكار حول المحاور المختلفة، كمقدمة لحوار مع الجانب الأمريكي والخروج بتصور عن العلاقات بما يحقق مصلحة الطرفين، وفيما يلي الموضوعات الثلاثة التي تمت مناقشتها:

‌أ-       الإطار الاستراتيجي للعلاقات المصرية الأمريكية.

‌ب-   العلاقات السياسية والعسكرية بين مصر والولايات المتحدة.

‌ج-     العلاقات الاقتصادية والمساعدات الأمريكية.

وقد مثلت حقبة ما بعد ثورة 25 يناير مرحلة جديدة في العلاقات بين الطرفين، وعلى الرغم من التردد الملحوظ للموقف الأمريكي بداية في تأييد الثورة، إلا أن الإدارة الأمريكية سرعان ما تداركت خطأها وأظهرت استعداداً واضحاً للتعاون وبداية مرحلة جديدة وقوفاً وراء الإخوان المسلمين وتأييدهم على اعتبار أنهم تنظيم له خبرة واستطاع استمالة الشعب المصري، واستمر التزام الإدارة الأمريكية بعد إقناعها الكونجرس بإمداد مصر بنفس مستوى المساعدات البالغة 1.3 مليار دولار عسكرياً إلى جانب المساعدات الاقتصادية بمائتي مليون دولار سنوياً، خاصة أن الإخوان أبدوا توجهات إيجابية بالنسبة لقضايا حيوية للولايات المتحدة.

غير أن أحداً لم ينتبه في ذلك الحين كثيراً لما قامت به ثورة 25 يناير من قلب موازين التعامل بين مصر والولايات المتحدة رأساً على عقب، حيث دخل الشعب المصري –العنصر الغائب الحاضر –كجزء لا يتجزأ في معادلة العلاقات بين البلدين، والذي لم يعد ليقبل بقصر العلاقات على المساعدات فحسب وما يصاحبها من إملاء سياسي، فإذا أرادت الولايات المتحدة استعادة مصداقيتها في مصر، فمن الضرورة أن تشارك مشاركة حقيقية من خلال برنامج عمل متكامل وتطوير العلاقات الاقتصادية برمتها وزيادة التعاون في مجالات شتى على رأسها مجالات العلم والتكنولوجيا.

أولاً: الإطار الاستراتيجي للعلاقات المصرية الأمريكية

جاءت الجلسة الأولي من ورشة العمل تحت عنوان "الإطار الاستراتيجي للعلاقات المصرية الأمريكية"، وقد حاول المشاركون فيها طرح إجابات لبعض التساؤلات التي من بينها: هل هناك فعلاً إطاراً استراتيجياً حاكماً للعلاقة بين مصر والولايات المتحدة؟، وإذا كان هناك فهل هو إطار منضبط ويحقق مصالح الطرفين أم ماذا؟ وما السبب في الغموض الذي يشوب العلاقة بين البلدين منذ بدايتها وحتى الآن؟ ومن خلال تناول الإطار الاستراتيجي للعلاقات بين مصر والولايات المتحدة تم تقديم ورقتين، تطرقت كل منهما إلى العلاقة الاستراتيجية بين البلدين من منظور مختلف ومكملين لبعضهما، ففي حين تناولت إحدى هاتين الورقتين شكل هذه العلاقة، محددة ما تريده كل دولة من الأخرى، ذهبت الورقة الأخرى إلى تناول العلاقة من منظور دولي وإقليمي، وخلصت الورقتان إلى أنه لا بديل من محافظة مصر على علاقاتها بالولايات المتحدة كقوة عظمى في ظل نظام اقتصادي دولي يدنو من نظام متعدد القطبية، ومن ثم، فإنه يقع على عاتق مصر أن تعي كيف توازن وتوثق علاقاتها بالقوى الأخرى لتقوية مركزها على الصعيد الإقليمي والدولي تحقيقاً لمصالحها.

