تهديدات القاعدة في شمال أفريقيا

الأثنين, سبتمبر 1, 2014

بدأت القاعدة في زيادة نفوذها وعملياتها الإرهابية بأفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وذلك مع بدايات الربيع العربي، وأصبحت مصدر للصراع وعدم الاستقرار بالمنطقة. وعلى الرغم من أنه في السنوات الأخيرة أصبحت تنظيمات القاعدة محلية ومقسمة لوحدات صغيرة غير متصلة بشبكة دولية تربطها ببعضها البعض وذلك عقب الغزو الأمريكي لأفغانستان العراق، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه التنظيمات المحلية لديها القدرة على التواصل والتأثير على بعضها البعض. وفي هذا الإطار أصدر معهد الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية التركي (ORSAM) تقريراً بعنوان "تهديدات القاعدة في شمال أفريقيا"[1]، تناول أماكن انتشار تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا والعمليات الإرهابية التي نفذها والأسباب التي أدت إلى تزايد أنشطة التنظيم في الفترة الأخيرة.

تواجد القاعدة بشمال أفريقيا:

برز تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي وكثف من أنشطته مع تغير موازين القوى بالمنطقة بعد الربيع العربي، فقبل الربيع العربي كانت القاعدة تعرف بأنشطتها المتمثلة في اختطاف واحتجاز الرهائن الأجانب، كان أبرزها احتجاز ضابط الأمم المتحدة في نيجريا عام 2008. احتل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي صدارة الأحداث مرة أخرى بعد خطف دبلوماسي جزائري في مالي عام 2011، واحتمال تورطها في الهجوم على القنصلية الأمريكية في ليبيا في مايو 2012 والتي أسفرت عن مقتل السفير "كريس ستيفينز"، ويتهم تنظيم القاعدة أيضاً بالهجوم على مكتب الصليب الأحمر في بنغازي وقافلة للأمم المتحدة والبعثة الأمريكية، ويؤكد ذلك أن تلك الهجمات جاءت بعد مقتل أبو يحي الليبي في باكستان، ودعوة زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري للانتقام، وإعلان كتائب عمر عبد الرحمن مسئوليتها عن الهجوم على مكتب الصليب الأحمر في بنغازي.

ليبيا وتنظيمات القاعدة بشمال أفريقيا:

تعتبر ليبيا قاعدة أساسية لتنظيمات القاعدة التي ترتكز أنشطتها بصفة أساسية في شمال أفريقيا، وذلك للأسباب التالية:

1- أصبحت ليبيا ملاذا أمناً لتنظيمات القاعدة حيث يتواجد بها حوالي 125 ألف فرد مسلح بالإضافة إلى فشل برنامج نزع السلاح من الأفراد.

2- ليس لدى ليبيا حكومة مركزية قوية وجيش قوي محترف فضلاً عن عدم بناء جهاز بيروقراطي قوي.

3- استفادة القاعدة من حالة عدم الاستقرار في ليبيا بإنشاء معسكرات للتدريب وجمع الأسلحة وتجنيد المسلحين وتوسيع شبكاتها.

4- انهيار الدولة في ليبيا ودخول الأطراف في حرب أهلية، وقيام الميليشيات والعائلات القوية بمهمة توفير الأمن، فضلا عن أن المطالبات بالفيدرالية تهدد الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار ووحدة الأراضي الليبية.

أصبحت الميليشيات المسلحة التي اكتسبت خبرة من خلال مشاركاتها في الحرب الأهلية الليبية مورداً هاماً للقاعدة، فبعد الحرب الأهلية وقف عدد كبير من هذه الميليشيات بجانب القاعدة والتي أصبحت تمتلك السلطة الفعلية بمنطقة برقة في شرق ليبيا، فهناك أنصار الشريعة في ليبيا التي يقودها "أبو سفيان بن قمو" المعتقل السابق في جوانتانامو، وعلى الرغم من أن أنصار الشريعة لم تعلن انتماءها لتنظيم القاعدة إلا أن خطاباتها وممارساتها ومواقفها السياسية تتطابق مع القاعدة، هناك أيضاً كتائب عمر عبد الرحمن التي تبنت الهجوم على القنصلية الأمريكية في ليبيا وغيرها من الجماعات المسلحة ذات الصلة بالقاعدة، وبعد التطورات الأخيرة في سوريا والعراق أعلنت بعض الجماعات في ليبيا انضمامها لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام داعش، فعلى سبيل المثال أعلنت كتائب البتار انضمامها لداعش وأنها ستشكل جبهة في ليبيا أيضاً.

تنظيم القاعدة ودول الجوار الليبي:

منذ أن أصبحت ليبيا ملاذًا أمنًا للقاعدة والتنظيمات المتعلقة بها، بدأت تلك التنظيمات في زيادة نشاطاتها في دول أفريقية أخرى خاصة دول الجوار الليبي، حيث بدأت التنظيمات المرتبطة بالقاعدة في مد عملياتها من ليبيا إلى الدول المجاورة مثل مالي ونيجريا، وأدى إنشاء تحالف بين القاعدة وقبائل الطوارق إلى إضعاف الحكومة المركزية في بعض المناطق من مالي وهو ما ظهر أثناء الحرب الأهلية المالية في عام 2012.

