وسائل البقاء: آليات تنظيم "داعش" لمواجهة الانحسار

الأثنين, أبريل 1, 2019
الكاتب: 

وسائل البقاء: آليات تنظيم "داعش" لمواجهة الانحسار

يعد تنظيم "داعش"، حالة فريدة في أوساط التنظيمات الإرهابية، نظراً لما يتمتع به من قدرات وإمكانيات عالية، لم تتوافر لتنظيم من قبل، حتى تنظيم القاعدة، الذي كان يوصف بأنه التنظيم العابر للقارات، حيث تمكن التنظيم من خلق منظومة فكرية تتمتع بقدر كبير من الجاذبية، مقارنة بغيرها من الأفكار المتطرفة، مما مكنه من الإقدام على الخطوة الأكثر جرأة، وهي الإعلان عن "الخلافة" وتنصيب "أبو بكر البغدادي" "خليفة" للدولة المزعومة، وذلك عقب سيطرته على مدينة "الموصل" العراقية في يونيو 2014.

وهو ما جعله محط أنظار المتطرفين والمتشددين حول العالم، لأنه بتلك الخطوة، قد مس وتراً حساساً لديهم، نظرا لقدسية مفهوم "الخلافة" عندهم، وهذا ما دفع الآلاف من المتطرفين من مناطق مختلفة من العالم للانضمام له، مما ساعد التنظيم على التمدد والانتشار خارجياً على نطاق واسع، وأسهم في صعوبة السيطرة عليه، ومواجهاته بشكل فعال.

حيث تمكن تنظيم "داعش" خلال سنوات قليلة، من التحول من مجرد "تنظيم" فى العراق وسوريا، إلى "كيان تنظيمي" كبير منتشر حول العالم، سواء على شكل أفراد أو جماعات، وهذا ما سمح له بأن يكون صاحب "الأذرع الطويلة" حول العالم، مما مكنه من شن هجمات إرهابية في مناطق متفرقة من العالم، لم يكن بمقدوره الوصول إليها، وهذا الانتشار هو ما جعل هيكله التنظيمي في العراق وسوريا، رغم كونه "المعقل" و"دار الخلافة" بالنسبة لمؤيديه، مجرد جزء من "المظلة الداعشية".

وفى ظل التطورات المتلاحقة خاصة الحرب على التنظيم، والتي أدت إلى سقوط كل معاقله فى سوريا والعراق، صار يطرح تساؤلاً هاماً حول أهم الآليات التي يعتمد عليها التنظيم لمواجهة حالة التراجع والانحسار التي يواجهها، وهنا يجب التفريق بين الآليات التي يعتمد عليها بقايا وفلول داعش خاصة داخل العراق، وبين تلك التي يعتمد عليها خارجياً، ليس فقط للبقاء على قيد الحياة، وإنما أيضاً للتمدد والانتشار.

أولاً: الآليات الداخلية:

رغم ما تعرض له تنظيم داعش الأم من هزائم عسكرية فى كل من العراق وسوريا، جعلته يفقد كل المناطق التي كان يسيطر عليها، ألا أنه لا زال يعتمد على مجموعة من الآليات التي تسمح له بالتواجد في المشهد وممارسة نشاطه الإرهابي، لاسيما وانه تم القضاء عليه تنظيمياً وليس فكرياً، ويمكن تحديد أبرز تلك الآليات في النقاط التالية:

القدرة على شن الهجمات: من الآليات الهامة التي يمكن أن يعتمد عليها "داعش" في الإبقاء على تواجده وتمدده، هي القدرة على الاستمرار في شن الهجمات الإرهابية بأشكالها المختلفة، لاسيما وأنه يمتلك العناصر البشرية القادرة على شن تلك الهجمات، وهو ما ظهر خلال العمليات الانتحارية والانغماسية التي اعتمد عليها التنظيم خلال المواجهات مع قوات سوريا الديمقراطية والتي أدت لسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، على غرار الهجوم الانتحاري بسيارة مفخخة وسط مدينة القامشلي، في 18 يونيو 2019، والذى كان يستهدف المقر العام لقوات الأمن الكردية، ما تسبب بإصابة سبعة مدنيين بينهم ثلاث نساء وطفل بجروح، حيث تشهد مناطق سيطرة القوات الكردية في شمال شرقي سوريا بين الحين والآخر اعتداءات انتحارية وتفجيرات بسيارات أو دراجات نارية مفخخة وعمليات خطف، يتبنّى «تنظيم داعش» تنفيذ معظمها.

