تأثير التحولات في معسكر المعارضة التركية على مستقبل النظام التركي

تشهد الساحة السياسية التركية الداخلية العديد من التطورات، حيث ارتفعت حالة السخط الداخلي بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية التي تفاقمت بسبب اثار فيروس كورونا على قطاعات حيوية مثل السياحة والصادرات، أدى ذلك إلى ارتفاع اسهم أحزاب المعارضة بالإضافة إلى انشقاقات متتالية في الحزب الحاكم "حزب العدالة والتنمية" لبعض رموز وقادة الحزب اعتراضاً على سياسات الرئيس التركي الحالي رجب طيب اردوغان، وتأسيس هذه الرموز لأحزاب معارضة جديدة.\

من جانبه فقد شرع الرئيس التركي اردوغان في محاولة احتواء هذه التطورات والحفاظ على سيطرته وحزبه على مقاليد الحكم، حيث اتبع سياسة التضييق على الأحزاب الجديدة بمختلف الطرق، واتخاذ قرارات شعبوية في محاولة للحفاظ على قاعدته الانتخابية، كما شرع في تغيير بعض القوانين الخاصة بالانتخابات والنقابات من اجل خدمة مصالحه الانتخابية.

سوف تحاول هذه الدراسة رصد اهم التغييرات على الصعيد السياسي الداخلي التركي بالتركيز على أحزاب وحركات المعارضة، ثم محاولة فهم استراتيجية الرئيس التركي اردوغان في التعامل مع هذه التغييرات، وأخيرا تقديم تصور حول ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في الفترة القادمة.

أولا: اهم ملامح التغييرات في معسكر المعارضة التركية

  1. ارتفاع قدرة المعارضة على الفوز في المعارك الانتخابية

درج نظام اردوغان على الإيحاء داخليا وخارجياً أن جميع المعارك الانتخابية محسومه لصالحه، وكانت تلك الرسالة أساسية في غالبية وسائل الاعلام التركية المنحازة لحزب اردوغان، وذلك بهدف احباط المعارضين له وايهامهم بأن أصواتهم لن تكون مجدية وبالتالي تسهيل حسم الانتخابات لصالحه.

إلا ان انتخابات المحليات التركية التي انعقدت في مارس 2019 مثلت نهاية لهذه الأداة، واثبات بأن المعارضة التركية قادرة على تحقيق فوز ملموس وحاسم عبر صناديق الاقتراع وذلك رغم التضييقات الحكومية التركية. فقد خاضت المعارضة التركية هذه الانتخابات في تحالف سمي باسم "تحالف الامة" وقد ضم بالأساس حزب "الشعب الجمهوري" اكبر أحزاب المعارضة في تركيا، بجانب "حزب الخير" والذي اسسته السياسية التركية مرال اشكينار عام 2017، في حين الحزب الحاكم في تركيا الانتخابات في تحالف سمي "تحالف الشعب" ضم "حزب العدالة والتنمية" بجانب "حزب الحركة القومية" الحليف التقليدي للحزب الحاكم.

اتسمت المعركة الانتخابية بالقوة وذلك رغم التضييقيات الكبيرة التي مارستها الحكومة التركية على المعارضة، حيث قامت المعارضة بتوجيه انتقادات شديدة لسياسات العدالة والتنمية بالأوضاع الاقتصادية، استخدام المال العام، واتهام عناصر بارزين بالحزب الحاكم بالفساد، على الجانب الاخر لجأ حزب العدالة والتنمية إلى اتهام المعارضة بالعمالة لجهات خارجية وتلقي أموال منها، والتعاون مع الإرهابيين.

جاءت النتائج لصالح تحالف المعارضة بشكل فاق توقعات الكثيرين[1] فقد تمكنت تحالف الامة من أن يفوز في المدن الحضرية الكبرى، يشمل ذلك العاصمة انقرة وإسطنبول وازمير، يذكر أن الفوز باسطنبول شهد جدال ضخم مع محاولة حزب العدالة والتنمية التشكيك في النتائج وتاخير إعلانها ثم إعادة الانتخابات فيها من اجل إعطاء فرصة ثانية لمرشحهم "بن علي يلدرم" في مواجهة "اكرام اوغلو" إلا ان نتائج الإعادة جاءت بفوز كامل ونهائي لمشرح المعارضة بنسبة 54 %، بلغت نسبة الأصوات التي حصلت عليها المعارضة 38% من الأصوات في حين لم يتجاوز الحزب الحاكم 50% من الأصوات، وهو ما اعتبر مؤشرا على تراجع ملموس لقدرة التحالف الحاكم على الحشد.

