مستقبل منطقة الساحل بعد مقتل أبو وليد الصحراوي

الكاتب: 

يلقي مقتل عدنان أبو وليد الصحراوي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى، الذي أعلنت عنه فرنسا في 16 سبتمبر الماضي بظلاله على تعقد المشهد الداخلي في التنظيم الذي قد يشهد بعض الصراعات والخلافات حول قيادة التنظيم، الأمر الذي ربما يشهد انقسامات وانشقاقات في صفوفه خلال الفترة المقبلة. وهو ما قد ينعكس على المشهد الجهادي في منطقة الساحل والصحراء الذي يتسم بمزيد من التعقيد في ضوء تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية هناك. بينما قد تجد فرنسا بالإعلان عن مقتل الصحراوي مخرجًا من معضلتها في الساحل سواء قررت استمرار كامل قواتها العسكرية في المنطقة لمواجهة الإرهاب، أو قررت الانسحاب الجزئي وإعادة انتشار قواتها في المنطقة، فضلًا عن محاولاتها لتحجيم النفوذ الروسي الجديد في المنطقة خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي يرجح تكثيف التفاعلات الإقليمية والدولية وحجم التنافس الدولي على منطقة الساحل والصحراء خلال المرحلة المقبلة.

السياق الحاكم

1- يعد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في الصحراء الكبرى من أكثر التنظيمات الإرهابية نشاطًا في منطقة الساحل، إلى جانب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المنضوية تحت لواء تنظيم القاعدة، ويتركز نشاط تنظيم داعش بكثافة في دول بوركينا فاسو ومالي والنيجر ويسيطر عناصره على مساحات واسعة من الإقليم.

2- اعتبر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مقتل أبو وليد الصحراوي بمثابة نجاح كبير للقوات الفرنسية في حربها ضد التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل. فيما أكدت وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورانس بارلي، أن مقتله هو ضربة حاسمة للتنظيم، وأشارت إلى أن التنظيم سيجد صعوبة في استبداله.

3- رحبت الولايات المتحدة الأمريكية بإعلان فرنسا مقتل أبو وليد الصحراوي في الساحل، وتعهدت بمواصلة دعمها لجهود الشركاء الأفارقة والفرنسيين والمجتمع الدولي بهدف الحفاظ على أمن منطقة غرب أفريقيا. وكانت واشنطن قد أعلنت في عام 2019 عبر برنامج "المكافآت من أجل العدالة" التابع لوزارة الخارجية الأمريكية عن مكافأة تصل إلى خمسة ملايين دولار لمن يقدم معلومات بشأن الصحراوي بعد إدراجها لتنظيم داعش في الصحراء الكبرى كتنظيم إرهابي.

4- يتزامن الإعلان عن مقتل أبو وليد الصحراوي مع حالة من التوتر التي تشوب العلاقات بين فرنسا وحلفائها في منطقة الساحل من جهة، والسلطة الانتقالية في مالي من جهة أخرى، بسبب اتفاق أمني محتمل بين الأخيرة ومجموعة فاغنر الروسية، حيث عبر قادة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) عن رفضهم للاتفاق المزمع عقده بين الجانبين.

دلالات وتفسيرات

5- يمكن تفسير إعلان فرنسا عن العملية العسكرية في هذا التوقيت لتحقيق عدد من الأهداف تتمثل في التالي:

  • إثبات نجاح القوات الفرنسية في مواجهة الإرهاب، والتي ربما تحقق أهداف انتخابية بالنسبة لماكرون قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المزمع عقدها في 2022.
  • إقناع الحلفاء الأوروبيين بالحاجة إلى وجود عسكري في الساحل، وتحقيق تقدم فيما يخص إنشاء فرقة العمل الجديدة المدعومة من الاتحاد الأوروبي (تاكوبا).
  • منع انزلاق حلفاء فرنسا في غرب أفريقيا نحو شركاء أمنيين آخرين وخاصة روسيا التي تحاول باريس تحجيم تحركاتها لتعزيز نفوذها العسكري في الساحل.
  • تحاول باريس استثمار هذه العملية في هذا التوقيت بهدف كسب رصيد عسكري في المنطقة، وتحييد موجة السخط الشعبي التي تواجهها في المنطقة، مع استعداد فاعلين دوليين جدد لدخول المنطقة عسكريًا مثل روسيا.
  • يُسهّل مقتل الصحراوي على باريس تبريرها للتراجع العسكري في المنطقة إذا ما قررت الانسحاب ولو بشكل جزئي خلال العام المقبل.

