دلالات وتداعيات التقارب التركي الإثيوبي

الكاتب: 

تحمل زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، إلى أنقرة في 18 أغسطس التي تأتي كأول زيارة له خارج القارة الإفريقية بعد فوز حزبه الحاكم في الانتخابات البرلمانية التي أجريت مؤخرًا في البلاد، العديد من الدلالات الكاشفة لحجم الضغوط التي يتعرض لها آبي أحمد على الصعيدين الداخلي والخارجي في ضوء تصاعد أزمة إقليم تيجراي، والتي انعكست بشكل واضح في احتدام الضغوط الدولية ضد نظام آبي أحمد بسبب سياساته الداخلية في حرب تيجراي، بالإضافة إلى أزمة منطقة الفشقة مع السودان، وقضية سد النهضة مع مصر والسودان. الأمر الذي يعكس أهمية رصد وتحليل تحركات آبي أحمد الخارجية خلال هذه الفترة.

تحركات محسوبة

 تناولت المباحثات في أنقرة بين الطرفين العلاقات الثنائية وتطورات الأوضاع على الساحة الإثيوبية والإقليمية والدولية، بما في ذلك الحرب في إقليم تيجراي شمال إثيوبيا. وأكدت أنقرة على أهمية سلام واستقرار إثيوبيا ووحدتها. كما أشادت بتسليم إثيوبيا جميع المدارس التابعة لتنظيم فتح الله جولن إلى وزارة المعارف التركية.

أبدت أنقرة رغبتها في التوسط بين السودان وإثيوبيا لحل النزاع حول منطقة الفشقة، لا سيما أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد ناقش تطورات الأزمة مع الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، خلال زيارة الأخير لأنقرة في 12 أغسطس 2021. وجدير بالإشارة إلى أن آبي أحمد كان قد طلب في وقت سابق من تركيا الوساطة في الأزمة لتسوية الأزمة حول الفشقة بين البلدين، إلا أنها فشلت.

وصفت أديس أبابا الزيارة بأنها ناجحة، فقد أعلنت الخارجية الإثيوبية عن توقيع 4 اتفاقيات في مجالات مختلفة مع تركيا دون كشف أي تفاصيل حولها، والتي شملت مذكرة تفاهم للتعاون في مجال المياه، واتفاقية في الإطار العسكري، وبروتوكول تنفيذ يتعلق بالمساعدات المالية، واتفاقية للتعاون المالي العسكري.

 تجدر الإشارة إلى أن تلك الزيارة قد سبقها مباحثات هاتفية بين آبي أحمد وأردوغان في 1 أغسطس 2021 أكدت فيها أنقرة حرصها على تقديم كافة أنواع الدعم للجانب الإثيوبي، وذلك في ضوء تصاعد أزمة إقليم تيجراي في الداخل.

 تعد تركيا ثاني أكبر مستثمر في إثيوبيا بعد الصين، حيث تبلغ قيمة الاستثمارات التركية في إثيوبيا 2.5 مليار دولار في قطاعات ومشروعات متعددة، من أبرزها خط السكك الحديدية الرابط بين جيبوتي وإقليم تيجراي، ويعمل فيه أكثر من 3 آلاف عامل تركي. فيما ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال العامين الأخيرين بقيمة 200 مليون دولار ليصل إلى 650 مليون دولار. وجدير بالإشارة إلى أن هناك حوالي 200 شركة تركية تعمل في إثيوبيا والتي توظف نحو 30 ألف إثيوبي تقريبًا.

دلالات التقارب

يمكن تفسير دلالات تحركات آبي أحمد نحو تركيا في عدد من النقاط الآتية:

  • تحاصر آبي أحمد جملة من الأزمات الداخلية والخارجية مثل حرب تيجراي، وأزمة سد النهضة، وسط سياق سياسي وأمني واقتصادي مضطرب ويشهد المزيد من التعقيد، مما يثير المخاوف حول مستقبل الوحدة الإثيوبية خلال الفترة المقبلة.
  • البحث عن حليف جديد لدعم آبي في حربه ضد جبهة تحرير تيجراي التي تحالفت مع بعض الحركات المسلحة ضد الحكومة المركزية في أديس أبابا مما يشكل تحديًّا كبيرًا لحكومة آبي التي تبحث عن خيارات بديلة لتحقيق أهدافها، فضلًا عن رغبة آبي في تحقيق التوازن في التسليح مع قوات دفاع تيجراي من خلال التعاون العسكري مع أنقرة.
  • دفع وطأة الضغوط الدولية التي تطالب أديس أبابا بفتح الحوار مع جبهة تحرير تيجراي، والحصول على دعم بديل من حلفاء جدد لمواجهة التداعيات المحتملة للتوتر في العلاقات مع القوى الدولية بسبب حرب تيجراي، لا سيما في ضوء توتر العلاقات الإثيوبية مع واشنطن وفرنسا. ويدلل على ذلك أن زيارة آبي أحمد لأنقرة قد تزامن معها زيارة المبعوث الأمريكي، جيفري فليتمان، لإثيوبيا لإجراء مباحثات بشأن الحرب في تيجراي.
  • تطوير التعاون بين إثيوبيا وتركيا من تحالف اقتصادي إلى تحالف سياسي استراتيجي يستهدف مناهضة القوى الرافضة لسياسات البلدين في العديد من الملفات والقضايا الإقليمية والدولية.
  • الاستفادة من الوساطة التركية في مواجهة التداعيات المحتملة للتوتر المتنامي بين إثيوبيا والسودان بسبب منطقة الفشقة وفي أزمة سد النهضة مع مصر والسودان.
  • تردد الجانب الإريتري في الانخراط في الجولة الثانية من حرب تيجراي خوفًا من الهجمات الانتقامية لقوات دفاع تيجراي، وفي ضوء الضغوط الدولية على أسمرة لعدم تورط القوات الإريترية في الحرب الإثيوبية، فضلًا عن تخوفات دول الجوار الإقليمي لا سيما جيبوتي والصومال وكينيا من الانزلاق في مستنقع حرب أهلية شاملة قد تمتد إلى عموم المنطقة.
  • محاولة أديس أبابا تأمين موقفها من خلال التنسيق مع عدد أكبر من القوى الفاعلة في المنطقة، بشأن تعطيل فتح ملف سد النهضة مجددًا داخل أروقة مجلس الأمن الدولي بالأمم المتحدة خلال الفترة المقبلة، وما يترتب عليه من تزايد الضغوط الدولية على الجانب الإثيوبي حول ضرورة الوصول لاتفاق ملزم لتسوية الملف بما يحفظ حقوق الدول الثلاث في مياه نهر النيل لا سيما مصر والسودان.

