التحركات الإقليمية لمواجهة داعش في شمال موزمبيق

الكاتب: 

نجحت القوات الرواندية بمساعدة القوات الحكومية الموزمبيقية في 8 أغسطس الجاري استعادة السيطرة على مدينة "موسيمبوا دا برايا" الساحلية في شمال موزمبيق التي تعد أحد المعاقل الرئيسية لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" منذ أكثر من عامين، والسيطرة على الميناء الرئيسي بالمدينة الغني بالغاز هناك، وبعض المباني الحكومية والمطار ومنشآت حكومية أخرى.

وهو ما يكشف عن تحول استراتيجي مهم في الاستراتيجية الإقليمية لمواجهة تنظيم داعش في البلاد الذي استطاع السيطرة على معظم المدن الرئيسية في شمال موزمبيق منذ عام 2017، في ظل ضعف القدرات والكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الموزمبيقية.

أولًا- ملامح المشهد الراهن

1- أحرزت القوات الرواندية تقدمًا في مواجهة عناصر داعش في شمال موزمبيق، حيث استطاعت استعادة السيطرة على بعض المدن الاستراتيجية مثل أواسي ودياكا، والتي كانت تقع تحت سيطرة التنظيم. وكانت رواندا قد أرسلت قوة عسكرية إلى موزمبيق في يوليو الماضي قوامها 1000 عنصر بعد طلب الرئيس الموزمبيقي، فيليبي نيوسي، للدعم من نظيره الرواندي، بول كاجامي، في مايو 2021، وذلك في إطار العلاقات الثنائية الطيبة بين البلدين بعد توقيع عدد من الاتفاقيات في عام 2018.

2- اندلعت أولى الاشتباكات العسكرية بين القوات الرواندية وعناصر تنظيم داعش في كابو ديلجادو في 26 يوليو 2021 بالقرب من الحدود بين موزمبيق وتنزانيا.

3- تشير تقديرات إلى مقتل حوالي 70 عنصرًا من تنظيم داعش خلال المواجهات العسكرية التي دارت من أجل تحرير مدينة موسيمبوا دا برايا، وفقًا لمسئول عسكري موزمبيقي.

4- أشار تقرير أممي صادر عن لجنة الأمم المتحدة المكلفة بمراقبة التهديدات من تنظيمي القاعدة وداعش في كافة أنحاء العالم أن هناك أجزاء في غرب وشرق أفريقيا مثيرة للقلق، في إشارة إلى التطورات الأمنية في موزمبيق، خاصة في ظل ترويج التنظيمين للمكاسب الاستراتيجية المكتسبة لهما وتنامي أعداد المؤيدين لكلا التنظيمين في أفريقيا، وتنامي قدراتهما على جمع التبرعات والأسلحة.

5- هناك خطط إقليمية لنشر آلاف القوات الإفريقية في موزمبيق خلال الأشهر المقبلة من سبعة بلدان مختلفة. فعلى الرغم من إصرار موزمبيق في البداية على رفض تدخل أي قوات إلى أراضيها لمحاربة داعش بدافع التخوف من انتهاك السيادة الوطنية للبلاد، إلا أن الرئيس نيوسي قد تراجع وطلب الدعم الدولي والإقليمي والمساعدة العسكرية لا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي "سادك" ورواندا، وبناء عليه:

أ. وافقت سادك في 23 يونيو 2021 على نشر قوتها الاحتياطية في موزمبيق.

ب. وافق الاتحاد الأوروبي في يوليو الماضي على إرسال بعثة تدريب عسكري إلى موزمبيق للمساعدة في مواجهة تنظيم داعش.

ج. أرسلت جنوب أفريقيا قوة عسكرية مكونة من 1500 عنصر إلى موزمبيق لمساندتها في حربها ضد الإرهاب. وتستمر هذه القوة لمدة 3 أشهر بدءًا من 15 يوليو 2021 إلى 15 أكتوبر 2021، كجزء من اتفاق وُقِّعَ في يونيو الماضي بين الدول الأعضاء الستة عشر في سادك، وبتكلفة بلغت حوالي 66 مليون دولار.

د. قامت بوتسوانا بإرسال بعض القوات لموزمبيق، كما أرسلت أنجولا 20 عسكريًا اعتبارًا من 6 أغسطس 2021 ضمن مهمة سادك التي تعهدت بها مؤخرًا إزاء الصراع في موزمبيق.

ه. تنتشر بعض القوات العسكرية البرتغالية في موزمبيق -تعد البرتغال هي القوة الاستعمارية القديمة في موزمبيق- بهدف المساعدة في تدريب القوات المسلحة والشرطة في موزمبيق للتصدي للتنظيمات الإرهابية هناك.