أما الورقة الأولي فقد عرضها السفير محمد أنيس، وتناول فيها بعض النقاط الرئيسة عن العلاقات الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، حيث أكد على أن هناك تمايزاً ما بين الحوار الاستراتيجي والعلاقة الاستراتيجية، وتم إرساء العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بشكل أكثر استقراراً في عهد الرئيس الراحل أنور السادات في إطار الزيارات المكوكية لكيسنجر –وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك –واللقاء التاريخي بينهما في 7 نوفمبر 1973، الذي لم يتم توثيقه رغم أهميته والذي قال فيه الرئيس الراحل أنور السادات أنه لا يريد التحدث عن مجرد "فك الاشتباك"، وإنما عن تعميق العلاقات بين البلدين والذهاب بها إلى مدى أبعد .. إلى علاقة ذات طبيعة استراتيجية تتسم بالقوة والاستمرارية، وأكد السفير أنيس على أن هذا الحوار لا يسير على وتيرة واحدة، وإنما يقوى حيناً ويضعف حيناً آخراً، وأرجع هذا الأمر إلي غياب آلية الحوار لأكثر من خمسة عشرة عاماً بين مصر والولايات المتحدة؛ الأمر الذى ساهم في إضعاف استقرار العلاقة والحفاظ على أهدافها والمصالح المتبادلة بينهما، حيث أن آلية الحوار طالما استخدمتها الولايات المتحدة في علاقاتها مع العديد من الدول مثل الهند والصين والبرازيل وغيرها، ولكنها غابت في علاقتها مع مصر مما أدى إلى "شخصنة" هذه العلاقة، وأكد على أن هناك مصالح للطرفين من هذه العلاقة، فالولايات المتحدة تريد الحفاظ على السلام المصري – الإسرائيلي، علاوة على المزايا التي تحصل عليها من قناة السويس، بالإضافة إلى التعاون مع الجيش المصري في الحرب ضد الإرهاب وفى غيره من القضايا، وأكد على أن الولايات المتحدة تحصل على مصالحها من العلاقة بتكلفة متناقصة، ونجحت في الفصل ما بين علاقاتها مع مصر عن علاقاتها مع إسرائيل، وأما عن المصالح التي تعود على مصر من هذه العلاقة، فإنها تتمثل في التالي: تحديث القدرات العسكرية المصرية، الرغبة في تحجيم البرنامج النووي الإسرائيلي، الحصول على المساعدات الاقتصادية والعسكرية وغير ذلك من المصالح، وأكد السفير أنيس علي أن العلاقة الثلاثية بين مصر والولايات المتحدة وإسرائيل تفرض احترام مجموعة من المصالح الحيوية لكل طرف، إلاّ أن الولايات المتحدة اتبعت في الكثير من الأحيان سياسات تتناقض مع أسس هذه العلاقة، خاصة فيما يتعلق بالتوازن العسكري في المنطقة، وأيقنت مصر الخلل في موازنة العلاقات وردت في المقابل بحجب ما كانت الولايات المتحدة تأمل في الحصول عليه ممثلاً في إقامة قواعد عسكرية، فضلاً عن إبعاد الجيش عن التسليح التقليدي وجعله متحركاً للتصدي للإرهاب وذلك ضمن أشياء أخرى، بيد أنه ما كان على الولايات المتحدة سوى ضرورة التنازل عن تلك الأمور في سبيل الحفاظ على مصالحها الرئيسية والأهم مع مصر، وأوضح السفير أنيس أن المشكلة التي تواجهها مصر في وضع حوار استراتيجي لعلاقتها مع الولايات المتحدة تتمثل في الخلاف في تصورات الأجهزة المختلفة في مصر عن شكل هذه العلاقات، ولذا فلابد أولاً من الاتفاق حول الإطار المفاهيمي لهذه العلاقة من خلال إقامة حوار شامل لممثلي جميع مؤسسات الدولة، إضافة إلى ضرورة الاطلاع على وثائق متنوعة ومتاحة مثل: وثائق ويكيليكس ووثائق أخرى إسرائيلية ومذكرات السياسيين، الخ، ووجود فهم واضح وعميق لطريقة تفكير ومواقف الطرف الآخر وتوسيع العلاقات لإقامة علاقة مجتمعية من خلال معرفة جيدة بتوجهات المجتمع المدني ومراكز الفكر، خاصة في وجود أطراف فاعلة عديدة في العلاقة مثل تركيا والسعودية وقطر والتراجع النسبي الذي يشهده الدور الإقليمي لمصر وتداعيات ذلك على العلاقة مع الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة، وشدد السفير أنيس على ضرورة أن يكون هناك حوار منتظم يتسم بالشفافية والمصارحة للحفاظ على علاقة مستقرة بين البلدين، وبما يراعي أساساً المصالح المصرية، أمّا بالنسبة للتطور الأخير للسياسة الأمريكية في إطار تعاملها مع الإسلام السياسي، فقد أكد السفير أنيس علي أن الأمر ما زال يشوبه كثير من الغموض وعدم وضوح الرؤية، وإن كان هناك عدداً من السيناريوهات المحتملة مستقبلاً، فأما الاستمرار في العلاقة على نحو ما هي عليه دون إطار واضح، وهو لا شك سيناريو غير قابل للدوام لما يتسم به من عدم وضوح وإحباط للجانبين (الأمريكي والإسلامي)، وفي مثل هذا السياق قد تكتفي السياسة الأمريكية بالتركيز على العلاقة العسكرية مع مصر دون غيرها وهو ما لا يخدم بصفة أساسية المصالح المصرية، أمّا السيناريو الثاني، فإنه يتطلب نوعاً من الاستقرار في العلاقات وإقامة استراتيجية بعيدة المدى تقوم على إطار مؤسسي سليم، أو سيناريو ثالث قد يكون أقل توقعاً مثل نشوب أزمة في إطار العلاقات الثنائية أو في المنطقة تؤدي إلى التقارب أو التباعد.