 تستهدف أنقرة من التقارب مع إثيوبيا عدد من الأهداف من أبرزها:

  • تمديد النفوذ التركي وتوسيع دائرة تحالفاته في منطقة حوض النيل والقرن الإفريقي وعلاقاتها مع دول المنطقة على حساب أطراف إقليمية أخرى.
  • رسالة لمصر بقدرة أنقرة على تغيير موازين القوة في منطقة حوض النيل، وأنها حاضرة بقوة هناك، وأن هناك دول أخرى مستعدة للتعاون مع أنقرة في ظل عدم استقرار المفاوضات الاستكشافية بين مصر وتركيا.
  • تريد أنقرة التأكيد على قدرتها على حماية مصالحها في البحر الأحمر وفي مناطق الجوار الاستراتيجي مثل ليبيا والبحر المتوسط.
  • تسعى أنقرة إلى امتلاك أوراق ضغط إقليمية في المنطقة تعزز حضورها هناك وتخصم من رصيد بعض الأطراف الإقليمية الفاعلة أيضًا، وذلك من خلال محاولة الانخراط في تسوية بعض الأزمات الراهنة مثل أزمة الفشقة المتنازع عليها بين السودان وإثيوبيا، وأزمة سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا. لا سيما أن هناك بعض الأطراف الإقليمية قد فشلت سابقًا في الوساطة بين السودان وإثيوبيا.
  • تريد أنقرة إضفاء الشرعية على تواجدها في المنطقة من خلال تقديم نفسها على أنها صانع السلام في منطقة القرن الإفريقي، واللاعب الإقليمي الذي يسهم في إرساء السلام والاستقرار الإقليمي هناك.
  • استغلال توتر علاقات إثيوبيا مع بعض القوى الدولية لتوظيف أديس أبابا كبوابة أخرى لتوسيع قاعدة نفوذ أنقرة في المنطقة وأفريقيا إلى جانب الصومال، خاصة بعدما توترت العلاقات بين أنقرة والخرطوم عقب إسقاط نظام الإنقاذ السابق في أبريل 2019، وإن كانت هناك بوادر للتقارب السوداني التركي قد برزت خلال الفترة الأخيرة، والتي تمثلت في تعدد الزيارات المتبادلة، ودعم أنقرة لمبادرة رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، لحل النزاع في إقليم تيجراي.
  • يُمكّن التواجد في منطقة القرن الإفريقي أنقرة من أن تكون بالقرب من مسرح الأحداث في بعض المناطق الاستراتيجية مثل البحر الأحمر، وليبيا، ومنطقة حوض المتوسط. كما أن التشابكات الجيوسياسية في القارة الإفريقية تُمكّنها من التقاطع مع بعض المناطق الاستراتيجية الأخرى مثل الساحل والصحراء وغرب أفريقيا.

وفي ضوء ما سبق، يمكن ترجيح ما يلي:

  • تحول المشهد الإثيوبي إلى ساحة إقليمية للصراع الدولي والإقليمي في ضوء محاولات آبي أحمد البحث عن حلفاء جدد لإنقاذ إخفاقه في تحقيق الانتصار في حرب تيجراي واحتواء قوات دفاع تيجراي.
  • فشل الوساطة التركية في تسوية أزمات القرن الإفريقي كونه وسيط غير نزيه بالنسبة لبعض الأطراف الإقليمية لا سيما مصر فيما يتعلق بأزمة سد النهضة، وفي ضوء إصرار الدولة السودانية على عدم التفريط في السيادة على منطقة الفشقة.
  • تعزيز أنقرة لحضورها في إثيوبيا في ضوء ضعف آبي أحمد ورغبته في تغيير موازين القوة داخليًّا من خلال الاعتماد على تحالفات جديدة بعيدًا عن القوى الكبرى في ضوء علاقاتهما المتوترة، وهو ما يعطي زخمًا لدور أنقرة إقليميًّا، وفي المقابل يمثل انتقاصًا لأدوار بعض الأطراف الإقليمية الأخرى.

 

تعليقات القراء