القوى الصاعدة والقرن الأفريقي: النزعات الإقليمية المتضاربة

الكاتب: 

القوى الصاعدة والقرن الأفريقي: النزعات الإقليمية المتضاربة[1]

ترجمة: سندس محفوظ[2]

 

إن التآكل التدريجي لأحادية القطبية في المجتمع الدولي وبزوغ النزعات الشعبوية في الغرب بشكل عام أدى إلى اندفاع كثير من القوى الصاعدة والقوى المتوسطة؛ خصوصاً دول البريكس وتركيا صوب دول الجنوب بشكل عام باحثة عن بدائل وساعية لشراكات جديدة في الاقتصاد وفي الأمن بشكل خاص، ولما كانت منطقة القرن الأفريقي تحظى بأهمية استراتيجية استثنائية، كان من الطبيعي أن يُسلط الضوء البرجماتي عليها؛ خاصةً من قبل الدول سابقة الذكر؛ لقد كان هذا هو الفرض الرئيسي الذي بنيت عليه إحدى الدراسات الحديثة المعنونة ب: "القوى الصاعدة والقرن الأفريقي: النزعات الإقليمية المتضاربة"، والتي حاولت الإجابة عن تساؤلين رئيسيين وهما: (1) ما هو تأثير التدخل المتزايد من قبل تركيا على السلم والأمن في القرن الأفريقي؟ (2) هل ستؤدي طبيعة العلاقات بين القوى الإقليمية المتنازعة في القرن الأفريقي إلى إحداث حالة من انعدام الأمن؟ ومن أجل الإجابة عن تلك التساؤلات تناولت الدراسة بالتحليل ثلاثة محاور رئيسية: الأول مفاهيمي يركز على التغير الذي طرأ على مفهوم الأمن، الثاني يركز على التهديدات الأمنية غير التقليدية التي أصبحت تواجه منطقة القرن الأفريقي في ظل تلاشي قيمة الحدود في عصر العولمة، أما الثالث يركز على التواجد التركي المتنامي في منطقة القرن وديناميات اصطدامه بالمصالح الخليجية.

 

أولاً: تطور مفهوم الأمن.

 

لقد ظل المفهوم التقليدي الأمن قبل الحرب الباردة متمحوراً حول الدولة باعتبارها الوحدة الأولى بالحماية، كما ظلت القوة الصلبة هي الأداة الأمثل من أجل الحفاظ على أمن بل وبقاء الدولة في ظل مجتمع دولي يحكمه المبدأ البرجماتي، ومع إعادة الهيكلة العالمية التي حدثت بعد الحرب الباردة – إن صح التعبير- تمت إعادة النظر في المفهوم التقليدي للأمن؛ ففي بداية التسعينيات تحديداً، شهدت كثير من الدول خصوصاً في منطقة القرن الأفريقي ظواهراً سلبية كثيرة كالحروب الأهلية، الفقر، الجفاف، الأوبئة، التفاوت الطبقي...إلخ، وبالطبع لم يكن الهيكل الواقعي لمفهوم الأمن مناسباً لفهم ومعالجة تلك الظواهر، فظهر مفهوم الأمن الإنساني كما طرحه تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 1994، ومن بعده الدراسات النقدية، ومدرسة كوبنهاجن، والدراسات النسوية الأمنية؛ الذين شكلوا في مجموعهم جوهر "الدراسات الأمنية غير التقليدية"؛ التي تفترض أن مفهوم الأمن يتم تشكيله اجتماعياً؛ مما يعني أن الوحدة الأولى بالحماية قد تكون الفرد، الجماعة، الاقتصاد، البيئة...إلخ، كما تقف على تعدد التحديات الأمنية التي أصبحت تواجه تلك الوحدات في القرن الواحد والعشرين، وبالطبع لم تكن القارة الأفريقية بعيدة عن تلك التحديات، بل كانت معملاً جيداً لدراسة التغير الذي طرأ على مفهوم الأمن كما سيتم توضيحه أدناه.

 

ثانياً: التهديدات الأمنية غير التقليدية التي تواجه القارة السمراء في القرن الواحد والعشرين.