كما أن هناك زيادة كبيرة في أنشطة الميليشيات المسلحة في الدول الأفريقية جنوب الصحراء، وذلك بسبب عودة الماليين والنيجيريين والتشاديين الذين فروا من الحرب الأهلية الليبية عام 2011 إلى بلادهم مما كان له أثر كبير على الهياكل الاقتصادية والاجتماعية لهذه الدول، فهؤلاء المواطنون كانوا يعملون في ليبيا الأمر الذي خفف من مشكلة البطالة بتلك الدول، فضلاً عن المنافع الاقتصادية الناجمة عن إرسال العديد من العمال مرتباتهم لعائلاتهم بالوطن الأم، وقد أدى انتشار الأسلحة على طول الحدود الليبية إلى تهديد الاستقرار السياسي والأمني في تلك الدول، ومن ثم فإن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجد بيئة مناسبة له في جنوب الصحراء بالإضافة إلى دول شمال أفريقيا.

تنظيم القاعدة في تونس:

اخترقت الجماعات المرتبطة بالقاعدة تونس في فترة ما بعد 2011، وأصبحت عملية التأمين والتحكم بالحدود التونسية الليبية صعبة جداً نتيجة للصراع الدائر على السلطة وضعف الحكومة في ليبيا، وبالتالي أصبح من السهل على التنظيمات المرتبطة بالقاعدة عبور الحدود التونسية لتنفيذ عمليات عنف في تونس. ويلاحظ أن تونس مثل بقية الدول الأخرى التي تمر بعملية تحول ليس لديها القدرة على ملأ الفراغ السلطوي الذي حدث بسبب مرحلة التحول عقب الربيع العربي، وقد أدى هذا الفراغ في القوة والسلطة بالإضافة إلى زيادة معدلات الفقر والبطالة إلى خلق البيئة المناسبة للتطرف والعنف، وهو ما أعطى فرصة للجماعات المرتبطة بالقاعدة لزيادة أنشطتها في المناطق الريفية التونسية، حيث بدأت تلك الجماعات في القيام بعدد من المهام الأساسية للدولة مثل تقديم الخدمات الاجتماعية بالمستشفيات والمدارس، كما أن تلك الجماعات تقوم ببعض الأنشطة الاقتصادية مثل السيطرة على عمليات التهريب والتجارة في تلك المناطق.

وقد انعكست تلك التطورات على الواقع التونسي، حيث شهدت تونس اغتيالات سياسية وتزايد في معدلات العنف، مثل الهجوم على الجامعات والمقاهي والمطاعم التي تقدم الخمور وفرض الالتزام بالحجاب، الأمر الذي خلق أزمة سياسية في تونس وتوجيه انتقادات شديدة لحكومة حركة النهضة الإسلامية. لكن بعد الهجوم على أقسام الشرطة ومقرات الأحزاب العلمانية واليسارية بالإضافة إلى اغتيال قيادات معارضة مثل شكري بلعيد ومحمد الإبراهيمي، قررت حكومة النهضة تبني سياسة أمنية بدلًا من سياسة الإدانة مع المفاوضات، وقد ترتب على هذا التغيير القيام بعمليات واسعة النطاق ضد الجماعات المرتبطة بالقاعدة والمنظمات السلفية العنيفة في تونس.

يعتبر تنظيم أنصار الشريعة في تونس أحد أبرز الجماعات المرتبطة بالقاعدة، حيث نُسب الهجوم على السفارة الأمريكية في تونس في سبتمبر 2012 إلى أبو إياد (سيف الله بن حسين) زعيم تنظيم أنصار الشريعة في تونس، وبعد وفاة عضوين من أعضاء أنصار الشريعة في تونس بالسجن توعد التنظيم بمحاربة حركة النهضة وإسقاطها، وبالإضافة إلى ذلك ألقى أبو إياد خطاباً في يونيو 2014 دعا فيه تنظيم داعش وكل الجهاديين إلى التوحد معاً، وقد صرح وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو في يونيو 2014 أن هناك حوالي أكثر من 2400 تونسي يقاتلون في سوريا عاد منهم حوالي 400 تونسي وهو ما يثير المخاوف من احتمالية ممارستهم لأنشطة عدائية في تونس وما لذلك من تأثير على الأمن والاستقرار وقضايا الإرهاب في تونس.

وفي الختام يمكن القول إن أنشطة الجماعات المرتبطة بالقاعدة في شمال أفريقيا وبصفة خاصة في ليبيا وتونس باتت تمثل تهديداً إقليمياً خطيراً، خاصة بعد التطورات الأخيرة في سوريا والعراق، أن عمليات التحول في دول شمال أفريقيا أثرت سلباً على قدرة تلك الدول في ضبط الحدود وهو ما سهل من عملية تدفق الأسلحة وانتقال التنظيمات الإرهابية من ليبيا إلى دول الجوار، يوفر الوضع بشمال أفريقيا ظروف مناسبة للتنظيمات المرتبطة بالقاعدة لكي تمدد أنشطتها بأفريقيا، وفي حال تدهور الأوضاع الأمنية بشمال أفريقيا خاصة في ليبيا قد يكون من المحتمل حدوث تدخلات خارجية لاحتواء تداعيات انتشار الجماعات المتطرفة في تلك المنطقة.

 

[1] Nebahat Tanrıverdi O Yasar, Al-Qaeda Threat in North Africa, Center For Middle Eastern Strategic Studies, 16 July 2014, available at: http://www.orsam.org.tr/en/showArticle.aspx?ID=2668

 

تعليقات القراء