تأثير العقوبات الدولية على النظام الإقليمي في الشرق الأوسط

 

                                   د. نانيس عبد الرازق فهمي*

تبنت التجمعات البشرية المنظمة سياسياً العقوبات كأداة للتعامل مع أعدائها ومن أشكالها المقاطعة والحصار الاقتصادي، لتتطور العقوبات في أبعادها الدولية والقانونية والإجرائية مع تشكل نظام وستفاليا "1648"، وصولاً إلى تنظيمها واعتمادها من قبل المنظمات الدولية والإقليمية كأداة لحفظ الأمن والسلم الدوليين، إضافة لتبينها من قبل الدول بشكل منفرد لتحقيق مصالحها، وتعرف على انها كل إجراء يمكن أن يحقق احترام القانون الدولي ويمنع انتهاكه، وبالتالي تعتبر الجزاءات أو العقوبات إجراءات قسرية تطبق في حالة الإخلال بالالتزامات القانونية للدولة، بحيث تستهدف إصلاح سلوك الدولة وحماية مصالح الدول وصيانة الأمن والسلم الدوليين، وقد تأخذ العقوبات طابعاً سياسياً او طابعاً اقتصادياً وتعتبر الأكثر انتشاراً وتأثيراً ومن صورها المقاطعة الاقتصادية او الحصار السلمي القانوني او الحظر الاقتصادي او من خلال القوائم السوداء. *

وقد ازداد الاعتماد على العقوبات خاصة مع نهاية الحرب الباردة، بسبب انخفاض كلفتها مقارنة باستخدام القوة العسكرية، إضافة إلى شرعيتها لارتكازها على أسس ذات طبيعة قانونية وإنسانية، وهي اما عقوبات شاملة او عقوبات انتقائية او ذكية، وتعتبر العقوبات الذكية التي فرضت على إيران والتي اضطرتها للتخلي عن برنامجها النووي كمثال على هذه العقوبات. 

وشهد اقليم الشرق الاوسط جانب كبير من هذه العقوبات سواء بواسطة أطر جماعية كالمنظمات الدولية كالأمم المتحدة وكذلك المنظمات الإقليمية كالاتحاد الأوروبي والذي زادت صلاحياته في فرض العقوبات بعد اتفاقية ماسترخت 1992، أو قد تلجأ الدول بشكل منفرد لفرض العقوبات ضد خصومها أو منافسيها، وبمعني اخر تشهد منطقة الشرق الاوسط عقوبات دولية سواء من خارج المنطقة او من جانب دول داخل المنطقة ضد بعضها البعض والعقوبات الدولية تشمل ايران وتركيا و دول عربية (السودان- ليبيا- سوريا) وعقوبات دولية اقليمية من جامعة الدول العربية ومن جانب دول عربية  (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع قطر وفرضت عليها "حصارا" بسبب دعمها للإرهاب، وهو ما تنفيه الدوحة. 

تعتبر منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم توترا، في ظل تعقد الإقليم والذي يتحدى بطبيعته الأفكار البسيطة التي جرت تجربتها خلال العقود الماضية والتي تمت استعارتها من التجربة الأوروبية في حل الصراعات وصنع السلام والتكامل الإقليمي، والتي هدفت الى صنع السلام خاصة بين الدول العربية وإسرائيل، والعمل من اجل تحقيق التكامل الإقليمي وتحقيق الديموقراطية ([1]). فهذه الأفكار كانت ثقيلة على إقليم الشرق الأوسط فهو منطقة غير مستقرة شهدت صراعات سياسية وعسكرية وتفجرت على ساحتها حروب واضطرابات مسلحة ذات جذور عميقة تاريخيا، وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي، فضلا عما يتصل بحل هذه الصراعات من مصادر جديدة للتوتر الإقليمي تظهر مع الوقت، اضافة الى التخلف الاقتصادي والاجتماعي، وكان نتيجة ذلك كله المزيد من الدول الفاشلة والحروب والتفكك والتراجع التنموي على الأقل بالمقارنة بالأقاليم سريعة النمو في العالم. ([2])

وبعد نشوب الثورات والانتفاضات في العالم العربي تغيرت النظم السياسية في عدد من الدول العربية، وترددت أصداء هذه التطورات السريعة في إقليم الشرق الأوسط كله ولا تزال آثار هذه الثورات وما خلفته من فراغ أمنى ممتدة سواء في شكل صراعات أو حروب أهلية او تغيرات في توازنات القوى الإقليمية.