 ومن الجدير بالذكر أن تلك المدينة ذات الغالبية الكردية، تشهد اعتداءات دموية خلال سنوات النزاع، تسبب أكبرها في يوليو 2016 بمقتل 48 شخصاً على الأقل وإصابة العشرات. وبالتالي طالما ظل داعش قادر على شن الهجمات، فانه سيستخدمها إعلاميا لإثبات تواجده وأنه لم يتم القضاء عليه، وأن ما حدث هو من باب الكر والفر الذي فرضته طبيعة المعركة.

الانتشار التنظيمي: من الملاحظ أن تنظيم داعش فى سوريا والعراق قد تخلى مؤخراً عن استراتيجية "السيطرة الترابية"، القائمة على السيطرة على مساحة محددة من الأرض بشكل كامل، والتواجد فيها عسكريا وتنظيمياً، وهو ما كان يسهل استهدافه، واستبدل ذلك باستراتيجية "الانتشار التنظيمي"، من خلال التواجد فى العديد من المناطق بشكل عملياتي وتنظيمي دون السيطرة عليها أو التواجد فيها بشكل مستمر، وهو النهج الذي اتبعه تنظيم القاعدة وفروعها المختلفة، وكان من أهم العوامل التي ساعدته على البقاء حتى الآن.

فبرغم إعلان العراق في ديسمبر 2018، النصر على تنظيم داعش، الذي سيطر على ما يقرب من ثلث مساحة البلاد العام 2014، إلا أن التنظيم ما زال ينفذ هجمات وتفجيرات في بغداد وأرجاء مختلفة من العراق، بسبب اعتماده على الانتشار التنظيمي، وهو ما دفع الجيش العراقي إلى إطلاق حملة عسكرية واسعة في 16 يونيو 2019، للقضاء على خلايا تنظيم داعش في العديد من المناطق، خاصة في أطراف بغداد، وتدمير أنفاق تابعة لعناصر داعش، كونها تشكل خطرًا حقيقيًا على أمن واستقرار العاصمة بغداد ومركزها.

الاختفاء والتمويه: اتبع تنظيم داعش مؤخراً أسلوب جديد للتخفى لشن هجماته الإرهابية، أطلق عليها البعض مسمى "المضافات" أو "الأكواخ"، وهي عبارة عن أماكن محددة يقوم عناصر التنظيم بتغطيتها بقضبان حديدية يوضع فوقها غطاء من النخيل أو الأشجار لإخفائها عن أي رصد جوي، تخزن فيها الأسلحة والعتاد والمؤن التي تستخدم في شن الهجمات الإرهابية، فضلاً عن إمكانية اختباء بعض العناصر بداخلها، وهو ما أشار اليه تقرير لمجلة فورن بوليسي الأميركية في 30 مايو 2019، إن جيوبا للتنظيم الإرهابي لا تزال نشطة وتهدد المناطق النائية في العراق حيث ينتشر الكثير من عناصره حاليا في شبكات أنفاق يخزنون بها المواد الغذائية والملابس اللازمة، ويعملون في خلايا من خمسة إلى 10 أشخاص. واستندت المجلة في تقريرها إلى شهادات لمسؤولين وقادة عسكريين محليين في محافظة الأنبار.

الخلايا النائمة: تعد عناصر داعش الخفية والغير معرفة أمنيا، وهى ما يطلق عليه الخلايا الداعشية النائمة، من أهم آليات التنظيم فى الحفاظ نشاطه الإرهابي، سواء فى المناطق التي كان يسيطر عليها، أو المناطق البعيدة التي يريد أن يكون له فيها نشاط إرهابي، خاصة وأن  بعض المناطق لا يزال يتواجد بها أعداد ممن كان يطلق عليهم "أشبال الخلافة"، والذين يمثلون حالياً مورد بشرى هام، وبشكل عام فان هذه الخلايا صارت تلعب الدور الأكبر في تنفيذ الهجمات الإرهابية في الرقة ودير الزور، وهو ما يشير إليه إعلان مديرية الاستخبارات العسكرية العراقية، فى 18 يوينو 2019، عن تفكيك "خلية نائمة" تابعة لتنظيم "داعش" وإحباط عملية كانت تخطط لشنها في الرمادي غربي العاصمة بغداد.

