دوافع وتداعيات الهجوم الأمريكي ضد الحشد الشعبي في شرق سوريا

الكاتب: 

أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية، يوم 28 يونيو الجاري، عن أن القوات الأمريكية وجهت ضربة جوية دفاعية دقيقة ضد منشآت تابعة لجماعات مسلحة موالية لإيران على الحدود السورية العراقية. وبحسب الوزارة، استهدفت الضربات الأمريكية على وجه التحديد منشآت عملياتية ومخازن للأسلحة في موقعين في سوريا وموقع واحد في العراق. وقد استخدمت هذه المنشآت العديد من المليشيات المدعومة من إيران، بما في ذلك كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء.

وتتمثل أبرز دوافع الجانب الأمريكي للهجوم على ميليشيات الحشد الشعبي في سوريا في تأديب القوى المستهدفة للحضور الأمريكي في العراق، حيث أتى القصف الأمريكي للميليشيات العراقية في سوريا كرد فعل على قيام تلك الميليشيات باستهداف الحضور الأمريكي في العراق. ويُشار في هذا الصدد إلى تصريحات وزارة الدفاع الأمريكية بان القصف يأتي رداً على هجمات بطائرات مسيرة شنتها تلك الفصائل على أفراد ومنشآت أمريكية في العراق.

وكانت تقارير صحفية قد أشارت إلى أن ثلاث طائرات مسيرة استهدفت يوم 25 يونيو الجاري قرية براغ، التي تبعد ثلاثة كيلومترات فقط عن مقر القنصلية الأمريكية الجديد، بالإضافة إلى وقوع هجومين مشابهين وقعا قرب منطقة كومسبان التابعة لمحافظة أربيل. وأعربت القنصلية الأمريكية في أربيل، يوم 26 يونيو الجاري في بيان لها، عن إدانة الولايات المتحدة للهجوم الجديد على إقليم كردستان، مشددة على أنه يمثل "خرقاً واضحاً لسيادة العراق".

كما يأتي الهجوم في إطار رغبة بايدن في انتهاج سياسة متوازنة تجاه إيران، حيث شهدت الشهور الستة الأولى من حكم بايدن مرونة لافتة تجاه إيران، وحرصت الإدارة الأمريكية على إظهار مرونتها الشديدة تجاه التوصل إلى صفقة نووية جديدة عبر المفاوضات غير المباشرة التي تجري في فيينا مع إيران. ويبدو أن تلك السياسة لم تجدي نفعاً مع طهران التي واصلت تشددها ولم ترحب بالخطوات الأمريكية المرنة، وهو الأمر الذي دفع بايدن لتعديل سياسته جزئياً عبر اللجوء لحل تصعيدي محدود ضد وكلاء إيران في شرق سوريا.

وكان من اللافت أن بايدن حرص على عدم التصعيد لمدى كبير، ويدلل على ذلك محدودية الضربة التي تم تنفيذها. وبالتالي، حاولت الإدارة الأمريكية إرسال رسالة ضمنية إلى إيران مضمونها أن كل الخيارات متاحة على الطاولة أمام واشنطن للرد على التشدد الحالي في المواقف الإيرانية، والذي يُتوقع أن يتصاعد بتولي الرئيس المنتخب المتشدد إبراهيم رئيسي لمنصبه بشكل رسمي. جدير بالذكر أن الضربة الأمريكية الأخيرة في سوريا تعتبر هي الثانية من نوعها التي تتم ضد مواقع ميليشيات عراقية موالية لإيران في شرق سوريا منذ وصول بايدن للحكم، حيث تمت الضربة الأولى في 25 فبراير الماضي.

ويُشار في هذا الإطار لتصريحات وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، يوم 28 يونيو الجاري في كلمة له خلال اجتماع التحالف الدولي ضد تنظيم داعش في روما، والتي قال خلالها، إن "الضربات الجوية تبعث رسالة مهمة وقوية إلى الفصائل المدعومة من إيران"، مضيفاً "لقد اتخذنا إجراءً ضرورياً ومناسباً ومدروساً للحد من مخاطر التصعيد، ولكن أيضاً لإرسال رسالة رادعة واضحة لا لبس فيها".

وبالنسبة للتبعات المترتبة على الضربات الأمريكية الأخيرة ضد الميليشيات الشيعية في شرق سوريا، من الملاحظ تصاعد التهديدات ضد الحضور الأمريكي في المنطقة، ففي أعقاب الضربات الأمريكية، تعرضت قاعدة أمريكية في منطقة حقل العمر بمحافظة دير الزور شرق سوريا يوم 28 يونيو الجاري لهجوم بقذائف صاروخية، ما أدى إلى وقوع خسائر مادية واحتراق سيارات كانت في الموقع المستهدف، دون ورود معلومات عن خسائر بشرية حتى الآن. كما توعدت العديد من ميليشيات الحشد الشعبي، وعلى رأسها كتائب حزب الله العراقي، بتصعيد الهجمات ضد القوات الأمريكية.

كما تجددت الدعوات الخاصة بضرورة رحيل القوات الأمريكية من المنطقة في أعقاب الضربات الأمريكية، وتجلى ذلك في ردود فعل ميليشيات الحشد على الهجوم. ودعت هيئة الحشد الشعبي، في بيان لها، إلى رحيل القوات الأمريكية من العراق، مشيدة بموقف الحكومة العراقية في هذا الصدد، وذلك في إشارة لتصريحات للكاظمي في أعقاب الهجوم الأمريكي، أكد خلالها على وصول بلاده إلى مراحل متقدمة في الحوار مع الولايات المتحدة بشأن انسحاب القوات القتالية الأمريكية من العراق.

وختاماً، من الواضح أن التصعيد الحالي بين واشنطن والمليشيات الشيعية الموالية لإيران لا يمكن قراءته على أنه تصعيد عابر، لكنه معبر عن طريقة التفكير الحالية لتلك المليشيات، والتي تعبر بالتبعية عن مضمون الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة. تشير معطيات الوضع الراهن إلى أن الفترة المقبلة ستشهد تصعيد أكبر بين واشنطن وطهران في المنطقة.

 

تعليقات القراء