أما الورقة الثانية فقد عرضها الدكتور مصطفي كامل السيد –أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة –وتناول فيها بعض النقاط الرئيسة، والتي أكد فيها على أن صناعة السياسة الخارجية لأي دولة تتأثر بعدد من المحددات، مثل المحددات الاقتصادية والعسكرية والموقع الجغرافي والعقيدة السياسية، ولكن أيضاً شكل النظام الدولي الذي نعيش فيه، حيث أكد الدكتور مصطفي كامل علي أن العلاقة في ظل نظام القطبين والحرب الباردة تختلف عنها في ظل نظام القطب الواحد أو ما نعيشه اليوم من نظام متعدد القطبية، وأضاف الدكتور مصطفي كامل أن العلاقة في ظل نظام القطبين علاقة واضحة ومحددة تقوم على أسس طويلة المدى لما يُعرف بالتحالفات الدائمة وفقاً للقول المأثور "إماّ أن تكون معي أو ضدي"، حيث يملي نظام القطبين على دول العالم واحداً من اختيارين، إما إقامة علاقة وثيقة مع واحدة من القوتين العظميين أو تتحمل عواقب عدم الانحياز لأي منهما، سواء كانت سلبية أو إيجابية، غير أن نظام القطب الواحد الذي بدأ بعد ذلك بتفتت الاتحاد السوفيتي في 1991 وسيادة دولة عظمى منفردة في ظل التفوق العسكري للولايات المتحدة، فإنه لا شك يعمل إلى حد ما على تقييد صانعي القرار، وأكد أيضاً على أن هذا النظام لم يدم طويلاً وظهرت معالم نهايته في أواخر ولاية جورج بوش الابن، حيث أن نظام القطب الواحد لا يمكنه الاستمرار لفترة طويلة وذلك لسببين رئيسيين: أولهما، ميل القطب الواحد إلى تحمل التزامات واسعة تفوق قدراته، وثانيهما، ميل القطب الواحد إلى التصرف على نحو منفرد مما يدفع القوى الكبرى والمتوسطة إلى التجمع ضده، وظهر ذلك جلياً عند ظهور الأزمة المالية في الولايات المتحدة في 07/2006 وفشل الولايات المتحدة في التعامل مع الأزمة، وأن من تصدي لهذه الأزمة هي الدول ذات الاقتصاديات الصاعدة مما حدا بالرئيس بوش الابن في فترة لاحقة إلى الموافقة على توسيع مجموعة الثمانية من الدول الصناعية المتقدمة لتحل محلها مجموعة العشرين التي ضمت المجموعات الصاعدة في مجال الاقتصاد العالمي للتعامل مع النظام المالي الدولي، كما ظهر ذلك جلياً بقدوم أوباما الذي قلل من الالتزامات العسكرية في الخارج، وذلك يعني تغير في النظام العالمي، وتساءل الدكتور مصطفي عن طبيعة النظام الدولي الجديد وهل هو نظام دولي بمعنى أن الوحدات الأساسية فيه هي الدول أم أنه نظام عالمي أكثر شمولاً، بمعنى أن الوحدات المكونة له ليست فقط الدول وإنما أيضاً وحدات أخرى تتنافس مع الدول مثل الشركات عابرة الحدود والمجتمع المدني العالمي والمنظمات الإرهابية، وأضاف أن هذا السؤال يصعب حسمه في الوقت الحاضر، ولكن بالاعتماد على البعد العسكري يمكن القول بأن النظام الدولي الحالي هو نظام أحادي القطبية ولكنه أصبح يقترب من تعدد الأقطاب في المجالات الأخرى، بل وما هو أكثر من ذلك، أن هناك تداخلاً في مصالح الأقطاب ولا يسعى أي منهم اليوم لإبعاد الآخر في ضوء المصالح الاقتصادية المتشابكة والمتداخلة.

وفي ضوء ما تقدم، فقد أكد الدكتور مصطفي كامل علي أنه من مصلحة مصر أن تحافظ على علاقاتها الاقتصادية بالولايات المتحدة لأنها القوة الاقتصادية الأولى، وأضاف أنه من الخطأ التعويل فقط على هذه العلاقات، بل يجب توثيق العلاقات مع الاقتصاديات الصاعدة لتقوية موقف مصر في مواجهة الولايات المتحدة.  

وقد دار النقاش في هذه الجلسة حول بعض النقاط من أهمها:

1-    أهمية إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها العلاقات المصرية الأمريكية، لأن الجانب المصري لا ينظر للعلاقة في كليتها مما يؤدي إلى التوتر أحياناً بين الطرفين، الأمر الذي يستلزم من الجانب المصري حسن إدارة التوتر هذا أو ضبط التوتر.

2-    أن الحديث الآن عن التعددية القطبية لم يعد كما كان الحديث عن القطبية من قبل وخاصة في ظل تشابك المصالح ما بين القوى الكبرى.

3-    ضرورة تحديد موقع الشرق الأوسط من الاستراتيجية الأمريكية وموقع مصر من هذه الاستراتيجية، وهل الاهتمام بالصين وآسيا يعد خصماً من علاقة الولايات المتحدة بمصر؟

4-    ضرورة ألا يثار ملف إعادة مناقشة العلاقة مع الولايات المتحدة في الوقت الحالي في ظل التدهور والضعف الذي تمر به مصر الآن، وأن ذلك لابد أن يسبقه حوار داخلي للاتفاق حول ما يحقق المصالح القومية المصرية.

5-    تحديد طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ومدى استفادة مصر منها، وأنها تتوقف –إلى جانب عوامل أخري –على مدى استقلالية النظام الإقليمي وقدرته على اتخاذ قرارات لا تكون تابعة بالضرورة للولايات المتحدة.