ولم يقتصر نشاط الخلايا النائمة على العراق فحسب، وإنما في سوريا أيضا، حيث أعلنت قوات سورية الديمقراطية، في 19 يونيو 2018، عن تمكنها من اعتقال 7 من خلايا داعش بالإضافة لمصادرة سلاح وذخائر. وبالتالي فان تواجد مثل تلك الخلايا يساعد التنظيم في التواجد على الساحة، لاسيما فى ظل قدرته على تجنيد عناصر جديدة، خاصة من المناطق التي كان يتواجد فيها من قبل، وتنتشر فيها أفكاره.

القدرة على التجنيد: يعد العراق مهد تنظيم داعش وفيه تشكلت ملامحه الفكرية، حيث أن التنظيم يعد امتداد لمجموعة من التنظيمات المتطرفة، حيث يمتد تاريخ التنظيم في العراق إلى 2003، فقد قام أبو مصعب الزرقاوي بتأسيس ما عرف حينها بتنظيم "الجهاد والتوحيد" في 2003 ومر بمراحل وانعطافات عديدة إلى أن تم الإعلان عن "دولة العراق الإسلامية" في 2006، وهو ما جعل أفكاره منتشرة في أوساط الشباب العراقي المتطرف، حتى إن لم يكونوا منخرطين في صفوف داعش بشكل فعلى، وهو ما يوفر للتنظيم موارد بشرية جدية تمكنه من استعادة نشاطه في العراق من جديد، في حين أن الساحة السورية لم تعد توفر له تلك الميزة النسبية، لاسيما وانه كان يعتمد فيها بشكل كبير على المقاتلين الأجانب، بسبب الحصار القوى المفروض على التنظيم خلال السنوات الأخيرة، وهو ما حد من قدرة هؤلاء على التسلل للتنظيم، فضلاً عن وجود عدد من التنظيمات المتطرفة تقاسم داعش في المقاتلين بشكل عام سواء كانوا أجانب أو سوريين، في حين انه يكاد يعمل في العراق بدون منافس جهادي.

ثانياً: الآليات الخارجية:

تبدو رغبة تنظيم داعش في تعويض خسائره التي منى بها في العراق وسوريا، لاسيما بعد سقوط أخر معاقله في الباغوز، دفعته إلى التنظيم لتصعيد نشاطه الخارجي، معتمداً في ذلك على ولاياته ومجموعاته الخارجية، وهو ما كشف عنه إعلانه عن عدد من الولايات الجديدة، على غرار ولاية الهند، ومن قبلها ولاية وسط إفريقيا في دولة الكونغو، وهو ما أصبح يثير قلق العديد من القوى الدولية والإقليمية، لاسيما في ظل تصاعد نفوذ بعض تلك الفروع، وهو ما دفع وزارة الدافع الأمريكية (البنتاغون) إلى الإعلان في 23 مايو 2019، عن توسيع عملية "العزم الصلب"، التي كانت قد بدأت عام 2014، لمواجهة داعش، لتشمل مناطق أخرى، على غرار جنوب غرب أسيا،  التي بدأت تشهد نشاط متصاعد للتنظيم، حيث أشار البيان أنه سيتم نقل عدد من قواته إلى هناك.