 وبات شائعا بين المراقبين والمحللين ان الإقليم العربي وربما الشرق الأوسط لن يعود كما كان مرة اخرى، وخاصة مع تزايد حجم وأعداد الفاعلين من المسلحين من غير الدول والذي ادي بدوره الى السماح بتزايد ظاهرة الميليشيات المسلحة والتي تلجأ دائمًا للتعبير عن رأيها باستخدام القوة او بفرض واقع جديد على سياسة الدولة، حتى أصبح الفاعلين من غير الدول بأنواعهم المختلفة يلعبون دورا مهما في استمرار حالة الصراع في الإقليم، بل أصبح الشرق الأوسط هو الملاذ الرئيسي لأهم وأشهر الفاعلين المسلحين من غير الدول ([3])

وفي ظل تطبيق العقوبات الدولية على أطراف معينة في الشرق الأوسط حيث أدت ظروف بعض الوحدات في الإقليم العربي والشرق الأوسط إلى فرض عقوبات عليها (العراق-ليبيا-السودان سوريا) ودول مثل إيران وتركيا، تتساءل هذه الورقة حول تأثير هذه العقوبات الدولية على النظام الإقليمي ككل في الشرق الأوسط من خلال رصد تأثير هذه العقوبات على سياسات القوى الإقليمية الكبرى في الشرق الأوسط وتأثيرها على التحالفات داخل الإقليم سواء بالقوة او الضعف، وذلك على النحو التالي:

سياسات القوى الإقليمية غير العربية أو الشرق أوسطية:

 كانت من احدي نتائج الثورات العربية هي مزيد من حالة السيولة بين النظام العربي ودول الجوار الإقليمي خاصة تركيا وإيران وإسرائيل، وقد عملت جميعها على استغلال وضع الثورات وسقوط أنظمة الحكم في بعض الدول العربية  من أجل السعي لبناء علاقات اقوي مع النظم الجديدة ، او التدخل من اجل دعم  أطراف داخلية محددة، وعكست السياسات والتحركات الإقليمية الخاصة بها ادراكا عميقا لوجود تغييرات جذرية في المنطقة ككل، والوعي الى حد بعيد بالاتجاهات الأساسية التي تسير إليها تلك التغيرات بانتهاء سياسات النظم الحاكمة وتصاعد الدور الشعبي في وضع السياسات.

 كما تعاني  تحركات الدول الثلاث من حالة حراك لا تزال مستمرة في دول المنطقة وبينها ، فإسرائيل لا تزال تشكل تهديدا يتزايد للأمن القومي العربي بسبب حالة الضعف التي تعانيها الأطراف العربية ، رغم ان صورة ما بعد الثورات العربية قد تبتعد نسبيا بالتهديد الإسرائيلي للأمن القومي العربي- اذ تبين ان الفقر والديكتاتورية وغيرها هي لب اهتمام العالم العربي وليس إسرائيل ([4]) -في ضوء حقيقة تصاعد مصادر اخرى محلية وإقليمية  للتهديد لم تكن معروفة قبل اندلاع الثورات العربية ، وانشغال كثير من الدول العربية بخرائط التهديدات الجديدة او المستجدة ، لكن ستظل قضية فلسطين مسألة أمن قومي للدول العربية، خاصة وان ضغوط مصادر التهديد الأخرى الداخلية والدولية التي تواجهها هذه الدول لن تؤدي ابدا الى ضعف موقف التهديد الإسرائيلي  الذي كان وسيظل في صدارة خريطة تهديدات الأمن العربي ، والذي تجددت أخطاره  في أعقاب موجة الثورات العربية عام 2011 .([5])

إيران

إيران حاولت ان تجعل من الثورات العربية امتدادا لثورتها الاسلامية ، وعندما تغيرت الصورة بعد سقوط الاخوان في مصر وامتداد الإرهاب إلى سيناء ، فقد عمدت طهران الى مد نفوذها عبر الطوائف الشيعية في العراق وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، والأخطر من ذلك  الميليشيات الشيعية التي تستولي على الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش بدعم إيراني ، حيث يؤثر ذلك على التوازن الإقليمي فكلما زاد النفوذ الإيراني في المنطقة كلما أدى ذلك الى تأجيج التطرف وصعود الجماعات الارهابية كأحد اهم تداعيات التمدد الشيعي في منطقة الشرق الأوسط. ([6])