توضح القائمة أدناه الأحزاب التي تحكم عواصم المحافظات الـ 81 قبل وبعد الانتخابات المحلية:

 

تحالف الشعب

تحالف الامة

حزب الشعوب

اخرى

قبل انتخابات مارس 2019

55

15

0

11

بعد انتخابات مارس 2019

50

21

8

2

حجم التغير

-5

+6

+8

-9

 

 

تكمن أهمية نتائج انتخابات المحليات في 2019 في كونها قد أنهت الحاجز النفسي الذي شيده اعلام اردوغان بأن المعارضة ضعيفة ومشتته وغير قادرة على تحقيق مكسب انتخابي، كما اثبتت وجود ثقل شعبي قوي ومتماسك في المناطق الحضرية والتجارية والتي تأثرت سلبا بالسياسات الاقتصادية لاردوغان، وهو ما يمكن المعارضة من البناء عليه مستقبلا. كما منحت أحزاب المعارضة من ناحية ثقة ودفعة معنوية للتنافس بقوة على الانتخابات البرلمانية القادمة، ومن ناحية أخرى فرصة لاثبات جدارتها للناخب التركي وذلك عبر توليها 5 مدن من اصل 6 مدن هم الأكبر في عدد السكان.

  1. انشقاق رموز من الحزب الحاكم وانضمامها إلى صفوف المعارضة

شهد  حزب العدالة والتنمية الحاكم مؤخرا عدة انشقاقات لبعض رموز ومؤسسي الحزب، اثرت هذه الانشقاقات بشكل مباشر على أداء الحزب ومدى شعبيته وهو ما اظهرته استطلاعات الرأي الأخيرة والتي اشارت إلى تراجع واضح للدعم الشعبي للحزب في مقابل ارتفاع شعبية أحزاب المعارضة ومن ضمنها الأحزاب التي انشأها المنشقين عن العدالة والتنمية.[2]

يمكن تخليص اهم أسباب حالات الانشقاق في صفوف الحزب إلى عدة أسباب: أولا سعي اردوغان إلى الانفراد بشكل كامل بالسلطة واتجاهه إلى تدعيم نفوذه الشخصي عبر تعيين بعض افراد اسرته في مواقع حيوية (ابزرها تعيين زوج ابنته في منصب وزير المالية) وهو ما اثار استياء عدد من رموز الحزب. ثانيا: التحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، وهو ما يعد تحولا كاملاً عن استراتيجية الحزب التي مكنته من تحقيق نجاحاته منذ تأسيسه. ثالثا الانخفاض الكبير في عضوية الحزب منذ عام 2019 والذي يبشر باخفاقات انتخابية قادمة، حيث انخفض عدد أعضاء الحزب خلال عام واحد، بمقدار 788 ألفا و131 عضوا، بحسب ما أعلنته المحكمة العليا في 1 يوليو 2019، إذ سجل عددهم 9 ملايين و931 ألفا و103 أعضاء، بعد أن كانوا 10 ملايين و719 ألفا و234 عضوا.[3]

 يمكن  الإشارة إلى ابرز هذه الانشقاقات فيما يلي:

  • انشقاق احمد داوود وغلو (تأسيس حزب المستقبل)

يعد داوود اوغلو احد اهم الرموز التي انشقت عن حزب العدالة والتنمية، حيث شغل عدة مناصب شديدة الأهمية منها وزير الخارجية ورئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية، إلا أن اوغلو استقال من منصب رئيس الوزراء في مايو 2016، ثم انفصل عن الحزب عقب التعديلات الدستورية في ابريل 2017، حيث أشار اوغلو إلى ان رغبة اردوغان في مزيد من الصلاحيات كانت سببا رئيسيا في فك ارتباطه بالحزب. [4]

في 12 ديسمبر 2019 تقدم داوود اوغلو بطلب رسمي إلى وزارة الداخلية التركية[5] لتسجيل حزب جديد يحمل اسم "حزب المستقبل" ثم اعلن عن تأسيسه في اليوم التالي. وفقاً لاوغلو فإن الحزب الجديد يهدف إلى تحقيق عدة اهداف أهمها: صياغة دستور جديد، العودة إلى النظام البرلماني كنظام حاكم، اعتماد لغات الأقليات كلغة تعليم لابناء هذه الأقليات، تقديم مزيد من الضمانات للاقلية الكردية.