6-    أن قوة الولايات المتحدة النسبية في تراجع لصالح قوى بديلة، وأن من أخطر المراحل التي يمر بها النظام الدولي هي مراحل بزوغ قوى جديدة واندثار قوى أخري قديمة.

7-    ضرورة ربط العلاقة المصرية مع الولايات المتحدة الأمريكية بعلاقة الأخيرة مع إسرائيل، حيث الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة، وأهمية التوافق بين مصر وإسرائيل من أجل عملية السلام في المنطقة، وضرورة أن تستعيد مصر توازنها الإقليمي لأن ذلك يقويها في علاقتها مع الولايات المتحدة، وذلك في ظل استراتيجية مصرية متكاملة للتعامل مع الولايات المتحدة.

ثانياً: العلاقات السياسية والعسكرية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية

وجاءت الجلسة الثانية من ورشة العمل تحت عنوان "العلاقات السياسية والعسكرية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية"، وحاولت الإجابة عن بعض التساؤلات التي من بينها: ماذا يجب على مصر القيام به لتضع العلاقة مع الولايات المتحدة في مسارها الصحيح؟ وهل المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة تشهد تغيراً في المنطقة وما تأثير ذلك على العلاقات مع مصر؟ وهل من المناسب الآن فتح ملف إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة في ظل ظروف الضعف الذي تمر به مصر الآن؟

وفي هذه الجلسة قدمت ورقتان تناولت أولاهما واقع ومستقبل العلاقات العسكرية بين القاهرة وواشنطن، وتناولت الثانية البُعد السياسي بعد ثورة 25 يناير 2011.

أما الورقة الأولي فقد قدمها الدكتور محمد مجاهد الزيات –رئيس المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط –وجاءت تحت عنوان "واقع ومستقبل العلاقات العسكرية بين القاهرة وواشنطن"، وقد تناول فيها بعض النقاط الرئيسة ومنها: محددات العلاقات العسكرية بين البلدين وقد أكد الدكتور الزيات على أن أهم هذه المحددات يتمثل في الالتزام الأمريكي بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل وقدرتها على صد أي تهديد أو مجموعة من التهديدات من عناصر متمثلة في دول أو في غيرها، هذا فضلاً عن الأهمية الحيوية للمصالح الأمريكية لا سيما ما يتصل منها بأمن الطاقة وتأمين منابع النفط في منطقة الخليج العربي ومحاربة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومكافحة القرصنة في جنوب البحر الأحمر ومضيق عدن، وأما النقطة الثانية التي تناولتها الورقة فقد تمثلت في صور التعاون العسكري بين البلدين والذي يأخذ عدة صور تتمثل في مبيعات السلاح ونقل التكنولوجيا العسكرية، والمناورات والتدريبات العسكرية المشتركة، ويتضح ذلك من المعون الأمريكية العسكرية لمصر، وأكد الدكتور الزيات على أن مصر  تتلقى معظم تمويلات المعونة العسكرية الأمريكية من 3 حسابات، الأول صندوق التمويل العسكري الأجنبي المعروف بـ FMF وصناديق الدعم الاقتصادي ESF والمشروع الدولي للتعليم والتدريبIMET، وبخلاف ذلك تحصل مصر بصورة غير منتظمة على بعض المخصصات الصغيرة من صندوق مكافحة الإرهاب المعروف اختصاراً NADR وصندوق مكافحة المخدرات INCLA، كما أن مصر لم تعد ثاني أكبر متلقى للمعونات الأمريكية في العالم، فقد جاء ترتيب مصر خامساً في ميزانية المعونات الخارجية الأمريكية لعام 2012 بعد إسرائيل، ثم أفغانستان، ثم باكستان، ثم العراق، وأما عن التدريبات العسكرية كأحد صور التعاون بين البلدين، فقد أكد الدكتور الزيات على أن هذه التدريبات هي بمثابة تبادل الخبرات القتالية والتدريب المشترك وهي أحد أهم ثوابت العلاقات الدفاعية بين الطرفين المصري والأمريكي، وقد بدأت منذ العام 1994، وأما النقطة الثالثة التي ركزت عليها الورقة فقد تناولت أوجه استفادة البلدين من العلاقة العسكرية المشتركة، فقد ساعدت مصر الولايات المتحدة في تحقيق أهداف واشنطن الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط وقامت معها بالتنسيق المشترك في مجال مكافحة الإرهاب والتعاون المشترك في إدارة المناورات العسكرية في الشرق الأوسط، علاوة على السماح لطائراتها العسكرية بالتحليق في الأجواء العسكرية المصرية ومنحها تصريحات على وجه السرعة لمئات البوارج الحربية الأمريكية لعبور قناة السويس، واستطاعت مصر نتيجة هذه العلاقة ألا تدخل في حرب مع عدوتها إسرائيل لأكثر من 30 عاماً، وهو ما جعل الاقتصاد المصري يهتم بمتطلبات تنموية أخري غير الحرب. وعن أهم المشكلات في علاقة البلدين فقد تحدث عنها الدكتور الزيات حيث ذكر منها أن الولايات المتحدة تطالب مصر في الكثير من الأحيان بتغيير بعض سياساتها الداخلية لتتمشى مع المتغيرات والتهديدات الدولية التي طرأت على المنطقة مثل مكافحة الإرهاب، علاوة على اتهام الولايات المتحدة مصر بأنها لا تقدم ما يكفى لدعم العلاقات المشتركة معها بما يساوى ما تقدمه أمريكا من معونة مادية وعسكرية لمصر، ليس هذا فحسب بل هناك بعض القضايا التي تثار دائماً في الكونجرس الأمريكي عند مناقشة المساعدات العسكرية لمصر مثل مطالبة مصر بعلاقات أكثر انفتاحاً مع إسرائيل واتخاذ المزيد من الإجراءات لتأمين الحدود مع إسرائيل وغزة ومنع تهريب السلاح وحماية حرية الأديان للأقليات في مصر وخاصة الأقباط وضرورة العمل على تحقيق الإصلاح السياسي والأمني وتحقيق استقلال القضاء وغيرها من الملفات الأخرى التي  تسبب أحياناً توتراً في العلاقة بين البلدين، وعن مستقبل العلاقات بين البلدين فقد رأى الدكتور الزيات أنها خلال الفترة المقبلة لن تستمر كما هي، وخاصة أن نقاط التوتر قد تترك تأثيرها على العلاقات خلال الفترة القادمة، وعلى الرغم من هذا فمن المستبعد أن تقطع واشنطن المعونة العسكرية لمصر لأنها تساعد في تعزيز الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، كما أن التلويح بقطع المعونة الأمريكية لن يكون الأخير من نوعه  فدائماً ما تستخدمها الولايات المتحدة كورقة ضغط على مصر لتحقيق مصالحها السياسية، وأكد الدكتور الزيات أيضاً على أن الولايات المتحدة ستسعى خلال الفترة القادمة للتركيز على تكثيف الحوار الأمني المنتظم مع مصر بحيث يشمل كل من المسئولين العسكريين والمدنيين وذلك لصياغة المتطلبات الدفاعية خلال المرحلة الانتقالية مع التركيز على التهديدات والقدرات واتفاقيات الدفاع ودور الجيش في المجتمع، كما أن هناك اتجاهات لإعادة هيكلة المساعدات العسكرية من خلال خفض المبالغ المخصصة لشراء أسلحة ومعدات وزيادة المخصصات خصوصاً لبرامج التعليم والتدريب العسكري الدولية.