 ورغم اختلاف آليات الدور الإيراني وسياساته ومواقفه لكن هدفه واحد وهو تأكيد الدور الإيراني وأهميته في كل الحالات بهدف إنجاح مشروعها القومي على المستوى العربي من خلال محاور ثلاث هي الارتكاز (علاقة إيران مع سوريا ولبنان والعراق وحركتا حماس والجهاد الاسلامي) والمواجهة (علاقة إيران مع مصر ودول مجلس التعاون الخليجي) والتغلغل(علاقة إيران مع اليمن) ([7])، إضافة الى سعي إيران لإعادة بناء علاقاتها مع الولايات المتحدة والغرب من خلال التوصل  الى اتفاق "5+1" بخصوص برنامجها النووي الذي أتاح لها فرصة لنمو اقتصادها بعد إلغاء العقوبات وجعل نفوذها أكثر قوة، وحضورها في المشاكل والأزمات الإقليمية أكثر تنافسية خاصة في الأزمة السورية، وفي تمدد تنظيم داعش وتهديده لها حيث تسعي بذلك الى  تعزيز قدرتها على المشاركة في عملية إعادة صياغة الترتيبات الأمنية والإستراتيجية في المنطقة.([8])

ومنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، وبعد ظهور المعلومات الأولى عن شروع إيران في برنامجها النووي بدأت الدول الغربية تتخذ تدابير لثنيها عن المضي في هذا البرنامج بمحاولة حرمان البرنامج من مصادر التمويل والتكنولوجيا، وقد فرض مجلس الأمن الدولي أربع مجموعات من العقوبات ضد إيران*، كما فرضت الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الأوروبي مجموعات أخرى من العقوبات كانت أولها تلك التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية عقب اقتحام الطلاب الإيرانيين سفارتها في طهران واحتجازهم دبلوماسيين رهائن عام 1979.

وبدأ رفع العقوبات عن إيران عقب إقرار الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران مع مجموعة "5+1" والذي قضى برفع العقوبات المفروضة على ايران، وسمح لها بتصدير واستيراد أسلحة مقابل منعها من تطوير صواريخ نووية، وقبولها زيارة مواقعها النووية، ويأتي استكمالا لاتفاق لوزان، وتم توقيع الاتفاق في فيينا يوم 14 يوليو 2015، لكن بعد انسحاب الرئيس الامريكي ترامب من الاتفاق النووي مع ايران في مايو 2018 ، اعلن اعادة العمل بالعقوبات المفروضة على ايران من اجل ابرام اتفاق جديد بشرط التخلي عن دعمها للجماعات المسلحة في سوريا واليمن والتخلي عن برنامجها للصواريخ الباليستية، وهو ما رفضته ايران، وطبقت الحزمة الاولي من العقوبات الخاصة بالمشتريات الإيرانية بالدولار وتجارة المعادن وغيرها من التعاملات والفحم والبرمجيات المرتبطة بالصناعة وقطاع السيارات في إيران في اغسطس، ثم الحزمة الثانية من العقوبات في نوفمبر 2018 الخاصة بالمعاملات في البترول والمؤسسات المالية الأجنبية.

الولايات المتحدة تعول على هذه العقوبات في محاولة منها لاستدراج الشعب الإيراني للانتفاضة والقيام بحركات عصيان ضد النظام، وهذا تحديدا ما تريده الولايات المتحدة وتتمناه، أي أن الولايات المتحدة تريد أن يمتد ما يسمى بالربيع العربي من الدول العربية التي حدثت فيها الفوضى والانتفاضات الي إيران. ومن الواضح أنّ دونالد ترامب يرغب في أن تتوقف الشركات الأوروبية عن التعامل مع إيران، وإذا نجحت استراتيجيته، فإن ذلك سيترك لإيران محفزات ضئيلة للبقاء في الاتفاق النووي لأن الدول الأوروبية لن تكون قادرة على التمسك بالتزاماتها في الاتفاق، مهما كانت رغبتها في ذلك، كما أن الرئيس الأمريكي يعول على الضغط -من خلال الإعلام-على إيران حتى يحقق مكاسب سياسية في إدارته بالداخل الأمريكي، وعلى لسان وزير خارجيته أعلن عن ضرب إيران وتدمير نظامها، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.