وعلى ضوء ذلك يمكن القول إن تنظيم يعتمد على مجموعة من الآليات لتفعيل دوره الخارجي، يمكنه من خلالها مواجهة شبح الانحسار، ويعوض بها الخسائر العسكرية التي منى بها مؤخراً في سوريا والعراق، لاسيما في ظل تواجد مجموعات وفروع له في مناطق متعددة من العالم، ويمكن تحديد أبرز تلك الآليات في النقاط التالية:

وعلى ضوء ما سبق، يمكن القول انه من الصعوبة بمكان لأي عملية عسكرية مهما كانت إمكانياتها، القضاء على نشاط داعش الخارجي، نظراً لامتلاك التنظيم مجموعة من المقومات أو الآليات الهامة، التي تمثل حجر عثرة أمام تحقيق هذا الهدف، والتي يمكن تحديد أبرزها في النقاط التالية:

التمدد الجغرافي: نجح تنظيم داعش تأسيس عدد من الولايات الخارجية، في العديد من المناطق، خاصة في القارة الإفريقية، كما أن بعض تلك الفروع صار له تواجد كبير على الأرض، بل ان بعضها أصبح عابر للحدود، مثل(بوكو حرام) التي أصبحت خطر تهدد منطقة غرب إفريقيا، وكذلك ولاية خراسان في أفغانستان، التي أصبح تمثل تهديد لمنطقة أسيا الوسطى، وهو ما أشارت اليه تصريحات مدير جهاز الأمن الروسي، ألكسندر بورتنيكوف، في 21 مايو 2015، والتي كشف فيها عن تمركز نحو 5 آلاف مسلح من فرع "ولاية خراسان" في المناطق الشمالية من أفغانستان قرب حدود بلدان رابطة الدول المستقلة.

 وبالتالي فان تعدد تلك الفروع وانتشارها جغرافيا، سيجعل من الصعب محاصرتها بشكل كامل، فضلاً عن القضاء عليها في وقت متزامن، كونه يحتاج إلى الدخول في مواجهات عسكرية في مناطق متعددة من العالم، وهو أمر يصعب القيام به، سواء على الولايات المتحدة الأمريكية أو حتى التحالف الدولي لمواجهة داعش، كما أن القضاء على كل فرع على حدة، يحتاج إلى وقت طويل، يمكن للتنظيم خلاله الانتقال والظهور في مناطق جديدة من العالم.

 

المجموعات الموالية: لا يعتمد تنظيم داعش في نشاطه الخارجي على فروعه فحسب، وإنما يعتمد أيضا على المجموعات الموالية له-وهى بخلاف الفروع- على غرار المجموعات الموالية له في الفلبين أو الصومال أو غيرها من المناطق، وقد كشفت هجمات سريلانكا الدموية من خلال سلسلة التفجيرات المنسقة، التي استهدفت كنيستين و4 فنادق في العاصمة كولومبو ومناطق واقعة حولها، وكنيسة ثالثة في الساحل الشمالي الشرقي للبلاد، في 21 أبريل الماضي 2019 ، مما أودى بحياة ما يقرب من 359 شخصا، فيما تجاوز عدد المصابين الـ 500 شخص، عن مدى خطورة تلك المجموعات، لأنها غالبا ما تقوم بهجمات مفاجئة وغير متوقعة، حيث أنها غالبا لا تكون تحت للرقابة الأمنية الكاملة، بخلاف الولايات المعروفة التي غالبا تكون معروفة ومحددة جغرافيا، وهو ما يسهل استهدافها عسكريا وأمنيا، وبالتالي فان وجود مثل تلك المجموعات تزيد من صعوبة محاصرة نشاط التنظيم خارجيا، نظراً لأنها توسع من النطاق الجغرافي للعمليات العسكرية التي تستهدف ذلك النشاط.

حرب العصابات: من العوائق الهامة التي تحد من فرص القضاء على ولايات ومجموعات داعش الخارجية، هو اعتمادها على حرب العصابات، وهو ما يمثل صعوبة أمام الجيوش التقليدية، لاسيما وانه غالبا ما تحرص تلك العناصر على التواجد وسط المدنيين، وبما يؤدي لخسائر بشرية، سواء من المدنيين أو من القوات النظامية، سيكون من الصعب تحملها، خاصة فى ظل اعتماد تلك الفروع على الهجمات الانتحارية والانغماسية، لاسيما وإنها غالبا ما تكون مفاجئة ويصعب التنبؤ بها، وعدم القدرة على ردع من يحاول القيام بها، خاصة وان التنظيم يمتلك خزان بشرى من العناصر القادرة على تنفيذ مثل تلك النوعية من الهجمات الدموية، وهو ما كشف عنه التنظيم عبر صحيفة النبأ الإلكترونية، خلال منتصف مايو 2019، عبر بتوجيه عناصره بإتباع أساليب حرب العصابات، حيث نشر تعليمات تفصيلية عن كيفية تنفيذها.