وأما الورقة الثانية فقد قدمها المستشار أشرف سويلم مستشار المجلس المصري للتنافسية وقد تناولت البعد السياسي للعلاقات المصرية – الأمريكية بعد ثورة 25 يناير 2011، وقد أوضح المستشار سويلم أن أهم ما يميز العلاقات قبل ثورة 25 يناير هو أن كل طرف كان يستطيع توقع مدى استعداد الطرف الآخر على تقديم شيء ما، وأن المحدد الرئيسي لتطور العلاقات بعد الثورة سيتعلق بالوضع الداخلي لمصر وبالتطورات والأحداث الإقليمية، وأن ثورات الربيع العربي من وجهة النظر الأمريكية لم تفرض إعادة تقييم لمنطلقات الأمن القومي أو أهدافه أو آلياته، وأن كل ما تغير هو الإطار الذي يتم من خلاله السعي لتحقيق هذه الأهداف، وقد أكد سويلم على أن ما كانت تريده مصر في العهد السابق من الولايات المتحدة –برغم نقاط الاتفاق أو الاختلاف –شديد الوضوح وهو دعم استمرار النظام الحاكم، وأضاف أن الولايات المتحدة قد استنتجت بعد الثورة أن هناك طرفين قادرين على استمرارية الصفقة وهما المؤسسة العسكرية والإخوان المسلمين، وأضاف سويلم أن الولايات المتحدة –نظراً لحالة السيولة السياسية في مصر-فتحت قناتين منفصلتين مع المؤسسة العسكرية والإخوان المسلمين.

وأضاف سويلم أن الإخوان المسلمين بالنسبة للولايات المتحدة تتمثل في لعب دور بناء في النظام الإقليمي بعد سقوط نظام الأسد وفي تحجيم دور السلفيين والجهاديين والجماعات الإسلامية الأخرى، وأكد على أن الولايات المتحدة نجحت في الاستفادة من القناتين معاً في تحقيق مصالحها، وأضاف سويلم أن تغير الأمور في مصر وتراجع شعبية حكم الإخوان قد أعطي للولايات المتحدة دوراً جديداً تمثل في الوساطة ما بين القوى السياسية الحاكمة والمعارضة، وشدد سويلم على ضرورة أن يكون هناك طرح جدي لمستقبل مصر داخلياً وخارجياً، وأن يكون للجانب المصري تصوراً واضحاً لإنهاء الاعتماد على المساعدات العسكرية والاقتصادية خلال فترة زمنية محددة، كما أن التزامات مصر الدولية يجب أن تشمل حقوق الإنسان والمرأة والطفل، وأن العلاقات يجب أن تتخطى العلاقات بين الحكومات لتشجيع الروابط بين رجال الأعمال ورجال الدين والبرلمانيين والحقوقيين وأيضاً لتبادل الطلاب، خاصة أن الرأي العام المصري –وبغض النظر عمن يكون في الحكم –أصبح طرفاً رئيسياً في معادلة القوة في مصر وهذا لن ينعكس فقط على الوضع الداخلي في مصر وإنما أيضاً على علاقاتها الخارجية.