 هناك عدة دلالات يمكن الإشارة إليها فيما يتعلق بالعملية العسكرية الفرنسية، تتمثل أبرزها في:

  • يأتي مقتل الصحراوي في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية ملحوظة، إذ أن مقتله على يد القوات الفرنسية لا يمكن أن يسد الفجوة بين فرنسا وحلفائها في المنطقة لا سيما مالي، وهو ما دللت عليه زيارة وزيرة الجيوش الفرنسية إلى العاصمة المالية باماكو في محاولة لثني الحكومة الانتقالية عن توقيع اتفاق أمني محتمل مع مجموعة فاغنر الروسية.
  • يأتي هذا الإعلان في توقيت حرج بالنسبة للقوات الفرنسية والأوروبية التي يتأرجح موقفها بشأن البقاء في المنطقة بسبب إخفاقاتها في القضاء على التنظيمات الإرهابية منذ انخراطها العسكري في المنطقة في يناير 2013. ومن ثم فهو بمثابة دعم معنوي للقوات الأوروبية التي تقودها فرنسا وألمانيا في منطقة الساحل بعد سلسلة من العمليات التي نفذها التنظيم في عدد من دول المنطقة خلال الفترة الأخيرة مثل بوركينا فاسو والنيجر ومالي.
  • يتزامن ذلك مع تصاعد الدور الروسي الذي يواجه معارضة قوية من القوى الأوروبية التي تجد في الوجود الروسي تهديدًا واضحًا للنفوذ الأوروبي لا سيما الفرنسي في المنطقة.

 يثير غياب أبو وليد الصحراوي أزمة داخل التنظيم، وذلك على النحو التالي:

  • يدلل مقتل الصحراوي على الأزمة التي يواجهها التنظيم، إذ يبدو أن قدراته العسكرية قد تراجعت على الأقل في المدى القصير. كما أن مقتله لا يمثل ضربة لقيادة التنظيم الفرعي فحسب، بل يثبت فقدان تنظيم داعش لمكانته مقارنة بمنافسه الرئيسي في المنطقة تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.
  • يعد تحييد أبو وليد الصحراوي بمثابة خسارة كبيرة بالنسبة للتنظيم، نظرًا لعلاقاته المتشعبة مع عدد من التنظيمات الأخرى في المنطقة، إضافة إلى قدراته وخبراته العسكرية والقتالية. ويعزز مقتله حالة الارتباك داخل التنظيم، لحين الاستقرار على تسمية زعيم جديد للتنظيم. خاصة بعدما تم القضاء على عدد من القيادات الجهادية في المنطقة مثل محمود أغ باي المعروف باسم إيكاراي، أحد قياديي التنظيم، والذي قتل في منطقة ميناكا في شمال مالي، بالإضافة إلى القبض على أبو الدردار، قاضي التنظيم.
  • ومع ذلك، تورط التنظيم في بعض العمليات الإرهابية في المنطقة عقب مقتل الصحراوي، بهدف التأكيد على عدم تأثر التنظيم بغياب زعيمه؛ فقد نفذ التنظيم عملية إرهابية استهدفت عنصران من قوات بوركينا فاسو. ويتوقع أن تستمر عملياته الانتقامية ضد القوات الحكومية والأجنبية خاصة في المثلث الحدودي (ليبتاكو غورما) الواقع بين دول بوركينا فاسو والنيجر ومالي.

وبناء على ما سبق، ثمة ترجيحات حول مستقبل تنظيم داعش في الساحل، والتي من أبرزها:

  • ربما يشهد التنظيم نشوب صراعات داخلية بشأن الخلافة، خاصة أن الصحراوي كان يعتمد بشكل أساسي على قبيلة الفلان في بوركينا فاسو بالقرب من الحدود مع مالي، وبعض العرب في النيجر، ولم يعتمد على الطوارق بسبب بعض الخلافات الشخصية مع بعض القبائل هناك. ومن ثم؛ فالعرب لن يقبلوا بزعامة الفلان والعكس صحيح. وهو ما قد يؤثر سلبًا على التنظيم، وربما يتطور الأمر إلى حدوث انشقاقات بين عناصره وصولًا إلى بزوغ تنظيمات فرعية جديدة تحت لواء داعش.
  • قد يتعرض التنظيم لمخاطر فقدان علاقاته مع الفاعلين من غير الدول في المنطقة، خاصة أن الصحراوي كان من قدامى المقاتلين في التنظيمات الإرهابية في المنطقة، وكان يمتلك اتصالات عدة ولديه مصداقية عند التنظيمات الأخرى.
  • ربما يخلف أبو وليد الصحراوي، أبو مصعب البرناوي، زعيم ولاية غرب أفريقيا -وهو ابن مؤسس جماعة بوكو حرام في نيجيريا- ليقود تنظيم داعش في غرب أفريقيا، الأمر الذي قد يصاحبه اندماج التنظيمين تحت قيادته خلال الفترة المقبلة في سبيل توسيع رقعة سيطرتهما الجغرافية على نطاق واسع في منطقة غرب أفريقيا والساحل والصحراء. فيما تشير بعض التقارير إلى احتمال تولي عثمان إلياسو ديجيبو، قيادة التنظيم وهو نيجري الجنسية وأحد القيادات المقربة من الصحراوي قبل موته.
  • قد تؤدي الأزمة داخل التنظيم إلى انشقاق بعض المقاتلين التابعين له والانضمام إلى جبهة تحرير ماسينا (وهي المنضوية تحت لواء جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة) وليس إلى ولاية داعش في غرب أفريقيا على غرار ما حدث بعد مقتل أبو بكر شيكاو زعيم حركة بوكو حرام. الأمر الذي قد يعزز من سيطرة ونفوذ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وهي المنافس الأقوى للتنظيم، وتمدد عناصرها وتوسيع نشاطها ونفوذها في منطقة الساحل؛ مما قد يُصعّد المنافسة الشرسة بين تنظيمي القاعدة وداعش هناك خلال المرحلة المقبلة.

 

تعليقات القراء