محددات وآفاق السياسة الجزائرية بين التغير والتكيف

تمهيد

يتسم المشهد السياسي الجزائري بحالة من الغموض إزاء آفاق الوضع السياسي الراهن، الأمر الذي يثير جملة من التساؤلات بشأن قدرة الرئيس الجزائري " عبد المجيد تبون" على التعامل مع التحديات المحلية والإقليمية التي باتت تمثل عبئاً كبيراً على نظامه الجديد، فمن ناحية يسعى تبون إلى تعزيز قواعد حكمه في ظل استمرارية وجود أطراف داخلية غير راضية عن وصوله للحكم، ومن ناحية أخرى ثمة تحديات إقتصادية حادة تؤثر على حدود قدرة الرئيس على المضي في تنفيذ رؤيته، وبالتالي هناك إشكالية كبرى تتعلق بمدى قدرة الرئيس تبون على الحفاظ على التوازنات الوطنية، وإدارة كل التناقضات بين جماعات المصالح في أعلى هرم السلطة، لذا تسعى هذه الورقة الى الوقوف على حدود العلاقة بين المؤسسات الفاعلة في الجزائر وآفاق السياسة الجزائرية في ضوء شبكة العلاقات القائمة.

أولاً: إعادة هيكلة المؤسسات الفاعلة في الجزائر

لقد بدأت الجزائر مرحلة جديدة أفرزتها عملية إنتخاب الرئيس "عبد المجيد تبون"، فقد شرع الأخير في إعادة هيكلة شاملة لأجهزة الدولة وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية والأمنية، وقد عكستها مجموعة الإقالات المتتالية التي نفذها الرئيس تبون، بداية من إقالة مدير الأمن الخارجي بجهاز الاستخبارات العقيد "كمال الدين الرميلي"، وتعين خلفًا له اللواء "محمد بوزيت"، كما تمت تنحية المدير العام للأمن الداخلي الجنرال "واسيني بوعزة" وإحالته إلى السجن، وتعيين نائبه الجنرال "عبدالغني راشدي" خلفًا له، وتم ذلك عقب إقالة مدير دائرة التحضير والعمليات في الجيش الجزائري، اللواء "محمد بشار"، وعُين خلفًا له اللواء "محمد قايدي".

كذلك، أصدر الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون مرسوما بتعيين العميد "نور الدين قواسمية" قائدا للدرك الوطني، خلفا للواء "عبدالرحمن عرعار" الذي أحيل إلى التقاعد، كما أنهى "تبون" بشكل مفاجئ مهام رؤساء الأمن (الشرطة) في 34 محافظة، بالتوازي مع اتهامات حكومية بوجود "مؤامرة لإحداث فتنة في البلاد.

ولم ينته الأمر في حملة الإعتقالات الواسعة _ التي لا تزال مستمرة حتى الآن_ فقد أصدر الرئيس الجزائري مرسوماً يحدد فيه مهام الأمين العام لوزارة الدفاع ( الرجل الثاني في المؤسسة العسكرية) ويضعه في مقام مساعد لوزير الدفاع ( وهو الرئيس) ويمنح رئيس الجمهورية إمكانية تكليف الأمين العام لوزارة الدفاع وتخويله بأي صلاحيات أو مهام خاصة، وهو ما يعني ضمنياً تركيز السلطات في يد رئيس الجمهورية، من خلال توسيع لمهام أمين عام وزارة الدفاع وربطه برئيس الجمهورية مباشرة، فضلاً عن استثناء صلاحية الإشراف على قيادة أركان الجيش من مهام وصلاحيات الأمين العام لوزارة الدفاع، باعتبارها هيئة عملياتية.

وقد عسكت خطوات الرئيس تبون عن رغبته في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية بما يتوافق مع مطالب المحتجين من جهة وذلك لتهدئة الحراك الشعبي، والحيلولة دون أي محاولة إنقلاب يقوده موالون للرئيس بوتفليقة، ومن ثم تطرح هذه الخطوات العديد من التساؤلات بشأن تداعيات ذلك على الوضع السياسي لمستقبل الجزائر، ما قد يثير حفيظة بعض جنرالات الجيش من الحرس القديم، والذين لا يزالون يمتلكون سلطة قوية في أجهزة الدولة، ومدى إحتمالات أن تدفع هذه التغييرات في المؤسسة العسكرية والأمنية إلى أزمة سياسية تفضي إلى حالة سيولة في البلاد.

ومن ناحية أخرى، يدفع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لاستحداث سلسلة "وكالات حكومية" تتولى رسم سياسات الدولة في قطاعات حيوية عدة، في محاولة تفتيت الكارتل المالي والسياسي في الجزائر وضرب التكتلات التي تهيمن على المستوى الأوسط من الإدارة الحكومية ( المديريات التنفيذية) بما يخلق مساراً لتعزيز الإنتعاش الإقتصادي.

وفي المقابل، يتحرك النظام الجزائري من خلال اتصالات ومفاوضات مع أطراف خارجية بهدف استعادة عدد من العسكريين الفارين خارج البلاد، خاصةً بعدما بات نشاطهم المستمر على مواقع التوصل الاجتماعي وتواصلهم مع الرأي العام في الجزائر، يشكّل ضغطً إضافياً لنظام الرئيس تبون.

ثانياً: حدود ومستقبل دور القوى الحزبية والمجتمع المدني

وفيما يتعلق بالقوى الحزبية والمجتمع المدني، فقد أفضى الحراك الشعبي ونتائج الإنتخابات الرئاسية الأخيرة إلى إعادة إفراز خريطة جديدة للحياة السياسية في البلاد، ورغم أن هذه الخريطة لا تزال في طور التشكيل، بيد أن ثمة ملامح بدأت تتبلور منها، يتعلق بعضها بإندثار الأحزاب التقليدية (الموالية للسلطة والمعارضة) التي ظلت مهيمنة على المشهد الجزائري منذ الإستقلال، مع بروز قوى جديدة بدأت تنشط على الساحة السياسية.