وأكد سويلم أن الولايات المتحدة قد أساءت التقدير بأن الإخوان المسلمين سيصلون بمصر إلى الاستقرار، وأرجع عدم حدوث هذا الأمر لسببين: أولهما، عدم كفاءة الإخوان، وثانيهما، تغير الشعب المصري فلم يعد سهل القيادة.

وقد دار النقاش في هذه الجلسة حول عدد من النقاط من أهمها:

1-    أن علاقة مصر مع الولايات المتحدة تحد من دور مصر في المنطقة، ولكي تستعيد مصر هذا الدور لابد من إعادة النظر في هذه العلاقة.

2-    أن جوهر العلاقات المصرية –الأمريكية هو أمنى عسكري مخابراتي، وتساءل عن كيفية تلقي بعض ضباط الجيش المصري للتدريبات العسكرية في الولايات المتحدة في ظل أن التلقين العسكري للجيش المصري هو أن العدو الأول هو إسرائيل.

3-     أن هناك سقفاً تكنولوجياً لا تتخطاه مصر في مساعدات الولايات المتحدة العسكرية لها وذلك لرغبة أمريكا في الاحتفاظ بالتفوق النوعي لإسرائيل.

4-     أن السياسة الأمريكية تعرف ما الذي تريده من مصر في حين تغيب هذه الرؤية الاستراتيجية عن الجانب المصري، وشدد على ضرورة الاتفاق الداخلي حول ما يحقق مصالح مصر من هذه العلاقات قبل فتح الملف مع الولايات المتحدة بشأنه.

 

 

ثالثاً: العلاقات الاقتصادية والمساعدات الأمريكية

وأما الجلسة الثالثة فقد جاءت تحت عنوان "العلاقات الاقتصادية والمساعدات الأمريكية"، وقدمت فيها ورقتان: تطرقت الأولى إلى ضرورة انتقال العلاقة من علاقة مساعدات إلى علاقة تبادل تجاري في صالح البلدين معاً، أمّا الورقة الثانية فركزت على واقع المساعدات الثنائية مع طرح عدد من التساؤلات الجادة والحاسمة لاستمرارية المساعدات من عدمه وأفضل الأطر التي يجب أن تستمر من خلاله.

وأما ورقة الدكتور ماجدة شاهين فقد جاءت تحت عنوان "ورقة سياسات حول المساعدات الأمريكية لمصر"، وقد طرحت الورقة مجموعة من الأسئلة من بينها: ما هي المصالح التي تعود على مصر من علاقتها مع الولايات المتحدة؟ ما هي المزايا التي تعود على مصر من المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها لها الولايات المتحدة؟ وهل تقتضي ضرورة أن تتوافق المصالح المصرية مع نظيرتها الأمريكية؟، هل تعد المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة بمثابة الضامن لاستمرار معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية؟، ما هي المصالح التي تقدمها مصر للولايات المتحدة في ظل القوة والتفوق التي تتمتع بها إسرائيل في المنطقة؟، وفى ظل الوضع غير المستقر في مصر ما الذي يمكن أن يقدمه نظام الإخوان المسلمين للمصالح الأمريكية، وماذا يمكن للولايات المتحدة أن تقدمه لهذا النظام؟

وقد أوضحت الورقة أن الولايات المتحدة مازالت تعانى من صعوبة فهم الواقع المصري منذ رحيل نظام مبارك، حيث أن نظام الإخوان المسلمين هو نظام غير معروف ولا يمكن التنبؤ بخطواته؛ وهذا ما يعقد العلاقات بين الطرفين بسبب غياب الفهم المتبادل بينهما، وفى هذا الإطار فإن المساعدات الأمريكية تعد عنصراً هاماً في هذه العلاقة لا يمكن إغفاله، هذا على الرغم من أنها ليست هدفاً في حد ذاتها، بل أنها إحدى وسائل السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه مصر، علاوة علي أنه على الرغم من عدم الضرورة القصوى التي تمثلها المعونة الأمريكية اقتصادياً، إلا أنه لا يمكن تجاهل أثرها السياسي، ولهذا فإنه يُنصح بعدم المبالغة في أن مصر سوف تتخلى عن هذه المعونة أو أنها سوف تقطع العلاقات مع الولايات المتحدة وسوف تبحث عن بدائل أخرى.

وشددت الورقة على ضرورة تفهم أن المساعدات الأمريكية لمصر قد أتت في سياق معين وهو اتفاقيات كامب ديفيد، وأن هذه المساعدات الأمريكية لمصر هي بمثابة المرآة العاكسة لطبيعة العلاقات بين البلدين.

أما الورقة الثانية فقدمتها الدكتورة أمنية حلمي وجاءت تحت عنوان "مصر – الولايات المتحدة: التحول الناعم من المساعدات إلى التجارة"، بدأت الورقة بمقدمة استعرضت فيها الوضع غير المستقر في مصر منذ قيام ثورة 25 يناير 2011، من وضع سياسي غير مستقر، ووضع اقتصادي وأمنى متردي، وسط بيئة غير ملائمة للتنمية، ومؤسسات تحتاج لإعادة هيكلة.