وقد تزامن الاتفاق النووي بين إيران والدول الغربية مع انكشاف لمظلة الأمن الإقليمي واتساع نفوذ إيران، وبدت المنطقة وكأنها بصدد إعادة ترتيب للتوازنات في غير صالحهم[9]،

وكان رهان أوباما الأساسي ومعه مجموعة 5+1 من الاتفاق هو إدخال تغييرات جوهرية على سلوك إيران من بوابة التفاعل الإيجابي، وجرها بعيدًا عن الحالة المتشنجة التي توجه سياساتها تحت وقع العقوبات والضغوط والعزلة، لكن الواقع أن الرهان جاء في وقت كانت إيران بمرجعيتها الدينية والسياسية وبأهدافها الثورية وطموحاتها التوسعية وعلاقاتها الاستراتيجية التي بنتها خلال عقود استشعرت  فرصة تاريخية متاحة لمد نفوذها وتأكيد هيمنتها، في الوقت نفسه الذي تستشعر فيه أن وجودها ذاته أصبح مهددًا[10]، وعلى هذا النحو كان إدراك إيران لذاتها في تلك المرحلة الفارقة التي تمر بها المنطقة متراوحًا بين وجود فرصة متاحة وتهديد قائم، ولهذا فإنها قدرت موقفها أنه على أي حال لا بديل عن أن تتمادى في توسيع نفوذها، ونشر قواتها العسكرية والدفع بالميليشيات المسلحة التابعة لها خارج أراضيها في سوريا واليمن ولبنان والبحرين والعراق، وذلك بوصف تلك الجبهات خطوطًا أمامية للدفاع عن إيران الدولة، أو أنها ساحات مفتوحة بعد «الربيع العربي» لتصدير الثورة، أو كلا الأمرين معًا، وبلا شك أسهم مسار التفاهم الإيراني مع الولايات المتحدة ومجموعة 5+1 في تخفيف حدة الضغوط الدولية على إيران، وانتهى إلى رفع العقوبات الاقتصادية عنها، والإفراج عن مئات المليارات من أرصدتها المجمدة في الخارج. 

ولم يعد خافيا على أحد أن التدخل العسكري لإيران في الملف السوري أطال أمد الحرب، وأقحم النزاع في قالب طائفي لن تسلم سوريا من تبعاته في العقود القادمة، وسوريا على وجه التحديد مثال على عدم الوضوح في الرؤية الأميركية، فبينما تحاصر الولايات المتحدة إيران اقتصادياً، تترك لروسيا ترتيب الوضع في سوريا بما يشمل دور إيران في تقرير مستقبلها.

كما أن إيران غيّرت من معاناة أهل اليمن عبر دعمها لمجموعة الحوثيين، ليصبح اليمن مسرحا لأسوأ كارثة إنسانية في تاريخ البشرية، وفق شهادة الأمم المتحدة، ويضاف إلى ذلك "حزب الله" الذراع السياسية الأبرز لإيران وحركة "حماس" التي يقول معارضوها بأنها الورقة التي تستخدمها إيران لتعزيز الانقسام الفلسطيني الداخلي، إضافة إلى ميليشيات عسكرية منتشرة في أفغانستان وباكستان والعراق والملاحظ أن حركة حماس هي بين الحركات السنية القليلة التي لا تشاطر ملالي إيران انتماءهم الشيعي باعتبارها حركة ذات مرجعية سنية.

وهذا التدخل لم تعد الرواية الإيرانية الرسمية ولا حتى رواية "حزب الله" الذي بررّ تدخله في سوريا بحماية المراجع والمنشآت الشيعية قادرة على حجبه، فقد ذهب الرئيس حسن روحاني إلى القول بأن "الدولة التي ساعدت شعوب العراق وسوريا ولبنان واليمن على مواجهة المجموعات الإرهابية هي إيران"، كما أطلق النائب البرلماني الإيراني علي رضا زاكاني تصريحا كان أكثر وضوحا، وذلك بعد سقوط العاصمة صنعاء بيد الحوثيين قائلا: "انضمام رابع عاصمة عربية، وهي صنعاء، إلى فضاء الثورة الإسلامية، بعد كل من بغداد وبيروت ودمشق".

تركيا

التغيرات التي شهدتها دول الشرق الاوسط بعد انطلاق الثورات العربية  دفعت تركيا لإعادة صياغة سياستها الخارجية  والأدوات التي تستخدم لتعزيز دورها في المنطقة  وعلى رأسها  الأدوات العسكرية، وهو ما ظهر بشكل واضح من خلال المعاهدات والاتفاقيات التي عقدتها مع دول المنطقة في مجال التدريب العسكري واتفاقيات التعاون التقني والعلمي مع اكثر من 67 دولة حول العالم، وأهمها الاتفاقية التي عقدتها مع قطر في ابريل 2014 للتعاون العسكري وانشاء قاعدة عسكرية تركية وهي اول قاعدة عسكرية تركية في الشرق الاوسط  واجراء مناورات عسكرية.