6- تفاقمت الأزمات الإنسانية في شمال موزمبيق بشكل كبير خلال عام 2020. واعتبارًا من يونيو 2021 هناك ما يقدر بنحو 1.3 مليون شخص في حاجة إلى المساعدة، وأكثر من 700 ألف شخص مشردين داخليًا، وأكثر من 900 ألف يواجهون مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

ثانيًا- دلالات ومؤشرات  

أ. ثمة تحول استراتيجي في المواجهة مع داعش في موزمبيق بعد تفوق داعش النوعي على القوات الحكومية في البلاد خلال الفترة الماضية، ويتمثل أبرز مؤشراته في:

  • نهاية المرحلة الأولى من عمليات التصدي لداعش بإلحاق الهزيمة بعناصره، والتي أدت لطرد عناصر داعش من معاقلهم الرئيسية في شمال موزمبيق.
  • إحكام الخناق أكثر على عناصر داعش باستعادة السيطرة على إحدى المدن الاستراتيجية ومينائها الرئيسي.
  • تشجيع القوات الإفريقي على السعي نحو استعادة منطقة كابو ديلجادو في شمال موزمبيق والتي تضم مشروعات للغاز بقيمة 60 مليار دولار.
  • حماية استثمارات الشركات الدولية للاستثمار في المنطقة مثل شركة توتال الفرنسية التي علقت مشروعًا للغاز بقيمة 20 مليار دولار.

ب. يعكس انخراط رواندا في الصراع في موزمبيق بعض المؤشرات:

  • يأتي ضمن الجهود الإقليمية من خارج إطار "سادك" والرامية إلى دحر الإرهاب في موزمبيق، خوفًا من التمدد الإقليمي إلى وسط أفريقيا والبحيرات العظمى.
  • ينظر البعض للجيش الرواندي على أنه أفضل تدريبًا وخبرة وانضباطًا، ولديه القدرة على إنجاز المهمة بشكل أسرع. فرواندا الثالثة من بين الدول المساهمة بقوات في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وتشارك في 14 بعثة لحفظ السلام.
  • في حين تعتبر معظم دول سادك أقل خبرة عسكريًا كونها يغلب عليها الطابع الاقتصادي والتنموي، كما تعد منطقة الجنوب الإفريقي مستقرة نسبيًا بالمقارنة بمناطق أخرى في أفريقيا.
  • يبدو أن هناك رغبة لدى الرئيس الرواندي في تعويم الدور الإقليمي لبلاده في المنطقة، وحرصه على إبراز صورة القوة في المنطقة بالرغم من أن موزمبيق تعتبر بعيدة عن الشواغل الأمنية التقليدية لرواندا. إلا أنها قد تسهم في إعادة تشكيل هندسة المنطقة بما يمنح رواندا وضع إقليمي جديد له في القارة والمنطقة من بوابة موزمبيق، وإن بدا الوزن الإقليمي النسبي للجيش الرواندي لا يتناسب مع التحركات الأخيرة في شمال موزمبيق.
  • قد يكون تدخل القوات الرواندية في شمال موزمبيق مرتبطًا بحماية المصالح الفرنسية هناك في ظل وجود شركة توتال التي تمتلك استثمارات ضخمة هناك، خاصة بعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى رواندا في مايو الماضي، وانتشار القوات الرواندية بالقرب من منطقة "أفونجي" حيث يوجد بعض مشروعات توتال الفرنسية.

ثالثًا- تداعيات محتملة

  • ربما تصبح موزمبيق ساحة إقليمية تضم جيوش أكثر من 7 دول إفريقية لمحاربة داعش، مما قد يدفع نحو تأجيج الصراع الكامن في الداخل الموزمبيقي بين الحكومة وحزب "رينامو" المعارض الرئيسي في البلاد، خاصة في ضوء انقسام الرأي العام ما بين مؤيد ومعارض للتدخل الخارجي في أزمة موزمبيق.
  • قد تشهد الفترة المقبلة مع تزايد العمليات العسكرية ضد داعش تمدد عناصره إلى بعض مناطق الجوار الجغرافي لموزمبيق مثل تنزانيا التي ربما تكون الوجهة القادمة لداعش، بالإضافة إلى وسط أفريقيا للانضمام لفرع داعش في شرق الكونغو الديمقراطية.
  • ربما تنخرط رواندا في حرب لا نهاية لها في شمال موزمبيق حال الفشل في التخلص من عناصر داعش هناك، وربما تكون هدف مقبل لتنظيم داعش بهدف الانتقام إزاء موقفها في موزمبيق.
  • ربما يؤدي تدفق الجنود الأجانب في موزمبيق إلى توسيع داعش نطاق عملياتها الإرهابية في جميع أنحاء الجنوب الإفريقي وربما في بعض مناطق الجوار.
  • ربما تؤول محدودية معرفة القوات العسكرية للدول المنخرطة في الصراع بطبيعة البيئة واللغات والثقافة المحلية في شمال موزمبيق إلى تحقيق نتائج عكسية قد تعزز موقف داعش في شمال موزمبيق وفي المنطقة.

وإجمالًا، يظل نجاح الجهود الإقليمية والدولية في احتواء مخاطر تنظيم داعش في شمال موزمبيق، والحيلولة دون تمدد التنظيم وتوسيع نطاق عملياته الإرهابية في مناطق إقليمية مجاورة مثل الجنوب الإفريقي، وما يرتبط به من حماية للاستثمارات النفطية التي تتجاوز 60 مليار دولار في البلاد، مرهونًا بمحاولة الانتقال من المحاولات الفردية لبعض الدول مثل رواندا في محاربة داعش إلى تشكيل تحالف إقليمي واسع العضوية يضم دول سادك وبعض دول الجوار الإقليمي ومدعومًا من المجتمع الدولي بهدف حماية الاستقرار والأمن الإقليمي، والحفاظ على حجم المصالح الدولية الضخمة في مجال النفط والغاز في المنطقة.

 

تعليقات القراء