وتعاني كبرى الأحزاب التقليدية في الجزائر من إنتكاسة كبيرة في ظل تحميل الحراك الشعبي لها لنتائج الوضع الراهن في البلاد، ولا يختلف الوضع كثيرا في صفوف أحزاب المعارضة القديمة، إضافة إلى الأحزاب الإسلامية التي كان يتم التعويل عليها لملئ الفراغ السياسي الراهن، بيد أنها هي الأخرى تعاني من انقسامات هيكلية واسعة أدت إلى تآكل كثير من وجودها الفعلي على الأرض.

وفي ظل غياب القوة الحزبية القادرة على الحشد أو تقديم نموذج تنموي مقبول، بدأت بعض الأحزاب الجديدة في البروز ومحاولة إيجاد موطئ قدم في الخريطة السياسية الجديدة، لعل أبرز هذه القوى كانت حركة " عزم" والتي برزت بشكل لافت منذ بداية الحراك، والتي يقودها نخبة من الشباب الجزائري، وقد أظهرت هذه الحركة قدرات تؤهلها " نسبياً" لتقديم بديل سياسي مقبول شعبياً. كما برز أيضاً حزب "السيادة الشعبية" الذي يتزعمه المعارض السابق " أحمد شوشان"، فضلاً عن جبهة ائتلاف القوى النوفمبرية وحركتي بداية وأحرار، لكن تبقى حدود واستمراية هذه القوى محل شك، خاصةً وأن معظمها لا يزال ينتظر الاعتماد الرسمي.

وفي أغسطس 2020، أعلنت أحزاب سياسية وجمعيات جزائرية عن تشكيل تكتل سياسي أطلقت عليه اسم "مبادرة الإصلاح الوطني"، ويضم هذا التكتل الجديد مجموعة من الأحزاب السياسية مثل "حركة البناء الوطني"، "جيل جديد"، "الفجر الجديد" و"جبهة المستقبل"، وقد وجه هذا التكتل انتقادات إلى اللجنة المكلفة بإعداد الدستور.

وفي محاولة من الرئيس تبون لإستيعاب هذا التكتل الجديد، استقبل الرئيس الجزائري قادة أبرز الأحزاب السياسية والمنظمات والنقابات المنضوية في التكتل، للنقاش حول تجسيد إصلاحات عميقة تعكس الإرادة الشعبية في التغيير، وتحقيق مطالب الحراك الشعبي، ووضع الخطوط الرئيسة لمسودة الدستور الجديد المقرر عرضه على الاستفتاء الشعبي، وقد أثارت هذه الخطوة العديد من التساؤلات حول ما إذا كان هذا الإئتلاف يمكن أن يشكل القوة السياسية الرئيسية التي ستعتمد عليها السلطة الجزائرية في تأمين مرحلة تعديل الدستور في مواجهة قوى الرفض ومكونات الحراك الشعبي، خاصةً وأن النظام الجزائري لم يبدي أي تفاعل مماثل مع مبادرات وائتلافات شبيهة لهذا التكتل، لعل أبرزها "مبادرة تكتل الانتقال الديمقراطي" في يوليو 2019، وتكتل "البديل الديمقراطي" في مارس 2020، وغيرها من التكتلات الشبابية ومكونات من الحراك  الشعبي.

وعلى جانب آخر، يبدو أن هناك رغبة من قبل الرئيس الجزائري في أن يلعب المجتمع المدني دوراً في مستقبل البلاد لإدراكه بقدرة المجتمع المدني للوصول أكثر للمواطنين وبالتالي الاعتماد عليها في هذه المرحلة يعتبر هاما في ظل عدم القدرة على الثقة الكاملة في الأحزاب، وقد جسدها أكثر عندما كلف أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر "نزيه برمضان" بمنصب مستشار له مكلف بالحركة الجمعوية والجالية الوطنية بالخارج في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الرئاسة الجزائرية.

الخاتمة

وفى التقدير أنه إذا كانت هذه التعديلات الدستورية تستهدف إعادة هيكلة المؤسسات الجزائرية القائمة بما يمثل تفكيك للتكتلات القائمة وتصفية أذرع النظام السابق مع الاستجابة لبعض مطالب الحراك الشعبي، بيد أنها تحاول أيضاً تحسين صورة النظام الجزائري في الخارج، بإعتباره نظاماً سياسىاً أكثر انفتاحا، وهو الأمر الذي سينعكس بالضرورة على مزيد من الفرص الإقتصادية والاستثمارية في الجزائر.

من ناحية أخرى، فالحراك الشعبى المتوقف منذ مارس 2020 بسبب إجراءات كورونا، سوف يواجه صعوبة فى العودة بنفس الزخم، خاصة إذا لم يتمكن من بلورة تنظيم ذاتى وكيان يمثله كقوة سياسية تشارك فى صنع التطورات، غير أن طريقة تعاطي النظام الجزائري مع التطورات والمتغيرات الداخلية تبقى هي المحدد الأهم في إمكانية عودة الحراك من عدمه، وهو الأمر الذي قد يمثل ضغوطاً إضافية على حدود قدرة النظام على تنفيذ رؤيته، والتي تتضح ملامحها بشكل كبير في التعديلات الدستورية المقترحة، ليس فقط  فيما يتعلق بإعادة هيكلة النظام السياسى فى الجزائر ولكن أيضا لإعادة صياغة مستقبل السياسة الخارجية الجزائرية.

 

تعليقات القراء