كما ان القلق الخليجي من تنامي الدور الايراني في المنطقة يشكل ركنا أساسيا في تعزيز التعاون العسكري مع الجانب التركي، ومن ناحية اخرى عملت تركيا على استغلال هذه النقطة لتعزيز نفوذها في المنطقة كمواز للدور الايراني.

وتشارك تركيا في عمليات المراقبة العسكرية على الحدود العراقية الايرانية، كما هددت بعملية عسكرية شاملة ودخول منبج السورية إذا لم تخرج الولايات المتحدة وحدات حماية الشعب الكردية من المنطقة، على اعتبار ان القوات التركية تعمل على احلال السلام في المنطقة الواقعة شرق الفرات في سوريا.[11]

 كما تشارك في قوات التحالف الدولي منذ نهاية 2015 لمحاربة تنظيم داعش والمنظمات الارهابية في سوريا والعراق وتعمل على تقديم الدعم اللوجستي والعسكري لقوات التحالف، الامر الذي يعكس رغبة تركيا في تطوير علاقاتها الاقليمية في مواجهة التحالف الذي يضم روسيا والعراق وإيران وسوريا الذي بات مهددا للأمن القومي التركي، كما يشكل تنامي الدور الايراني في سوريا والعراق واليمن، دافعا أساسيا في توسيع دائرة حلفائها في المنطقة، لذلك حرص الجيش التركي على وضع استراتيجيات عسكرية ودفاعية تتضمن:

  • ان تتحول تركيا الى دولة منتجة لاستراتيجيات ومبادرات تحقق الأمن والاستقرار في المنطقة وتحد من الاستراتيجيات الموجهة نحوها ونحو المنطقة.
  • ان تتحول الى عنصر قوة وتوازن في المنطقة
  • ان تعمل على استغلال كل فرصة وتأخذ المبادرة في تحقيق التعاون والتفاهم والعلاقات الايجابية مع الدول المحيطة.

هناك تناقض في المصالح الجيبوبوليتكية بين تركيا وإيران كقوتين إقليميتين في الشرق الاوسط مما يشكل عامل توتر دائم لا سيما وان إيران تمتلك إطماعا توسعية من خلال توظيفها للطائفية في دول جوار تركيا مما يهدد الأمن القومي التركي، وتزايد النفوذ التركي والايراني في العراق نتيجة تراجع وضعف النظام الاقليمي العربي وغياب مشروع عربي.

وفي سوريا ايضا تباينت المواقف التركية/الايرانية فتحركت إيران لدعم النظام السوري على عكس تركيا التي تحركت لإسقاط النظام، ويرى كل طرف منهما ان ما يجري في سوريا يمس أمنه القومي، وربطت تركيا المشروع الاقليمي التركي بتغيير النظام السوري ورأت إيران انما يجري في سوريا مؤامرة خارجية هدفها نقل المعركة الى قلب طهران.[12]

تركيا وجدت في الثورات العربية فرصة لاختراق الإقليم العربي من الشرق الأوسط من خلال علاقاتها مع جماعة الاخوان في مصر وسوريا ومع سقوطهم في مصر تلقت تركيا ضربة استراتيجية كبرى وخسرت احدى أهم ركائز مشروعها للهيمنة في المنطقة لأنها اعتبرت وصول الاخوان لحكم مصر هو توسيع لنفوذها في الوطن العربي ، وأحد اهم أدوات مشروع الشرق الأوسط والعثماني الجديد، لكن سوريا لاتزال المحاولة فيها مستمرة لإسقاط نظام الرئيس بشار الاسد وكانت مستعدة لتجاوز الشرعية الدولية والمشاركة في ضربة عسكرية غربية امريكية عربية لسوريا في سبتمبر 2013، وأصبح التدخل التركي فيها لمواجهة تمدد الميليشيات الكردية شرقا وغربا وما صاحبها من معلومات عن قرب إعلان دولة كردية ، فضلا عن مساندتها في بناء وتشكيل وتدعيم تنظيم داعش تشكيلا وتدريبا ولوجستيا، فضلا عن تنظيم جبهة النصرة ومثيلاتها من التنظيمات التابعة لتنظيم القاعدة  ضربا للنظام السوري أساسا وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا.  ([13])

