فرص التهدئة بين الاتحاد العام للشغل والرئاسة التونسية

تحمل الفترة الأخيرة كثير من التوترات على الساحة التونسية ولعل أبرز هذه التوترات تبني رئيس الاتحاد العام للشغل أكبر هيئة نقابية في تونس خيار التصعيد في مواجهة الرئيس التونسي، حيث صرح نور الدين الطبوبي رئيس الاتحاد في يوم 13 إبريل الجاري بأن الاتحاد يضغط من أجل أن يكون الحوار الوطني حول تعديل الدستور بدون شروط مسبقة وألا يستند إلي نتائج الاستشارات الالكترونية التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيد، والذي يصر على ألا يشارك الرافضون لمسار 25 يوليو الاصلاحي في الحوار.

جاءت التصريحات التصعيدية السابقة من رئيس اتحاد الشغل اثناء لقائه بأعضاء لجنة الشئون الخارجية بالبرلمان الأوروبي خلال زيارتهم الأخيرة لتونس، للتعبير عن اهتمامهم بدعم التجربة الديموقراطية التونسية بعيداً عن منطق "الوصاية الخارجية"، كما يأتي التصريح بعد يوم واحد من مباحثات رئيسة الحكومة مع رئيس الاتحاد حول سبل إرساء حوار دائم ودوري بين الجانبين، وذلك قبيل انطلاق جولة مباحثات رسمية بين أعضاء الحكومة والمكتب التنفيذي للاتحاد في15 ابريل الجاري، وقبيل المفاوضات المرتقبة مع صندوق النقد الدولي خلال الفترة من 18إلي 24 من شهر إبريل الجاري بشأن برنامج قرض جديد.

ويضاف تصريح الطبوبي في الثالث عشر من ابريل إلى ما جاء خلال حوار له بجريدة الشعب التابعة للاتحاد العام للشغل بتاريخ 7 ابريل والذي رفض فيه استثناء القوى الوطنية من جمعيات وأحزاب من أي حوار وطنى، حيث قال: "تصورنا للحوار ينطلق من مجموعة من الثوابت لا يمكن التنازل عنها وأولها تشريك القوى الحية من مجتمع مدني وأحزاب سياسية وهذا لا يعني تشريك أكثر من مائتي حزب من الحاصلين على تأشيرة. هذا عبث بل المطلوب هو أن تتولى هيئة حكماء تشريك القوى الفاعلة في البلاد من أحزاب ومنظمات..".

يكشف التصعيد الأخير لرئيس الاتحاد العام للشغل عن عدد من الأبعاد حيث انشغل (الاتحاد) بتقوية مركزه التفاوضي في مواجهة الحكومة التونسية بعدما فشل الاتحاد في اقناع الرئاسة التونسية بأن يشمل الحوار الوطني مجمل القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية محل الخلافات في البلاد، وبعدما توترت العلاقات بين الاتحاد والحكومة حول عدة ملفات اقتصادية واجتماعية فضلاً عن منع الحكومة مؤسسات الدولة ومسؤوليها من التفاوض مع النقابات أو إمضاء أي اتفاق معها قبل العودة لرئاسة الحكومة.

سياقات التصعيد:

يمكن إرجاع أسباب التصعيد الأخير بين الاتحاد العام للشغل من جانب والرئاسة التونسية من جانب أخر إلي عدة عوامل اهمها ما يلي:

1. ضعف مردود نتائج الاستشارة الالكترونية والتي شارك فيها حوالي 500 ألف مواطن فقط، وبرغم ذلك وجه الرئيس التونسي بأن يستند الحوار الوطني لمخرجات الاستشارة الالكترونية التي اعتبرها مرحلة أولى للحوار، إلا أن الرئيس اقر بأن الاستشارة قد واجهتها عقبات فنية بسبب الاف الاختراقات الالكترونية من قبل منصات محسوبة على قوى سياسية وحزبية رافضة للإصلاحات التي اتخذها الرئيس التونسي منذ 25 يوليو الماضي.

2. فضلاً عن وضع الرئيس التونسي شروطاً للمشاركة في الحوار الوطني بعيداً عن القوى الحزبية التي تآمرت حسب وصفه على أمن الدولة، وهو ما أكد عليه لعدد من المنظمات الفاعلة اقتصاديا واجتماعيا بما في ذلك نقابة المحاميين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والاتحاد العام للشغل، واتحاد الصناعة والتجارة، لتأكيد الطابع التشاركي للإصلاحات السياسية الجارية.

