جوانب قانونية في موضوع السد الإثيوبي

الثلاثاء, أبريل 1, 2014
الكاتب: 
 

لعله من الواجب أن نتناول – بدقة وموضوعية – بعض الجوانب القانونية المتعلقة ببناء سد النهضة الإثيوبي، في ظل التطورات الأخيرة، خاصة بعد توقيع غالبية دول حوض النيل إطاراً عاماً للتعاون بينها (إطار عنتيبي) عام ٢٠٠٧ من ناحية، وبدء الخطوات التنفيذية من جانب إثيوبيا لبناء السد، الذي نُفِّذ حتى الآن أكثر من 3٠% من متطلباته، من ناحية أخرى:

تطور الأوضاع القانونية لعلاقات مصر بدول حوض النيل:

ترتكز السياسة المائية المصرية في أحد محاورها على توطيد علاقات التعاون مع باقي دول حوض النيل (١٠ دول: أوغندا- إثيوبيا- السودان- الكونغو- بوروندي- تنزانيا- رواندا- كينيا- إريتريا- جنوب السودان)، على أساس من الإيمان بضرورة تنمية موارد وطاقات النهر المائية والعمل على حسن إدارتها.

وهي تستند أيضاً إلى الحرص على عدم المساس بحقوق مصر التاريخية في مياه النيل، وفقاً للاتفاقيات الدولية، ومبادئ القانون الدولي، والأعراف الدولية.

كذلك فإن لمصر حقاً طبيعياً في الحصول على المزيد من إيرادات النهر، من خلال تنفيذ حزمة من مشروعات مائية طموحة طرحتها منذ عام ١٩٩٩، في إطار مبادرة حوض النيل التي ساندها فيها المجتمع الدولي تحت مظلة الفائدة المشتركة.

وقد أبرمت مصر مجموعة من الاتفاقيات الخاصة بمياه النيل مع عدد من الدول الاستعمارية التي كانت تحتل أو تقوم بحماية أو إدارة شؤون بعض دول حوض النيل نيابة عن هذه الدول الأخيرة، وتضمنت هذه الاتفاقيات نصوصاً صريحة حول عدم إقامة أي مشروعات على مجرى النهر أو فروعه تقلل من نسبة تدفق المياه، أو تؤثر على كمية المياه الواردة إلى مصر.

جدوى الدراسات القانونية المتعمقة المساندة لحقوق مصر:

لا بد أن يكون واضحاً أنه بغض النظر عن وسيلة التسوية التي يمكن الاتفاق على اللجوء إليها، فإن الخلفية الأساسية لهذه الوسيلة التي تدعم بقوة الموقف المصري هي بلا شك مجموعة القواعد القانونية الخاصة بالأنهار الدولية، واتفاقيات وقرارات الأمم المتحدة، وأحكام القضاء الدولي، والسوابق الدولية في المعاملات الدولية الثنائية والجماعية، فضلاً –بطبيعة الحال– عن الاتفاقيات الثنائية التي أبرمتها مصر مع دول حوض النيل.

ونجاح أي وسيلة تسوية سلمية في تحقيق الغرض منها، وحل النزاعات مرهون بصفة خاصة بمدى قدرة مصر على تقديم الحجج القانونية القوية المقنعة، التي لا تقبل جدلاً أو تشكيكاً، ولا يجب أن نلتفت لما يدعيه البعض عادة أن القانون الدولي لم تعد له قيمته في مجتمع القوة الذى يسود العلاقات الدولية، أو أن القانون الدولي ليست له وسائل لتفعيله، أو ضمان تنفيذ أحكامه أو إلزام الآخرين به، ذلك أنه من الثابت أن أي طرف يكون في موقف أفضل وأقوى عندما يستند فيما يطرحه لحكم القانون، وعندما يربط حقوقه ومصالحه بقواعد قانونية تدعمها وتؤكدها، وعليه لا يجب أن نغفل قيمة الأحكام القانونية في كل الأحوال:

-     ففي حالة الحوار التفاوضي: أيهما أنفع أو أجدى، أن يتم ذلك في ظل الاستناد لأحكام قانونية قاطعة تؤكد صحة ما نطالب به؟ أو أن يتم ذلك في إطار كلام عام دون هذا السند القانوني؟

