تطورات المشهد السياسي العراقي مع استمرار الحراك الشعبي

الكاتب: 

  صوت البرلمان العراقي على مجموعة من القرارات والإجراءات، في 28 أكتوبر 2019 بحضور 222 نائباً من مجموع 329 نائباً، هم مجموع أعضاء البرلمان العراقي، في ظل تصاعد حدة المظاهرات والاحتجاجات في العاصمة بغداد، وعدد من المحافظات الوسطى والجنوبية من البلاد.

تأرجح المشهد السياسي:

جاءت تحركات البرلمان عقب عدة تطورات، والتي كان من بينها إعلان كتلة "سائرون" المدعومة من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر تحوله للمعارضة داخل البرلمان، والبدء باعتصام مفتوح داخل البرلمان -54 نائباً-، لحين تحقيق مطالب المتظاهرين، لكن خيار المعارضة لم يشمل سحب الأشخاص الممثلين في الحكومة، فاكتفى مقتدي الصدر بأعضاء البرلمان، فضلا عن زيارة رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر، يوم الثلاثاء 29 أكتوبر الجاري لإيران بشكل عاجل، وبمجرد عودته بدء الانخراط مباشرة في الاحتجاجات الشعبية وانضم إلى الألاف من المتظاهرين في مدينة النجف جنوبي بغداد، كما طالب الصدر بدر هادي العامري الذي يرأس تحالف الفتح في البرلمان للعمل معه بشأن إجراء تصويت في مجلس النواب على سحب الثقة من رئيس الوزراء.

  وعلى صعيد متصل، سعي رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي لاتخاذ عدد من الاجراءات في 24 أكتوبر 2019 لاستيعاب غضب الشارع، ومنها اجراء تعديلات وزارية بعيدة عن مفاهيم المحاصصة وتركز على الكفاءات واستقلالية الوزراء وحضور متزايد للمرأة والشباب، وتشكيل مجلس القضاء الأعلى المحكمة المركزية لمحاكمة المفسدين، علاوة علي  تقليص رواتب المسؤولين حتى الدرجة الرابعة من الرئاسات والوزراء وأعضاء مجلس النواب والدرجات الخاصة والوكلاء والمدراء ليصل في الحالات العليا إلى النصف وبشكل متدرج ينسجم مع سلم الرواتب من الدرجة الخامسة فما دون، بالإضافة الي تخصيص الأموال المتحصلة من تقليص الرواتب إضافة إلى مساهمة الدولة لتأسيس صندوق رعاية اجتماعية من اجل حصول أي عراقي لا دخل له على منحة شهرية لا تقل عن 130 ألف دينار ويقدم مجلس الوزراء مشروع القانون الذي بدأ بصياغته إلى مجلس النواب لإقراره.

ولا يمكن فصل المشهد السياسي عن المشهد الميداني مع ارتفاع عدد القتلى منذ استئناف موجة الاحتجاجات الشعبية يوم الجمعة الموافق 25 أكتوبر 2019، والتي بلغت 63 قتيلا وحوالي 2600 مصاب، مما دفع رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي الي اصدار الاوامر لقوات مكافحة الإرهاب للانتشار في العاصمة بغداد وفي مدينه الناصرية، مما ادي الي مزيد من المواجهات على مدار الأيام الثلاثة الماضية، وانضمام عدد كبير من النقابات الي صفوف المتظاهرين كنقابات المعلمين والمحامين والصيادلة.

ملاحظات رئيسيه:

تشير التطورات سالفة الذكر الي عدد من الملاحظات الرئيسية، وهو ما يمكن استعراضه في التالي:

‌أ.       استمرار فقدان الثقة بين المتظاهرين وبين النخب والأحزاب السياسية، وهو ما يفسر قيام بعض المتظاهرين بالحاق الضرر بحوالي 83 مبني حكومياً ومقرات أحزاب في محافظات الديوانية وميسان وواسط وذي قار والبصرة والمثني وبابل وكربلاء.

‌ب. تشير تحركات مقتدي الصدر المتقلبة علي مدار الأسابيع القليلة الماضية محاولة منه امتطاء موجة الغضب الشعبي من اجل التحكّم فيها وتوجيهها نحو أهداف مطلبية آنية بعيدا عن مطلب إسقاط النظام، وكذلك محاولة فرض نفسه مجددا كحل لمشكلة بعد ان فقد جزءا كبيرا من شعبيته منذ اندلاع هذه الموجة الاحتجاجية الواسعة.

‌ج.   يمكن القول ان فرضية سقوط حكومة رئيس الوزراء الحالي أصبحت مطروحة أكثر من أي وقت مضى، مع الوضع في الاعتبار إعطاء الاولوية في التفكير في إنقاذ النظام نفسه من الانهيار.

مسارات مستقبلية محتملة

وفي ضوء ما سبق عرضه، يمكن القول بانه سوف تعمل بعض القوي السياسية الشيعية وعلي راسها رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي الي تجنب التفاوض على مطلب الانتخابات المبكرة علي الأقل في المدي المنظور، نظراً لإدراكها الانهيار الواضح في شعبية الأحزاب الشيعية في الشارع العراقي، ومن المتوقع ان تؤيد بعض القوي السياسية السنية علي وجه التحديد مطلب الانتخابات المبكرة في ظل اتساع مساحات الخلاف بينها وبين القوي الشيعية الرئيسية المشكلة للحكومة، مع الاستمرار في ابعاد عناصرها عن الانضمام الي التظاهرات.

كما ان هناك إمكانية بان تعمل الحكومة على احتواء الاحتجاجات (بتعديل وزاري واسع لتكون الحكومة شبه حكومة الطوارئ)، وهو ما يظهر في استجابتها للعديد من المطالب الاجتماعية والاقتصادية، ودعوتها لشخصيات بارزة في الاحتجاجات للحوار، إضافة إلى عدم دعم المرجعية الدينية في النجف صراحة للاحتجاجات، وحرصها على التوازن، من خلال دعوتها للاستجابة لمطالب المحتجين والدعوة إلى عدم استخدام العنف.

وفي المقابل، من المستبعد ان تلاقي قرارات البرلمان السابقة وكذلك قرارات مجلس الوزراء القبول من المتظاهرين، مما يعني استمرار الموجه العارمة من التظاهرات في الشارع العراقي علي مدار الفترة المقبل حتي يتم قبول بعض مطالبهم والتي من بينها محاسبة الفاسدين او العمل علي تغيير وزاري يستبعد أسماء الوزارات المتهمة بالفساد. 

تعليقات القراء