بالإضافة إلى هذه الأهداف  فقد ذكر اوغلو أن سياسة العدالة والتنمية الحالية تتنافى مع ما يؤمن به من ناحيتين أساسيتين: الأولى التراجع عن سياسة صفر مشكلات والدخول في معارك ونزاعات عسكرية افقدت تركيا فرص التكامل والتنمية مع محيطها العربي، الثاني هو دعم جماعات الإسلام  السياسي وما يعنيه ذلك من اثارة المخاوف الغربية من هذا الموقف.

  • انشقاق علي  باباجان (تأسيس حزب الديقراطية و التقدم)

يعد علي باباجان أيضا من الرموز المنسحبة من حزب العدالة والتنمية، فهو احد عرابي النمو الاقتصادي  التركي في السنوات التي تلت تأسيس حزب العدالة والتنمية، حيث عمل وزيراً للدولة للشئون الاقتصادية، ثم نائباً لرئيس الوزراء للشئون الاقتصادية والمالية، كما شغل منصب وزير الخارجية في الفترة ما بين 2007 و 2009 بالإضافة إلى شغل منصب رئيس االمفاوضين الاتراك في مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوربي.[6]

إلا أن كل ذلك لم يشفع له، حيث اضطر باباجان اثر خلاف مع اردوغان حول سياسات حزب العدالة والتنمية خصوصا المرتبطة بالاقتصاد إلى الاستقالة من الحزب، ثم اعلن في 9 مارس 2020 تأسيس حزب الديمقراطية والتقدم، والذي ضم ضمن مؤسسية عدد من أعضاء البرلمان الوزراء السابقين والذين انشقوا بدورهم مع باباجان منهم سعد الله ارجين وزير العدل السابق و نهاد ارجون وزير الصناعة السابق واحمد اوغور عمدة مدينة "بليكسير" السابق وغيرهم. [7]

يتفق الحزبان المستقبل والديقراطية والتقدم في رفضهم للنظام الرئاسي للحكم وسعيهم لاعادة النظام البرلماني،  كما يتفقان على ضرورة دعم الأقليات في المجتمع التركي وبالأخص الاكراد، إلا إنهم يختلفان في درجة هذا الدعم، حيث يبدو باباجان اكثر رغبة في تقديم دعم حقيقي وتغيير جذري لاوضاع الاكراد في تركيا، وهو ما يبدو واضحاً في درجة التواصل بين حزبه وحزب الشعوب الكردي، كما يختلفان أيضاً في أولويات القضايا التي يتم التركيز عليها في الخطاب السياسي لكل حزب، حيث يبدو اوغلو اكثر اهتماما بقضايا الهوية والعلاقات الدولية وبالتالي وهو بذلك يتشابه بشكل أو باخر مع اردوغان، في حين يميل باباجان إلى التركيز على القضايا الاقتصادية والحوكمة ومكافحة الفساد المالي.

ثانيا: كيفية تعامل اردوغان مع التغييرات التي طرأت على معسكر المعارضة

اتسمت استراتيجية اردوغان في التعامل مع المعارضة التركية وبالأخص الحزبين الجديدين بالتنوع، حيث شرع اردوغان في تغيير بعض القوانين من اجل وضع عراقيل تمنعهم من المشاركة بفاعلية في أي انتخابات قادمة، كما اطلق آلته الإعلامية ضد رموز الحزبين بهدف تشويههم والتقليل من قدرتهم على التغير.  في هذا الصدد يمكن الإشارة إلى عدة دعائم رئيسية لاستراتيجية اردوغان:

1. التعديلات القانونية والتشريعية: ويأتي على رأس هذه التعديلات الإجراءات المقترحة الخاصة بتعديل قانون الانتخابات، حيث اقترح حزب الحركة القومية حليف حزب العدالة والتنمية سلسلة من التعديلات لقانون الانتخابات[8] تشمل تخفض الحد الأدنى من الأصوات اللازم لدخول الأحزاب البرلمان إلى خمسة في المئة بدلا من عشرة في المئة، لكن الأهم بالنسبة للأحزاب الجديدة أنها ستمنع عمليات النقل التكتيكية بين الأحزاب. [9]

تأتي هذه المقترحات بعد اعلان حزب الشعب الجمهوري المعارض استعداده للتنازل عن عدد من نوابه في البرلمان ونقلهم إلى الحزبين الجديدين  من اجل تمكينهم من الوفاء بالشروط المطلوبة لتأسيس كتلة في البرلمان التركي والتي من ضمنها امتلاك الحزب لعدد 20 نائباً على الاقل بالبرلمان.