وقد انطلقت الورقة من فرضية أن تدعيم العلاقات التجارية والاستثمارية بين مصر والولايات المتحدة سوف يساعد مصر في عملية التحول الديمقراطي وعملية التنمية، وفي إطار تناول الورقة لهذه الفرضية تم تقسيمها لثلاثة أجزاء:

1-    أما الجزء الأول فقد تحدثت فيه الورقة عن التقييم للوضع الحالي من العلاقات التجارية والاستثمارية بين مصر والولايات المتحدة، وتناولت فيه المعونة الأمريكية المقدمة لمصر والتي تبلغ ذروتها في أوقات الانتعاش الاقتصادي الأمريكي وتنخفض في حالة حدوث أزمات اقتصادية داخلية في الولايات المتحدة، وأضافت الورقة أن الولايات المتحدة تعد الشريك التجاري الأول لمصر وثاني أكبر مستثمر فيها، ولكن على الرغم من ذلك فقد تقلصت الصادرات والواردات المصرية من وإلى الولايات المتحدة، فقد انخفضت الصادرات الموجهة للولايات المتحدة من 31% إلي 13% وانخفضت الواردات من 22% إلي 12% في الفترة بين 2006-2007/2010-2011، وقد بلغت قيمة الواردات المصرية من الولايات المتحدة في عام 2011 حوالى 6.2 بليون دولار، وقيمة الصادرات بلغت 4.1 بليون دولار لنفس العام، ويعد القمح والذرة من أهم الواردات المصرية من الولايات المتحدة حيث يشكلان ما نسبته 24% من إجمالي الواردات من الولايات المتحدة، وأما عن أهم الصادرات فتتمثل في المنسوجات والملابس حيث يشكلان ما نسبته 43% من إجمالي الصادرات المصرية للولايات المتحدة، وتشغل مصر حالياً المركز رقم 53 للشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وفى عام 2011 كانت مصر هي المتلقي الأكبر للاستثمارات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث بلغت قيمة الاستثمارات حوالي 14.581 بليون دولار، تركزت بصورة أساسية في مجال النفط والغاز الطبيعي.

2-    وأما الجزء الثاني من الورقة فقد استعرض الاتجاه نحو علاقات تجارية واستثمارية قوية بين الولايات المتحدة ومصر، تحدث فيها عن الأوضاع الاقتصادية المتردية، وضعف أداء مؤسسات الدولة، والعوائق التي تقف في وجه نمو الاستثمارات، حيث تضافرت أمور عدة من بينها الوضع السياسي غير المستقر منذ قيام ثورة يناير، بالإضافة إلى الوضع غير المستقر للاقتصاد العالمي، كلها أمور أثرت سلباً على الوضع الاقتصادي المصري وعلى جودة المؤسسات وأدائها، الأمر الذي أثر بالسلب على العلاقات المصرية الأمريكية، حيث تناقص الناتج المحلى الإجمالي المصري، وارتفعت معدلات البطالة بنسبة 13% في ديسمبر 2012 مقارنة بـ 9% في ديسمبر 2010، هذا بالإضافة إلي ارتفاع عجز الموازنة بمقدار 11% عام 2011/2012 مقارنة بـ 8.1% عام 2009/2010، وارتفع الدين المحلي الداخلي ليشكل نسبة 80.3% من إجمالي الناتج المحلى الإجمالي عام2011/2012 مقارنة بـ 73.6% عام 2009/2010، وقد انخفض النقد الأجنبي من 35.6 بليون دولار في ديسمبر عام 2010 ليصل إلى 13.6 بليون دولار في فبراير 2013، الأمر الذي أدي إلي انخفاض قيمة الجنيه في مقابل الدولار، وكلها أمور تواترت مع ضعف أداء المؤسسات العامة مما أدي إلى وجود مناخ غير ملائم للاستثمار.

3-    وأما الجزء الثالث من الورقة فقد تحدث عن السياسات التي يمكن أن تدعم العلاقات المصرية الأمريكية انطلاقاً من أن السياسات الأمريكية يمكن أن تشكل فرصاً أو عوائق أمام النمو الاقتصادي المصري، وتحدثت الورقة في هذا الجزء عن الأطر العامة الحاكمة للعلاقات الاقتصادية بين الطرفين، ويأتي في مقدمتها: النظام الشامل للأفضليات التجارية (GSP) وهو نظام تتيحه الولايات المتحدة لمصر حيث تعفي بعض السلع المصدرة إليها من مصر من الرسوم الجمركية، وتعد مصر هي ثاني أكبر دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (بعد تونس) تستفيد من هذا النظام، وقد بلغت قيمة السلع المصرية المصدرة للولايات المتحدة والتي تتمتع بالمزايا التي يتيحها هذا النظام حوالى 37 مليون دولار في عام 2011، وعلى الرغم من ذلك فإن استفادة مصر من هذا النظام ما تزال في حدها الأدنى، وهناك أيضاً البرنامج التفضيلي للمناطق الصناعية أو اتفاقية الكويز (QIZs) وهو نظام يتيح إعفاء من الرسوم الجمركية على السلع المصرية التي تحتوى على مكونات إسرائيلية قدرها 10.5% من المنتج المصدر للولايات المتحدة، ولقد ارتفع إجمالي العائد من السلع المصدرة الخاضعة لهذا النظام من 266 مليون دولار عام 2005 ليصل لمليار دولار عام 2011، وتشغل الملابس الجاهزة والمنسوجات النسبة الأكبر من السلع التي تتمتع بهذا النظام حيث تشكل حوالى 90% من إجمالي هذه السلع، وقد تحدثت الورقة أيضاً عن إمكانية، بل وضرورة إقامة منطقة تجارة حرة بين الولايات المتحدة ومصر، وأن يتم التفاوض بشأنها في أقرب وقت ممكن على الرغم من أنها تدخل في اطار السياسات طويلة المدى، حيث أنها سوف تعود بالنفع على كلا الطرفين، حيث ستساعد مصر في تنمية اقتصادها، وتوفر فرص عمل للشباب، كما أنها يمكن أن تتيح العديد من المصالح للولايات المتحدة.