الذئاب الداعشية: غالبا ما ينصب الاهتمام الدولي في مواجهة نشاط تنظيم داعش الخارجي، على مواجهة الفروع والولايات الخارجية، رغم ان الخلايا النائمة لا تقل خطورة عنهم، وكذلك ما يطلق عليه "الذئاب الداعشية المنفردة"، القادرة على تنفيذ هجمات في مناطق يصعب على التنظيم الوصول إليها عبر فروعه الخارجية، خاصة داخل القارة الأوربية، وقد كشفت العديد من التقارير  مؤخراً، أن "داعش" قد هدد أوروبا بما أطلق عليه بـ"خلايا التماسيح" وهو نوع من خلايا النائمة، حيث تلقت أجهزة المخابرات البريطانية خلال شهر ابريل الماضي 2019، معلومات بشأن مخططات "داعش" لتنفيذ العمليات الإرهابية داخل القارة، وذلك ضمن محاولاته مواجهة الخسائر التي تعرض لها مؤخرًا، مما يجعل التنظيم يمتلك العديد من البدائل في مواجهة الجهود الدولية لتحجيم نفوذه الخارجي. 

العناصر الجديدة: تحرص مجموعات داعش الخارجية على استقطاب أكبر عدد من المتطرفين في مناطق نفوذها، لاسيما من أصحاب الاتجاهات الفكرية العنيفة، خاصة من السلفية الجهادية، التي صارت تمثل البوابة الخلفية لكل للتنظيمات الإرهابية، نظرا لان منظومتها الفكرية بمثابة الركيزة لكل الأفكار المتطرفة سواء كانت داعشية أو حتى قاعدية، وهو ما مكن التنظيم من التمدد في عدد من الدول التي تتواجد بها مثل تلك المجموعات، على غرار طاجيكستان التي شهدت مؤخرا مقتل 29 من عناصر تنظيم داعش، على اثر تمرد قاموا  في 20 مايو 2019، في سجن قرب العاصمة دوشنبيه، على الحدود مع أفغانستان، حيث ان العديد من تلك العناصر كانوا ذو خلفية سلفية-بشكل عام- وهو ما يجعل تلك الفرع لديها موارد بشرية تمكنها من الاستمرار في نشاطها الإرهابي لفترة من الوقت، وهو ما يفرض العمل على تجفيف الموارد البشرية بالتوازي مع الحملات العسكرية.

المعاقل البديلة: برغم ما حمله تسجيل أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش، الذى تم نشره في 29 ابريل 2019، من دلالات هامة، تتعلق بمحاولته الحفاظ على التنظيم وتماسكه، حيث حرص على الظهور بمظهر الواثق من قوة التنظيم حالياً ومستقبلاً، إلا إن الدلالة الهامة هي حرص التنظيم على التمدد في مناطق جديدة في إفريقيا، حيث حرص البغدادي على الظهور وهو يتصفح ملف الولايات الخارجية، والتي ظهر فيها كل من  ولاية غرب إفريقيا في مالي، وشرق إفريقيا في الصومال، وهو يشير إلى تطلع التنظيم لتوسيع نفوذه إلى في إفريقيا، كونه يعتقد أنها يمكن أن تمثل البديل القادم لعناصره وقيادته خلال المرحلة القادمة، إذا ما تم القضاء على تواجده في سوريا والعراق بشكل نهائي.

 وهو ما يفسر دعوة البغدادي المتكررة لأتباعه على التوجه إلى منطقة الساحل والصحراء، التي تعد مجالًا واسعًا، يمكن التحرك خلالها وممارسة الأنشطة الإرهابية، بسبب تضاريسها واتساع رقعتها، وحدودها الواسعة التي يطل عليها عدد من بلدان شمال وغرب ووسط القارة الأفريقية، وهو ما يسمح له بتأسيس معاقل بديلة، يمكنها استقبال مقاتلين جدد، يرغبون في الانخراط في صفوف التنظيم، ولا يمكنهم الالتحاق بـ "داعش" الأم في ظل الضغوط القوية التي يتعرض لها.