3. توتر العلاقات بين الاتحاد العام للشغل والغرفة النقابية لتوزيع المحروقات التابعة لاتحاد الصناعة والتجارة الذي رفض زيادة اجور العمال بالقطاعات الخاضعة لإتفاقيات قطاعية مشتركة، وهو ما دفع نقابة النفط والمواد الكيمياوية التابعة لاتحاد الشغل لتنفيذ اضراب في شركات توزيع المحروقات بالقطاع الخاص بعد أن تأجل عدة مرات.

فرص التوظيف:

رغم أن الاتحاد العام للشغل لم يلغ تأييده لمسار التصحيح وفق ما أكده الناطق الرسمي باسم الاتحاد، وفق متابعة الجريدة الناطقة باسم الاتحاد، إلا أنه من شأن التصعيد الذي فرضته قيادة الاتحاد العام للشغل على الساحة حول موضوع الحوار الوطني الشامل قد يؤدي من جهة أولى إلي بروز فرص لتوظيف هذا التصعيد سياسياً من قبل القوى الحزبية المعارضة، حيث لا يستبعد أن تسعى حركة النهضة وحلفائها السياسيين في بعض الأحزاب بجانب حراك "مواطنون ضد الانقلاب" لاستغلال ذلك من أجل تعزيز موقفهم في مواجهة الرئاسة التونسية، وفي مواجهة القطاعات الشعبية المناصرة للرئيس، إذ تسعى الحركة بالأخص هذه الفترة نحو تقوية موقفها في الخارج من أجل فرض مزيد من الضغوط الخارجية على السلطة التونسية، لكن ربما لا يؤثر ذلك في الأجل المنظور على دعم القوى الغربية لتونس طالما حافظت الرئاسة التونسية على تواصلها مع الفاعليين الاجتماعيين والاقتصاديين في البلاد.

علاوة على ذلك تتواصل مساعي بعض قوى المعارضة للرئيس التونسي لحشد أكبر قدر ممكن من التأييد لها من خلال استحضار نماذج قديمة لتشكيل جبهة إنقاذ وطني جديدة ربما تكون أهم أهدافها تشجيع الشعب على الخروج على قرارات الرئاسة التونسية بما يعني محاولة إفشال مسار 25 يوليو، وذلك في ضوء تعثر محاولات تشكيل حكومة إنقاذ وطني، وبرلمان في المهجر في مسعى لإيجاد صدى لدى المنظمات الغربية السياسية والمالية.

ومن جهة أخرى، قد يؤدي التصعيد بين الاتحاد العام للشغل إلي اهتزاز الصورة العامة للاتحاد لما ابداه من تخبط في مواقفه ما بين المهادنة السياسية والتصعيد التكتيكي في وجه الإجراءات المتخذة على مسار التصحيح الجاري في البلاد، إذ ناصر الاتحاد مسار 25 يوليو ورأي فيه تعبيرا عن طموحات الشعب وتوقع أن ينفذ الرئيس التونسي خارطة الطريق التي أعلن عنها بما تضمنته من استشارة الكترونية ثم استفتاء شعبي ثم انتخابات تشريعية مبكرة، كما ساند الاتحاد قرار حل البرلمان.

تدارك الأمر:

ومما لا شك فيه، أنه في ضوء التطورات الجارية  فإن احتمال التهدئة يظل امراً قائماً، حيث يتوقع أن يتدارك الاتحاد العام للشغل حجم خطورة المرحلة الراهنة ومن ثم قد لا ترفع قيادات الاتحاد مستوى انتقاداتها للسلطة الحاكمة انطلاقاً من واقع الدعم الشعبي الذي يحظى به الرئيس التونسي، وافتقاد الثقة الشعبية في النخب السياسية والحزبية التونسية، ومرونة المواقف الغربية حول الاصلاحات السياسية والاقتصادية الجارية في تونس.

وفي المقابل لن يسمح الرئيس التونسي بخسارة مؤسسة نقابية كبيرة مثل الاتحاد العام للشغل حرصاً من الرئيس على إنجاح الاستحقاقات القادمة من استفتاء وانتخابات برلمانية بإشراف الهيئة العليا للانتخابات الجاري إعادة اختيار تركيبتها القضائية، لأن الوقت حرج بالنسبة للسلطات التونسية التي تسعى لكسب ثقة المؤسسات المجتمعية الهامة حفاظاً على الاستقرار العام في البلاد وحماية للمقاربات الحكومية في مواجهة هيئات التمويل الدولية التي مازالت تمر بحالة من عدم اليقين حول مستقبل الأوضاع السياسية والاقتصادية في تونس.

تعليقات القراء