واختتمت ورشة العمل بمجموعة من التوصيات أهمها:

1-    أهمية إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين مصر والولايات المتحدة والنظر إليها في كليتها، وأهمية حسن إدارة التوتر أو بمعنى آخر ضبط التوتر في هذه العلاقة والذي قد ينشأ من وقت لآخر.

2-    ضرورة تحديد طبيعة العلاقة بين مصر والولايات المتحدة، وهل هي علاقة حلفاء أم شركاء أم فرقاء، وأن يعاد التفكير في شكل وطبيعة هذه العلاقة في ضوء المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، وأن تعمل مصر على استعادة التوازن الإقليمي في المنطقة والذي يعطي لها ثقلاً في علاقتها مع الولايات المتحدة، هذا بالإضافة إلى ضرورة وجود إجماع وطني حول السياسة الخارجية المصرية تجاه الولايات المتحدة.

3-    ضرورة تنويع مصر علاقتها الخارجية، وأن تقيم علاقات متوازنة وجاذبة مع مختلف الأقطاب لتحقيق مصالحها، وعدم الاعتماد فقط على علاقاتها مع الولايات المتحدة.

4-    ضرورة أن يُدار الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة بأكبر قدر من الجدية، وأن يشمل ممثلين عن جميع مؤسسات الدولة، وألا تقتصر هذه العلاقات على الحكومات فقط، بل تمتد لمستويات أخري لتشجيع الروابط بين رجال الأعمال ورجال الدين والبرلمانيين والحقوقيين أيضاً، وأن ينظر لطبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية عند تقييم العلاقات المصرية الأمريكية، وأن تعلن مصر بصورة واضحة عن مصالحها وثوابتها الاستراتيجية التي تريد تحقيقها من هذه العلاقات.

5-    ضرورة حسم الجدل حول المساعدات الأمريكية المقدمة لمصر، وألا أن يثار الملف من آن لآخر، وأن حسمه هذا لابد أن يعتمد على الدراسات المكثفة، وأن تقدم التبريرات التي تؤيد الموقف الذي سيتم تبنيه، إما الاستمرار في تلقي هذه المساعدات أو رفضها.

6-    أهمية شفافية وإتاحة المعلومات المتعلقة بميزانية الإنفاق العسكري وإعادة هيكلة المساعدات ومتابعة وتقييم مدى الاستفادة منها، الأمر الذي يتحتم معه التعرف على حجم المساعدات ومداها على وجه الدقة.

7-    ضرورة إجراء دراسة تكميلية لمعرفة ما إذا كانت المعونة العسكرية الأمريكية لمصر تراكمية الأثر بمعنى أنها جعلت الجيش المصري من الدرجة الأولى أم الثانية وما هي قدراته التسليحية الحقيقية من الناحيتين الهجومية والدفاعية مع الأخذ في الاعتبار تزايد الفارق بين التكنولوجيا المقدمة لإسرائيل وتلك المقدمة لمصر.

8-    ضرورة إعادة التفكير في النفوذ المصري في العلاقات المصرية – الأمريكية والعمل على تقوية هذا الدور والنفوذ، وأن تمتلك مصر بعض الأوراق التي تمكنها من أن تكون فاعلاً في العلاقة لا أن تكون مفعول به دائماً.

9-    أهمية التفكير الجدي في إقامة منطقة تجارة حرة بين الولايات المتحدة ومصر، وأن تعمل مصر على تحقيق وضع اقتصادي مستقر، وأن هذا الهدف يتطلب العمل في مسارين: الأول قصير الأجل يركز على إصلاح القطاع المصرفي، وإعادة إحياء دور القطاع الخاص، والعمل على زيادة الاحتياطي الأجنبي. وأما المسار طويل الأجل لابد وأن يركز على اتخاذ سياسات هيكلية من شأنها إزالة معوقات التنمية الشاملة، ويكون من بينها إصلاح الأسواق وتحقيق التناغم بين ما يطلبه السوق والمخرج التعليمي، والعمل على تقوية المؤسسات الرقابية والمحاسبية، وتهيئة الأوضاع لجذب الاستثمارات، وكلها إجراءات تمكن مصر من أن تكون ندا قويا في العلاقات مع الولايات المتحدة.

 

تعليقات القراء