القدرة على شن الهجمات: أوصى البغداى في تسجليه الأخير أتباعه الجدد «بأن يكثفوا ضرباتهم على فرنسا» وحلفائها، وأن يثأروا للهزيمة التي تلقاها التنظيم في كل من سوريا والعراق؛ حيث تقود القوات الفرنسية تحالفًا إقليميًّا في غرب أفريقيا وتدعم تحالفًا آخر في وسط القارة لمواجهة التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم داعش، مما يعنى أن التمدد داخل القارة الإفريقية سوف يمكن التنظيم من توجيه ضربات انتقامية من الدول التي تلعب دورا فاعلا في مواجهة الإرهاب، وعلى رأسها فرنسا، حيث يتيح لهم التواجد في منطقة الساحل الإفريقي الوصول للقوات الفرنسية المرابطة هناك، خاصة وان الطبيعة الجغرافية ستسمح لعناصره بالتحرك وشن الهجمات، في ظل وجود قيادات كبيرة لها خبرة تنظيمية وعملياتية في هذه المنطقة، على غرار أبو الوليد الصحراوي الذي وجه له البغدادي تحية خاصة في تسجيله الأخيرة.

التوسع في أسيا: في تطور لافت فيما يخص استراتيجية تنظيم داعش للتوسع الخارجي، لتعويض خسائره المتلاحقة التي منى بها مؤخراً في معلقه الرئيسي في سوريا والعراق، أعلن التنظيم في العاشر من شهر مايو 2019، عن تدشين ولاية جديدة له في الهند، وذلك عبر وكالة "أعماق"، التي تعد من أهم الأدوات الدعائية للتنظيم، عقب ادعائه بأن مسلحيه قد ألحقوا خسائر بقوات الأمن الهندية في قرية أمشيبورا في ولاية جامو وكشمير شمالي الهند، كما جاءت تلك الادعاءات عقب تصريح الشرطة الهندية بالقضاء على مسلح يعتقد أنه على صلة بـ"التنظيم" جراء تبادل لإطلاق النار بين ورجال الأمن عدد من العناصر الإرهابية.

ومن اللافت للنظر أيضا أن إعلان داعش عن ولايته الجديدة قد جاء بعد نحو شهرين من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القضاء على تنظيم داعش بنسبة 100%، وبعد نحو شهر من ظهور البغدادي الأخير، والذى جاء متزامناً مع الذكرى الخامسة لتأسيس التنظيم، وهو ما يشير إلى انه يرغب في إيصال رسالة، مفادها أن دولته المزعومة لم تسقط، وإنها لا تزال قادرة على التمدد والانتشار، وربما هذا ما يفسر أيضا ظهور عدد من قادة التنظيم بجواره، وهم يقدمون له ملفات ما يسمى "الولايات الخارجية"، ويشير الى أن داعش يسعى لتعويض حالة الانحسار عبر تنشيط مجموعاته وهجماته الخارجية، لاسيما وانه خلاله تسجيله قد أعلن عن تبني التنظيم العديد من العمليات الإرهابية مؤخرا، وتعهده بالمزيد منها.

أخيراً، على ضوء ما سبق، يمكن القول أن القضاء على تنظيم داعش عسكرياً بشكل كامل، هو أمر لا يزال بعيداً في الوقت الحاضر، في ظل اعتماده على مجموعة من الآليات، تمكنه من البقاء لفترة قادمة من الوقت، وهو ما يفرض ضرورة وجودة رؤية دولية موحدة، وتعاون جاد بين دول العالم، من الناحية الأمنية الاستخباراتية، والاهم من ذلك تجفيف منابع تمويل التنظيم المباشرة وغير المباشرة، حتى يمكن القضاء على التنظيم عسكرياً، لتبدأ معركة المواجهة الفكرية، التي لا تقل صعوبة عن العمليات العسكرية، لاسيما في ظل انتشار أفكار التنظيم ومعتقداته الباطلة بين قطاعات عريضة من الشباب المتطرف.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



*

 

تعليقات القراء