بالإضافة إلى هذا المقترح فقد وافق البرلمان التركي بالفعل على مشروع قانون مثير للجدل يسمح بتغيير هيكل نقابات المحامين وإقامة نقابات متعددة[10] وذلك بعد خلاف بين النقابة وهيئة الشئون الدينية حيث رفضت النقابة خطابا لرئيس هيئة الشئون الدينية ربط فيه انتشار كورونا بالشذوذ الجنسي، إلا انه الهدف الحقيقي خلف إقرار القانون هو تفتيت نقابة المحامين بسبب غلبة طابع المعارضة عليها، وتهديد باقي النقابات والتجمعات المهنية بمصير مماثل حال اتخاذهم مواقف مشابهه.

2. الهجوم الإعلامي على الحزبين ورموزهما عبر التقليل منهما أو تشويههما: وفي هذا الصدد يجدر الإشارة إلى تواتر تصريحات اردوغان التي تناولت الحزبين، فعلى سبيل المثال فقد وصف الرئيس التركي رجب أردوغان اثناء اجتماعات اللجنة المركزية لحزب العدالة والتنمية في يونيو الماضي الحزبين الجديدين في تركيا بقيادة أحمد داود أوغلو، وعلي باباجان، المنشقين العام الماضي عن حزب العدالة والتنمية، بانهما "ولدا ميتين"، كما أشار إلى أن "قربهما من حزب الشعب الجمهوري هو أكبر نقيصة في حقهما". [11]

3. الاعتماد بشكل متزايد على زيادة حالة الاستقطاب داخل المجتمع التركي بهدف الحفاظ على قاعدته التصويتيه من المحافظين، وذلك عبر عدد من القرارات التي يتم تسويقها بشكل يمنح اردوغان صورة المحافظ على القيم الدينية والقومية للمجتمع التركي، وتبني خطاب قائم على مخاطبة عواطف القوميين الاتراك، في هذا الصدد يمكن الإشارة إلى قراره الخاص بتحويل متحف "آيا صوفيا" إلى مسجد، وذلك رغم العديد من الدول والمنظمات الدولية. [12]

4. تضييق المساحات غير السياسية التي يمكن أن يستخدمها اوغلو أو باباجان، مثال على ذلك قراره اردوغان باغلاق جامعة "اسنطبول شهير" [13]التابعة لوقف "المعارف" الذي أسسه احمد داوود اوغلو رئيس حزب "المستقبل" المعارض، حيث إنه بهذا القرار حرم اوغلو من مساحة "اكاديمية" كان من الممكن توظيفها واستغلالها في عملية الحشد السياسي.

5. محاولة إيقاف الانشقاقات داخل حزب العدالة والتنمية مع العمل على  استيعاب بعض من غادروا الحزب بهدف منع انضمام إلى الحزبين الجديدين، مثال لذلك عقد اردوغان  لعدة لقاءات واجتماعات مع وزير الاقتصاد السابق أيضًا "محمد شيمشك"، الذي تثار حوله ادعاءات عن نيته الانشقاق عن الحزب والانضمام لجبهة باباجان.[14]

ثالثا: التقييم

تشير التغييرات التي طرأت على معسكر المعارضة التركية إلى قدرتها على تهديد بقاء نظام اردوغان خصوصا في ظل حالة الانقسامات التي طالت حزب العدالة والتنمية (حيث أن ارتفاع وتيرة خروج عناصر الحزب سواء كانت عناصر بارزة أو عادية يخصم من قدرة الحزب على الحشد في حين تظل كتلة المعارضة التقليدية الممثلة في حزب الشعب الجمهوري إلى حد كبير ثابتة) يدعم ذلك الأوضاع الاقتصادية السيئة والتي كانت دافعاً أساسيا للمدن الكبرى للتصويت لصالح المعارضة في الانتخابات المحلية الأخيرة، في هذا الصدد من المتوقع أن يلعب الحزبين الجديدين (حزب المستقبل والديمقراطية والتقدم) دورا كبيرا في خلخلة القاعدة الشعبية للعدالة والتنمية وتفتيها، خصوصا أن حزب المستقبل يصنف على انه محافظ وبالتالي فهو قادر على تجاوز معضلة ربط المعارضة بالعلمانية، أي انه منح الفرصة للمحافظين الاتراك بأن يعارضوا اردوغان دون أن يضطروا إلى الانضمام إلى المعارضة "العلمانية".