-     وفى حالة توتر النزاع واستمراره نتيجة فشل التسوية الودية –وهذا ما يجب أن نتجنبه وألّا نصل إليه بأي حال– ففي مثل هذه الحالة قد نلجأ إلى التحكيم الدولي أو القضاء الدولي (إذا تحققت موافقة الطرف الآخر في النزاع على اللجوء إلى أي من الوسيلتين)، وهنا أيضا فإننا نكون في أمس الحاجة إلى الأسانيد القانونية، التي تؤكد حقوقنا، باعتبار أن النزاع سيتم البت فيه من خلال هيئات مستقلة تعتمد على حكم القانون دون غيره.

التعاون المشترك بين دول حوض النيل:

من الضروري لفت النظر إلى أن أي حديث عن حكم القانون، وعن وسائل التسوية لا بد أن يوازيه، ويلتقي معه ويدعمه إيمان حقيقي بأهمية التعاون مع دول حوض النيل، جماعات وفرادى، بما يراعى حقوق الجميع، ويحقق مصالحهم.

وإذا كنا نتحدث كثيراً عن قيمة الانفتاح على أفريقيا، فإن اتخاذ خطوات سريعة وفعالة للتعاون المشترك مع دول حوض النيل أصبح حتمياً.

ليكن حديثنا لأشقائنا في دول حوض النيل: تعالوا نُعلِ روح الحوار من أجل التعاون. تعالوا نبحث مشروعات للتنمية المشتركة، ونحن على أتم الاستعداد لتقديم كل صور المساعدات الفنية. تعالوا ننفذ أفكار التكامل، التي تفيدنا جميعاً. تعالوا نبحث معاً كيف ننقذ ما يهدر من مياه النيل لمصلحتكم ومصلحتنا، وكيف نزيد مصادر الطاقة، وكيف نزيل أخطار بناء السد، سواء في سنوات البناء أو بعد إتمامه.

وعلينا في مصر أن نعمل على تكثيف التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات المصرية مع دول حوض النيل، وعلينا أن نركز الاتصالات مع الدول المانحة والبنك الدولي والدول المستفيدة، للتأكيد على رعاية مصالح الجميع، والبحث عن تمويل مشروعات التنمية دون إضرار بأحد.

وعلينا كذلك تكثيف الجهود الدبلوماسية والشعبية –على مختلف المستويات– مع إثيوبيا، والتواصل المستمر معها في مناقشة الجوانب الفنية والهندسية المترتبة على بناء السد، ووسائل تفادى الآثار الضارة على دول المصب، ولا بد أن نحرص على التنسيق المستمر بين مصر والسودان، لضمان موقف موحد، مع ضرورة تكثيف التعاون مع دولة جنوب السودان بعد أن أعلنت انضمامها لاتفاقية عنتيبي.

ولا بد من التحذير من خطورة النبرة الإعلامية الحادة، أو نشر أو بث أي مادة إعلامية تثير حفيظة دول حوض النيل، وعلينا أن نفكر جدياً في فتح صفحة جديدة مع إثيوبيا تقوم على تبادل المصالح، بل يمكن أن ندرس جدوى القيام بدور يخفف من حدة توتر العلاقات بينها وبين إريتريا وتقديم الخبرات الفنية لها.

بل علينا أن نتذكر أن إثيوبيا دولة مغلقة (Landlocked State) لا تطل على بحار، ويمكننا أن ندرس خلق منافذ بحرية لها على شواطئنا، إذا وجدنا استجابة منها لملاحظاتنا وطلباتنا حول الاتفاقية الإطارية والنتائج والآثار المترتبة على بناء "سد النهضة".

والقضية –بمختلف أبعادها– ذات أهمية قصوى، وهي جديرة بأن تكون على رأس قائمة أولوياتنا، وألا ندخر جهدا في سبيل حلها، استنادا لحقوقنا وبما يحفظ مصالحنا، لأنها قضية أمن قومي، كما أنها في حاجة لكل فكر وخبرة، تجنبا للتداعيات السلبية، التي ستترتب على إنشاء السد. أليست "مصر هبة النيل" كما قال "هيرودوت".



* أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة.

 

تعليقات القراء