حسابات حذرة: لقاء الرئيسين السنغالي والروسي في موسكو

بواسطة: 

جاءت زيارة الرئيس السنغالي، ماكي سال، رئيس الاتحاد الأفريقي إلى موسكو في 2 يونيو الجاري (2022) في إطار التأثير اللافت للحرب الروسية الأوكرانية على قارة أفريقيا التي تواجه تحديات كبيرة على رأسها تراجع الأمن الغذائي في ضوء اعتماد العديد من الدول الأفريقية بشكل كبير على كل من موسكو وكييف في أمنها الغذائي من خلال الحصول على القمح والمواد الغذائية. وهو ما دفع الاتحاد الأفريقي إلى محاولة الوساطة لتسوية الأزمة الراهنة.

السياق الحاكم

تندرج زيارة الرئيس ماكي سال الذي رافقه فيها موسى فقيه، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، والتي جاءت بدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في إطار الجهود التي يبذلها الاتحاد الأفريقي للمساهمة في تهدئة الحرب الروسية الأوكرانية، والبحث عن مخرج لاستئناف توريد القمح والأسمدة إلى الدول الأفريقية بشكل خاص.

وفي إطار الزيارة، أشار الرئيس سال إلى معاناة الدول الأفريقية من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية خاصة على الصعيد الاقتصادي، بالرغم من أن غالبية الدول الأفريقية قد تجنبت إدانة موسكو خلال عمليتي التصويت في الأمم المتحدة، ومنها السنغال التي امتنعت عن التصويت على قرار في مارس 2022 قد طالب روسيا بوقف استخدام القوة ضد أوكرانيا فورًا، بينما صوتت على قرار ثان في نفس الشهر يطلب من روسيا وقف الحرب فورًا.

كما دعا سال إلى إبقاء قطاع الغذاء خارج العقوبات الغربية، خاصة أنه يتخوف من السيناريو الكارثي في أفريقيا بسبب نقص الحبوب والقمح وارتفاع الأسعار، لا سيما أن تلك الأزمة تأتي عقب جائحة كوفيد-19 وتداعياتها على اتساع نطاق المجاعة في الدول الأفريقية التي تعاني معظمها من أزمة الجفاف.

تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية على أفريقيا

يمكن الإشارة إلى أبرز تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على أفريقيا على النحو التالي:

1- تسببت الأزمة الأوكرانية في ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة، وتعطل الإمدادات، وارتفاع معدلات التضخم، والتي أدت بدورها إلى خلق تحديات إضافية للاقتصادات الأفريقية التي لم تتجاوز بعد تداعيات جائحة كوفيد-19، وهو ما برز في:

  •  لفت البنك الدولي الانتباه في أبريل 2022 إلى أن الأزمة الأوكرانية تعد عامل تفاقم خطير لمنطقة أفريقيا جنوب الصحراء بسبب تسلسل الآثار المباشرة وغير المباشرة عليها في سياق التقلبات العالمية الراهنة.
  •  أشار صندوق النقد الدولي إلى أن قارة أفريقيا معرضة بشكل خاص لتأثير الحرب الروسية الأوكرانية بسبب ثلاثة ديناميكيات رئيسية هي ارتفاع أسعار المواد الغذائية وارتفاع أسعار الوقود وضعف القدرة المالية، في الوقت الذي يُتوقع أن يصل النمو الاقتصادي لعام 2022 في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء إلى 3.8%.

2- على الرغم من أن كلًّا من روسيا وأوكرانيا لا تمثلان شريكًا تجاريًّا رئيسيًّا للمنطقة باستثناء بعض الدول الأفريقية، بنسبة لا تتجاوز 13% من واردات أفريقيا جنوب الصحراء. إلا أنهما يمتلكان دورًا بارزًا في أسواق الغذاء والطاقة العالمية وذلك على النحو التالي:

  • تشكل واردات القمح نحو 90% من تجارة أفريقيا التي تبلغ قيمتها 4 مليارات دولار مع روسيا وحوالي 50% من تجارتها البالغة 4 مليارات دولار مع أوكرانيا وفقًا لبيانات بنك التنمية الأفريقي.
  • هناك 25 دولة أفريقية تستورد أكثر من ثلث قمحها من موسكو وكييف، بينما تستورد 15 دولة أفريقية أخرى أكثر من نصف قمحها منهما وتتصدر القائمة دول إريتريا (بنسبة 100%) والصومال (أكثر من 90%) إلى جانب مصر بنسبة 75%. خاصة أن أفريقيا لديها قدرة ضعيفة على استبدال الواردات الروسية والأكرانية بالإنتاج داخل القارة، وهو ما يزيد من تعقيد عدم استقرار الإمدادات الغذائية بسبب الصعوبات التي تواجه عمليات النقل نتيجة استمرار العملية العسكرية وصعوبة الوصول إلى البحر الأسود.

3- لا تستورد الدول الأفريقية النفط الروسي، لكنها تواجه تحديات ارتفاع أسعار النفط العالمي الذي يؤثر بشكل كبير على قطاع الكهرباء في أفريقيا، حيث تعتمد السنغال على النفط في توليد 50% من إنتاج الكهرباء لديها، كما أن ارتفاع تكلفة الغاز الطبيعي يجعل توليد الكهرباء أكثر تكلفة في عدد من الدول الأفريقية مثل غانا وكوت ديفوار ونيجيريا.

 مستقبل العلاقات الروسية الأفريقية:

1- قد تمثل الحرب الروسية الأوكرانية فرصة لبعض الدول الأفريقية الغنية بالنفط لإنعاش خزينتها من عائدات الصادرات النفطية إلى أوروبا، فضلًا عن استفادة الدول الأفريقية من التنافس المحتدم بين الروس والغرب الذي ينعكس بكل تأكيد على استقبال المزيد من المساعدات وتنفيذ العديد من المشروعات الاستثمارية في العديد من الدول الأفريقية.

2- يُرجح أن تسعى موسكو خلال الفترة المقبلة إلى استقطاب المزيد من الداعمين والحلفاء الأفارقة من أجل تغيير الكتلة التصويتية الأفريقية لصالحها في الأمم المتحدة.

3- مع توقع المزيد من الاضطرابات في عدد من الدول الأفريقية في ضوء تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، قد يؤدي ذلك إلى زيادة الطلب من قبل بعض الدول الأفريقية على الخدمات الروسية الأمنية للتعامل مع أي تظاهرات أو اضطرابات محتملة ومواجهة المعارضة السياسية، وهو ما يعني تزايد النفوذ الروسي في القارة، وتوسيع رقعة انتشار عناصر فاغنر هناك.

4- قد يدفع تصاعد الدور الروسي في مجال مكافحة الإرهاب في أفريقيا لا سيما منطقة الساحل والصحراء إلى تمسك الأفارقة بالاعتماد على موسكو في هذا المجال، خاصة مع إخفاق فرنسا وشركائها الأوروبيين في تحقيق نجاحات قوية في التصدي للتهديدات الإرهابية ومخاطر التنظيمات الإرهابية التي يتصاعد نشاطها في عدد من المناطق الأفريقية.

تعليقات القراء