أما حزب المعارضة الأكبر حاليا "حزب الشعب الجمهوري" من غير المرجح أن تزيد نسب تأييده عما هي عليه الان، أي أنه لن يستطيع جذب الخارجين من حزب العدالة والتنمية، وذلك نظرا لحالة الاستقطاب الشديدة داخل المجتمع التركي حول قضايا الهوية وماهية الدولة بين الاسلامين والعلمانيين وبين القوميين والاكراد، وهو ما يمنع تحول فرد من معسكر إلى المعسكر الاخر حتى لو لم يتوافق مع سياسات المعسكر الذي ينتمي اليه.

فيما يتعلق بمسألة أي الحزبين الجديدين اقدر على جذب قواعد حزب العدالة والتنمية الشعبية، فإنه يجدر الإشارة إلى ما يلي:

1. أن قدرة أي من الحزبين على جذب قواعد العدالة والتنمية مرتبط بشكل كبير بشخص رئيس الحزب، حيث لا تزال الحياة السياسية التركية واختيارات الناخبين مرتبط بقناعتهم بالاشخاص وليس بالمؤسسات الحزبية التي ينتمون اليها وما تمثله من سياسات.

2. امتلاك علي باباجان لبعض المميزات النسبية مقارنة بداود اوغلو، منها الاتي:

  • امتلاك باباجان رصيداً كبيراً فيما يتعلق بالنمو الاقتصادي التركي حيث يعتبره الاتراك مهندس التنمية الاقتصادية التي حققها العدالة والتنمية بعد توليه الحكم، وهو الامر الذي يمكن لبابجان توظيفه في ظل الازمة الاقتصادية الراهنة.
  •  ارتباط اوغلو بالسياسة الخارجية التركية حتى عام 2016 يخصم كثيرا من رصيده نظراً لارتباطه المباشر بالسياسة التركية تجاه سوريا وما أدت اليه من وجود ما يقرب من 3.6 مليون لاجئ سوري بتركيا، وهو الامر الذي يلاقي يثير سخط غالبية الاتراك.
  • ارتباط باباجان بطبقة رجال الاعمال والاقتصاديين الكبار في تركيا سوف يمكنه من توفير موارد مالية ضخمه لحزبه عند الضرورة، لاستعمالها في أغراض الحشد والدعاية الانتخابية، يدعمه ايضاً في ذلك وجود عدد كبير  - مقارنة بحزب اوغلو – من الوزراء السابقين وعمد المدن، ناهيك عن حصول على دعم الرئيس التركي السابق عبد الله جول.
  • تبني باباجان لخطاب وسطي مما يسمح له بإنشاء تحالفات مع الأحزاب العلمانية، وعلى رأسها حزب المعارضة الأكبر حالياً حزب الشعب الجمهوري، وهو امر حيوي ومهم بالنسبة لحزب ناشئ.
  • اقتراب باباجان من الاكراد بشكل اكبر من اوغلو، وذلك بسبب حرص باباجان على النأي بنفسه عن سياسات اردوغان تجاه الاكراد حتى اثناء وجود باباجان بالعدالة والتنمية، وهو امر يحمل في طياته امتيازات وعيوب، فمن ناحية يمكن ذلك باباجان من ضمان الكتلة التصويتية الكردية في أي انتخابات مقبلة، كما يضفي على حزبه قبولي دولي، إلأ إنه من ناحية أخرى سيؤدي ذلك إلى استعداء الكتلة القومية لباباجان وحزبه.
  • 3. على الجانب الاخر، فإن اوغلو أيضا يمتلك بعض نقاط القوة، منها:
  • اعتماد اوغلو على التسويق لنفسه ولشخصه، وهو ما يبدو متماشيا اكثر مع طبيعة البيئة السياسية التركية، مقارنة بباباجان الذي يعتمد على فكرة العمل الجماعي والمؤسسي، مما يمنح اوغلو بعض الامتيازات فيما يتعلق بالحشد خصوصا على المدى القصير.
  • تركيز خطاب اوغلو على مسائل الهوية   identity politicsوتأكيده المستمر على القيم المحافظه مما يمنحه فرصة اكبر في جذب كتلة كبيرة من مؤيدي حزب العدالة والتنمية، حيث يشير السلوك التصويتي لاعضاء الحزب بميلهم للتصويت بناء على مسائل الهوية بشكل اكبر من الاعتبارات الأخرى.
  • وجود عدد اكبر من العناصر السياسية والمتخصصة في الاعلام السياسي والحشد والحملات الانتخابية داخل حزب اوغلو مقارنة بعدد اكبر من البيروقراطيين والتكنوقراط داخل حزب باباجان