 

لقد نوقشت التهديدات الأمنية غير التقليدية التي تهدد القارة السمراء من قبل كثير من الأكاديميين والباحثين، ولكن تظل مجموعة من التهديدات متصدرة قائمة التحديات التي يجب على الدول الأفريقية التعاون والتنسيق فيما بينهم بشأنها وهي: (1) أزمة الهوية وما ينتج عنها من تطرف، (2) الحروب الأهلية، (3) ظاهرة الدولة الهشة Fragile state، (4) وأخيراً العجز في المياة، الطاقة والغذاء.

 

لقد جعلت العولمة التهديدات التي تواجه المجتمع الدولي بشكل عام أكثر تعقيداً، مما أدى إلى تعدد التدابير التي يجب أن تستخدم لتجاوز تلك التهديدات؛ فالتطور التكنولوجي الهائل الذي ربط العالم بأسره أفاد الدول الأفريقية كثيراً ولكنه أدى إلى ما يمكن أن نطلق عليه "أزمة الهوية"؛ فتأثيرات العولمة أحدثت تغيراً كبيراً في أنماط الحياة التقليدية مما جعل الأفراد يشعرون بأن أنشطتهم السياسية، الاقتصادية بل ومشاعرهم ليست مرتبطة بالضرورة بالمكان الذي يعيشون فيه، مما أدى بدوره للجوء كثير من الأفراد إلى التطرف الفكري وإلى الجماعات الإرهابية التي تعمد إلى التأكيد على وحدة الهدف والمصير مما يعالج أزمة الهوية التي يعاني منها هؤلاء الأفراد، ليس هذا فحسب، فلم تكتف العولمة بتعميق أزمة الهوية بل باتت تسهل العمليات الإرهابية فنياً (باستخدام شبكات الاتصالات المتطورة التي تجاوزت الحدود) ومادياً، وتعتبر التسهيلات المادية للمتطرفين وللفاعلين من غير الدول بشكل عام نقطة إطالة أمد الحروب الأهلية في الدولة نظراً للتدفق المطرد للموارد بدون أي عوائق، وعليه تتحول الدولة إلى دولة هشة أو فاشلة لا تمتلك سيادة حقيقية أو قدرة على تحقيق الأهداف من وجود الدولة من الأساس.

 

إذا أضفنا العجز في المياه، الطاقة، والغذاء إلى الإرهاب، الحروب الأهلية، وظاهرة الدولة الهشة سيكون من الممكن فهم حجم تعقيد الوضع الأمني المتأزم في القارة الأفريقية بشكل عام وفي منطقة القرن الأفريقي على وجه التحديد؛ فعلى مدار العشرين سنة الماضية كان الصراع على الموارد من أهم أسباب الصراعات الداخلية، كما كان من أهم دوافع الصراعات بين الدول الأفريقية؛ خصوصاً مع الزيادة السكانية الهائلة وزيادة الطلب على المياه، الطاقة والغذاء، وتعتبر أزمة سد النهضة المشتعلة بين مصر وأثيوبيا أحد أحدث انعكاسات هذا الصراع.

والحق أنه من الخطأ تناول الأوضاع الأمنية التي آلت إليها القارة الأفريقية بدون التمعن في البعد الخارجي الذي زاد الوضع تعقيداً، وهنا سيكون تمدد النفوذ التركي في منطقة القارة الأفريقية ومحاولة موازنته من قبل القوى الخليجية ضلعاً مهماً لفهم الصورة الأمنية في منطقة القرن الأفريقي على وجه التحديد.

 

ثالثاً: التواجد التركي المتنامي في منطقة القرن والاصطدام بالمصالح الخليجية.

إن تركيا باعتبارها قوة صاعدة هامة في المنطقة أنتجت من خلال تفاعلاتها هي وحلفائها وخصومها وضعاً مرتبكاً على المستوى الجيوسياسي، مما أدى بدوره إلى ترحيل الأمن الإنساني إلى ذيل قائمة أولويات القارة الأفريقية، وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أهم محطات التدخل التركي وردة الفعل الخليجية إزائه كما يلي:

 

