أبعاد وتداعيات الانقلاب العسكري في غينيا كوناكري

الكاتب: 

شهدت غينيا انقلابًا عسكريًا في 5 سبتمبر الجاري أطاح بالرئيس ألفا كوندي على يد مجموعة من جنود القوات الخاصة في الجيش الغيني بقيادة مامادي دومبويا، بعدما شهد القصر الرئاسي الغيني وضواحيه إطلاق نار كثيف، وبعدما أعلنت وزارة الدفاع الغينية أنها صدت الهجوم، إلا أن العسكريين استطاعوا السيطرة على الحكم في البلاد. وهو ما يعني عودة البلاد إلى الحكم العسكري للمرة الأولى منذ عام 2010؛ الأمر الذي يمثل مصدر قلق حول مستقبل البلاد خلال الفترة المقبلة.

المشهد الراهن في غينيا

جاء فوز الرئيس السابق ألفا كوندي بولاية رئاسية ثالثة في أكتوبر 2020 عقب تعديل الدستور الذي سمح له بالترشح مرة أخرى، ليعمق الأزمة السياسية في البلاد التي شهدت احتجاجات مناهضة لسياسات النظام الحاكم والتي امتدت إلى فترة إجراء الانتخابات وتفاقمت بعد إعلان فوزه بنتائجها في نوفمبر 2020. الأمر الذي تفاقمت معه الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد وصولًا إلى قيام بعض القادة في الجيش الغيني بعملية الانقلاب. والتي أسفرت عن مجموعة من الإجراءات الاستثنائية، قد تمثلت في:

1- رفض المجلس العسكري إصدار جدول زمني لإطلاق سراح كوندي البالغ من العمر 83 عامًا. وقامت السلطات الجديدة باعتقال قائد الأركان الجنرال ناموري تراوري، والقائد العام للشرطة الوطنية آنسومان بافو كامارا.

2- اتخذ المجلس العسكري (لجنة التجمع الوطني والتنمية the national rally and development committee) عددًا من القرارات الاستثنائية مثل حل الحكومة والبرلمان وحل الدستور والمؤسسات الأخرى في البلاد، وإغلاق الحدود البرية والجوية. وإعلان حظر التجول على الصعيد الوطني. واستبدل المسئولين الحكوميين بالقادة العسكريين في المناصب الحكومية. إضافة إلى منع الوزراء والمسئولين من مغادرة البلاد طيلة الفترة الانتقالية.

3- تعهد العقيد مامادي دومبويا بإعادة الديمقراطية في البلاد، وتشكيل حكومة وحدة وطنية لإدارة الفترة الانتقالية، والتي لم يحدد مدتها. كما طمأن الشركاء الماليين والاقتصاديين ودعاهم إلى مواصلة أنشطتهم خاصة الشركات العاملة في مجال التعدين. وقررت السلطات الجديدة استمرار فتح الحدود البحرية أمام تصدير المعادن.

4- سارع المجتمع الدولي إلى إدانة الأحداث في غينيا، حيث تمثلت أبرز المواقف الدولية والإقليمية في:

  • أدان الرئيس الغاني، نانا أكوفو، رئيس الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا الانقلاب في غينيا ودعا إلى الإفراج غير المشروط عن كوندي. وبدأ رؤساء الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) في التشاور قبل قمة استثنائية مخطط لها لتحديد الموقف الذي يجب تبنيه بشأن غينيا، وإذا ما كان سيتم تطبيق عقوبات عليها أم لا.
  • أدان أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، استيلاء العسكريين على السلطة بالقوة، ودعا إلى الإفراج الفوري عن ألفا كوندي.
  • أدانت فرنسا محاولة الاستيلاء على السلطة بالقوة ودعت إلى إطلاق سراح كوندي.
  • أدانت واشنطن استيلاء العسكريين على السلطة في البلاد، ودعت كافة الأطراف إلى احترام الدستور والقانون وتجنب العنف.
  • أعلنت الصين رفضها للانقلاب العسكري في غينيا ومحاولة الاستيلاء على السلطة عن طريق الانقلاب، ودعت كافة الأطراف إلى الحوار وممارسة ضبط النفس ومراعاة المصالح الأساسية للبلاد، والإفراج الفوري عن كوندي.
  • دعت روسيا الجيش الغيني إلى الإفراج فورًا عن الرئيس السابق ألفا كوندي، وأنها تعارض أي محاولة للتغيير غير الدستوري للسلطة الحاكمة.
  • دعا الاتحاد الأفريقي لاجتماع مجلس السلم والأمن الأفريقي لمناقشة الأزمة في غينيا. وندد باستيلاء الجيش على السلطة في اللباد، وطالب بإطلاق سراح كوندي.
  • أعربت تركيا عن قلقها بعد استيلاء الجيش على السلطة في غينيا، وأدانت محاولة الانقلاب في غينيا واعتقال الرئيس كوندي.  