نخلص مما سبق إلى أن أسلوب وطريقة داوود اوغلو هي بشكل أو باخر امتداد لاسلوب اردوغان في الحكم، من حيث الاعتماد على الترويج لشخصه، ومركزية قضايا الهوية في خطابه السياسي، وهو الامر الذي يسهل على اوغلو جذب مؤيدي العدالة والتنمية الرافضين لبعض سياسات اردوغان الأخيرة في حين مازالوا راغبين في البقاء بالمعسكر المحافظ، اما باباجان فإنه يمثل نموذج مخالف بشكل جذري لنموذج اردوغان من حيث أولوية المسائل الاقتصادية والحوكمة، والاعتماد على خطاب بعيد عن الاستقطاب.

من المرجح أن يكون داوود اوغلو وخطابه اكثر جاذبية للمنشقين عن العدالة والتنمية على المدى القصير نظراً للاعتبارات السابقة، وهو ما اتضح في سهولة تجميع اوغلو للعدد المطلوب لإنشاء الاحزب مقارنة بباجان، في حين يبق باباجان هو الاقدر على الحشد والتعبئة على المديين المتوسط والبعيد، خصوصا اذا ما تفاقمت الازمة الاقتصادية، أو تمادى اردوغان في تدخلاته الخارجية .

من المتوقع أن يمثل الحزبين خطرا كبيرا على نظام حكم اردوغان وعلى حزبه في ظل نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة وخسارته المدن الكبرى، بالإضافة إلى استطلاعات الرأي الأخيرة والتي تشير إلى حصوله على 30% فقط من مقاعد البرلمان حال وجود انتخابات مبكرة، ومن ثم فمن الأرجح أن يحاول اردوغان تجنب عقد انتخابات مبكرة لحين تحسن الاقتصاد ورفع معدلات قبول حزبه وإعادة تنظيم الحزب من الداخل، مع الاستمرار في سياسات التضييق على الحزبين الجديدين وتشويههم بمختلف الاشكال والصور.

تمثل القيود القانونية التي يعمل عليها اردوغان والخاصة بفرض قيود مشددة على انتقال نواب البرلمان من حزب إلى اخر أهم الحواجز التي تمنع الحزبين الجديدين من الإعلان عن نفسهم بقوة على الساحة السياسية التركية، ومن ثم فقد يؤخر ذلك حجم تأثيرهم السلبي على نظام اردوغان لبعض الوقت لكنه لن يلغيه.

 

 

 

[2] Kormkaz, Seren, Could Turkey’s opposition provide a model for the defeat of populist authoritarian rule?, retrieved from:

https://www.opendemocracy.net/en/can-europe-make-it/could-turkeys-opposition-provide-a-model-for-the-defeat-of-populist-authoritarian-rule/

[3] Orhan, Yunus, Turkey’s ruling party is splintering. Here’s why, Washinghton Post, retrieved from: https://www.washingtonpost.com/politics/2019/07/18/turkeys-ruling-party-is-splintering-heres-why/

[4] موقع جريدة العين، متاح على:

 https://al-ain.com/article/turkey-ruling-party-opposition-davutoglu

[6] ترك برس، متاح على:

https://www.turkpress.co/node/69658

[8] تواترت انباء أيضا عن نية حزب  العدالة والتنمية تعديل البند الخاص بانتخاب رئيس الجمهورية، بيحيث يتم الغاء نسبة ال 50% +1 المطلوبة لانتخاب الرئيس والاستعاضة عنها بالحصول على نسبة 40% من الأصوات في الجولة الأولى، وهو ما يتطلب تعديلاً دستورياً

[10] العين الإخبارية، متاح على: https://al-ain.com/article/turkish-parliament-controversial-lawyers-law

[11] ترك برس، متاح على:

https://www.turkpress.co/node/72086

[12] بي بي سي، متاح على: https://www.bbc.com/arabic/trending-53383794

 

تعليقات القراء