  1. وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في 2002 كان لحظة فاصلة في توجيه السياسة الخارجية التركية نحو تحسين الصورة المأخوذه عن تركيا في دول خارج الاتحاد الأوروبي، ويبدو أن تركيا قد أعطت أولوية لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، واعتبرت عام 2005 هو "عام القارة الأفريقية" وبدأت بالفعل العمل على توطيد علاقاتها مع دول القارة، والحق أن النجاحات في هذا الصدد كثيرة، يُذكر إقامة تركيا لعلاقات رسمية مع الاتحاد الأفريقي وحصولها على وضع الدولة المراقب، زيارة أردوغان ومن بعده رئيس الوزراء إلى كل من جنوب أفريقيا وأثيوبيا، عقد شراكة إستراتيجية مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا ECOWAS ومع الهيئة الحكومية للتنمية  IGAD، الانضمام إلى بنك التنمية الأفريقي عام 2008 وزيادة التمثيل من خلال فتح المزيد من السفارات إلى آخر مظاهر تقوية الروابط السياسية والاقتصادية مع دول القارة مما أثر كثيراً على مصالح قوى إقليمية في المنطقة؛ على رأسها الصين ودول الخليج.

 

  1. انتقل التدخل التركي في القارة الأفريقية من مستوياته السياسية والاقتصادية إلى المستوى العسكري، فشهد عام 2017 إقامة قواعد عسكرية في الصومال، السودان، وجيبوتي مما

 أدى إلى توجس المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات من التوسع التركي المريب في منطقة القرن الأفريقي بشكل خاص، مما دفع هذا التحالف الخليجي إلى توظيف كافة أدوات السياسة الخارجية لموازنة النفوذ التركي.

 

  1. امتدت الأزمة الخليجية إلى منطقة القرن الأفريقي وتجسدت في صورة سلسلة من الأزمات وكان أبرزها ما يلي:

 

  1. الأزمة بين إريتريا وجيبوتي: لقد قامت كل من إريتريا وجيبوتي بدعم التحالف السعودي وخفضوا علاقاتهم مع قطر، فاندفعت الأخيرة تجاه سحب 400 من قوات حفظ الأمن والسلم من جزيرة دوميرا، فاستغلت إريتريا الفرصة وفرضت سيطرتها على الجزيرة التي ترى جيبوتي أنها تقع ضمن سيادتها المطلقة، مما كون فتيلاً لصراع وتوتر بين الدولتين.
  2. التخوف المصري من تحسن العلاقات بين تركيا والسودان؛ خصوصاً مع الوضع في الاعتبار الخلاف القائم بين مصر والسودان على حلايب وشلاتين.

 

  1. إصابة الصومال بمزيد من الهشاشة أضعف العلاقة بين الحكومة المركزية وإقليم صومالي لاند وبونت لاند نظراً للتنافس التركي الخليجي إبان الأزمة بشكل خاص، ليس هذا فحسب، فرغم حفاظ الصومال على موقف محايد تجاه الأزمة الخليجية، إلا أن السعودية أخذت تضغط على الصومال لقطع علاقتها مع قطر باستخدام الدعم المادي، وعندما أصرت الصومال على موقفها قامت الإمارات بسحب سفيرها كما رحلت مواطنين صوماليين من الإمارات كعقاب للصومال على حياديته تجاه الأزمة.  

 

التعليق:

 

من خلال تتبع الوقائع المذكورة آنفاً نصل إلى حقيقة مفادها أن توسع القوى الصاعدة كتركيا في القارة الأفريقية – رغم مساهمته في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في منطقة القرن الأفريقي على وجه التحديد – أدى إلى تنافس إقليمي محتدم يهدد استقرار وأمن القارة، كما أنه أدى إلى التركيز على إعادة النظرة التقليدية للأمن، مما يعني الرجوع خطوات كثيرة للخلف فيما يخص مواجهة التهديدات الأمنية غير التقليدية التي تفيض بها القارة السمراء.

 

 

    

 



[1]Kabandula, Abigail, and Timothy M. Shaw, “Rising powers and the horn of Africa: Conflicting regionalisms”, Francis and Taylor, In: Third world Quarterly, (Nov. 2018), Available on: https://www-tandfonline-com.libproxy.aucegypt.edu/doi/full/10.1080/01436597.2018.1527684

 

[2] باحثة بالمركز القومي لدراسات الشرق الاوسط

 

تعليقات القراء