الأسباب والدوافع

 تعددت التفسيرات حول وقوع الانقلاب العسكري في غينيا كوناكري وتمثلت أبرزها في:

  • سوء إدارة البلاد من قبل النظام السابق بقيادة كوندي، والوضع السياسي والاقتصادي المتردي في البلاد، وتعطيل مؤسسات البلاد، واستغلال القضاء، وانتهاك حقوق المواطنين، والفساد المالي، وارتفاع معدلات الفقر بالرغم من الثروات المعدنية الهائلة في البلاد مثل البوكسيت والذهب والماس. لذلك؛ حمل المجلس العسكري مسئولية تدهور الأوضاع في البلاد للنخبة الحاكمة.
  • تفاقم السخط بسبب الاقتصاد الذي تضرر بسبب السياسات وجائحة كوفيد-19. فعلى الرغم من أن الثروة المعدنية قد غذت النمو الاقتصادي خلال عهد كوندي، إلا أن القليل من المواطنين قد استفادوا بشكل كبير، الأمر الذي أسهم في المزيد من الإحباط بين قطاعات عريضة من الشباب والمواطنين.
  • أثار تحرك الجيش التكهنات بأنه غاضب بعد تحرك البرلمان في غينيا لمضاعفة رواتب السياسيين مؤخرًا، بينما قام بخفض ميزانية قوات الأمن.
  • السياق السياسي المضطرب في البلاد بعد قيام كوندي بتعديل الدستور من أجل الترشح لولاية رئاسية ثالثة التي حصل عليها في نوفمبر 2010.

برزت فكرة التغيير وشخصية الزعيم الجديد غير المتوقع للبلاد لدى العقيد مامادي دومبويا منذ عام 2016 بعدما طالب بعض قادته في الجيش بتوفير الذخيرة لتدريب قواته إلا أنهم رفضوا خوفًا من استغلالها في وقوع انقلاب على السلطة في البلاد. وينحدر دومبويا من نفس عرقية الرئيس كوندي (مالينكي) في منطقة كانكان الشرقية، وهو يحمل الجنسية الفرنسية. ولديه 15 عامًا من الخبرة العسكرية بما في ذلك البعثات العسكرية في أفغانستان وكوت ديفوار وجيبوتي وأفريقيا الوسطى. وقد خضع للتدريب في إسرائيل والسنغال والجابون، والكلية الحربية في باريس. وخدم في القوات الفرنسية. وترأس وحدة القوات الخاصة التي تم إنشاؤها في عام 2018 لمواجهة التهديدات الأمنية في المنطقة، وتعد هذه الوحدة هي أفضل وحدة مدربة ومجهزة في البلاد.

وبناء على المعطيات السابقة، يُرجح التالي:

  1. يتوقف نجاح الانقلاب في غينيا على مسارين مهمين هما:
  • قدرة المجلس العسكري على احتواء المعارضة السياسية والحصول على دعمها بشأن خارطة طريق المستقبل، وكسب ظهير شعبي له وسط قطاعات عريضة من الشعب الغيني.
  • مباركة ودعم وحدات الجيش الغيني الأخرى لحركة مامادي دومبويا الأخيرة خاصة أنها لم تعلن عن موقفها بعد، واحتواء الحملات المضادة المحتملة من الموالين للرئيس كوندي في صفوف الجيش الغيني خلال الفترة المقبلة.

قد لا تفلح الضغوط الإقليمية والدولية في استعادة الوضع في غينيا إلى ما قبل 5 سبتمبر 2021، نظرًا لأن نفوذها محدودًا على غينيا الغنية بالموارد الطبيعية لا سيما الثروات المعدنية وكونها بلد ساحلي، وليس عضوًا في اتحاد العملات في غرب أفريقيا. ومن ثم، قد لا يتجاوز الأمر التهديد بتعليق عضويتها في الاتحاد الأفريقي، والجماعة الاقتصادية في غرب أفريقيا (إيكواس). قد تشهد غينيا تنافسًا محتدمًا خلال الفترة المقبلة بين القوى الدولية لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا في ضوء ما تمتلكه البلاد من ثروات غنية وموارد طبيعية عديدة، حيث:

  • يمثل التعدين 35% من الناتج المحلي الإجمالي في غينيا. فهي تمتلك أكبر احتياطيات البوكسيت في العالم بواقع 7.4 مليار طن وفقًا للمسح الجيولوجي الأمريكي. إذ تعد البلاد ثاني أكبر منتج للبوكسيت في العالم، وهي المصدر الرئيسي لخام الألومنيوم. ويمثل إنتاج غينيا حوالي 22% من إنتاج العالم، وتنتج نحو 82 مليون طن من البوكسيت في 2020.
  • تمثل غينيا موطن لأكبر احتياطيات في العالم من خام الحديد. كما تعتبر سابع أكبر منجم للمعادن الثمينة في أفريقيا، فقد أنتجت حوالي 56.9 طن من الذهب في عام 2020.
  • تركز روسيا في علاقاتها مع غينيا على قطاع المعادن. وقد أدى الانقلاب إلى ارتفاع أسعار الألومنيوم في البلاد إلى أعلى مستوى له وهو ما قد يؤثر على الصناعات في روسيا والصين. فهناك شركة Rusal الروسية التي تعمل في مجال التعدين وتستحوذ على 3 مناجم رئيسية للبوكسيت ومصفاة الألومينا في البلاد. وتعتبر ثالث أكبر منتج للألومنيوم في العالم، وتعتمد في ذلك بشكل كبير على غينيا، حيث تمثل مناجمها 42% من إجمالي طاقة البوكسيت في Rusal. كما تقوم شركة Nord Gold الروسية بتشغيل منجم Lefa للذهب في غينيا، والذي يمثل17% من إجمالي إنتاج الشركة الروسية في عام 2020. ولا تزال تمارس عملها برغم الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد.

 

تعليقات القراء