كما تتدخل تركيا في العراق، وشاركت القوات التركية في معركة تحرير مدينة الموصل شمالي العراق والهدف المعلن الذي تطرحه أنقرة هو حماية أمنها القومي من الفوضى على حدودها، لكن ربما يكون هناك رغبة تركية في اعادة الاتراك الى العراق من اجل حماية التركمان الذين يشكلون أقلية في البلاد، رغم رفض العراق التدخل التركي واعتباره تدخلا في الشأن الداخلي العراقي، وتجاوزاً لمبادئ العلاقات الثنائية وحسن الجوار، ومع ذلك أصدرت تركيا قرارا لتمديد مهمة القوات العسكرية التركية في العراق وسوريا.

 

بالرغم من فرض الولايات المتحدة عقوبات في أغسطس 2018 على وزيري العدل والداخلية التركية على خلفية اعتقال تركيا لقس امريكي على أراضيها -قبل افراجها عنه بعد ذلك-، فضلا عن تهديد الولايات المتحدة لتركيا بفرض مجموعة عقوبات أخرى إذا اشترت أنقرة من روسيا منظومة الدفاع الجوية "إس400". في إطار تطبيق الولايات المتحدة لقانون مكافحة أعداء أمريكا بمساعدة العقوبات"[14]، الا ان تركيا مستمرة في سياساتها الاقليمية وتبرز دورها كموازن اقليمي بالنسبة لدول الخليج العربي خاصة بعد تحالف إيران مع روسيا ودعمها للرئيس بشار الاسد وسياساتها المذهبية في العراق ودعمها للحوثيين في اليمن، كما ان تركيا تستغل القلق المشترك مع دول الخليج من الدور الإيراني في المنطقة من اجل تعزيز التعاون العسكري معها.

والملاحظ انه سيكون التفاعل بين الارهاب وسياسات القوى الإقليمية غير العربية المصدرين الأساسيين للتهديد منتجا لمزيد من الأخطار على المستوى الإقليمي.

وبشكل عام، فإن معظم دول إقليم الشرق الأوسط أصبحت مهددة في أمنها بشكل مباشر، فبعضها يعاني حروبا أهلية مشتعلة بالفعل ومرشحة للاستمرار لفترة طويلة قادمة وبعضها الاخر مهددا باندلاع حروب أهلية بات تجنبها متعثرا وبعضها يعاني عمليات ارهابية يتسع نطاقها يوما بعد يوم، والرابع مشتبك في حروب ضمن تحالفات إقليمية او دولية، ولا توجد دولة عربية واحدة بعيدة عن مرمى الخطر، وأصبح الشرق الأوسط اليوم مريضا تتطلع القوى الإقليمية والدولية الى وراثته، لذا تبدو المنطقة كلها مقبلة على تغييرات جذرية، والارجح ان تفضي الى خريطة سياسية جديدة ترسم حدودها الآن وقد تستغرق عملية ترجمتها على الأرض السنوات العشر القادمة.

كما لا يوجد سيناريو واحد للتغييرات المحتملة لكن أخطرها وأقربها الى الحدوث يتمثل باحتمال اشتعال فتنة طائفية شاملة بين السنة والشيعة في المنطقة ستقود حتما الى حرب إقليمية تتشكل التحالفات خلالها على أسس طائفية، ولن تستطيع القواعد العسكرية الغربية المتواجدة في المنطقة تقديم الحماية للنظم الحاكمة التي تستضيفها لان الحرب لن تأخذ شكل الحروب التقليدية بين جيوش نظامية ، بسبب التنظيمات الارهابية القائمة او التي ستتشكل في المستقبل وستكون طرفا فاعلا في المنطقة  مما سيؤدي الى خلط كبير في الأوراق، وبالتالي في قواعد إدارة الصراعات القادمة، وحتى تشير بعض الكتابات إلى أن أفضل إطار لفهم السياسات الإقليمية في الشرق الأوسط هي بالنظر اليها على أساس انها حرب باردة بين السعودية وإيران على الأدوار القيادية وكذلك على التأثير على السياسات الداخلية للأنظمة الضعيفة في المنطقة،([15]) وذلك في ظل الاصرار على تشكيل تحالفات ومحاور على اساس طائفي.

نتيجة للعقوبات الدولية في الشرق الأوسط تشكيل تحالفات سواء تكونت بالفعل او في طريقها للتشكيل على النحو التالي:

تشكيل ناتو عربي/ تحالف او محور سني:

منذ تقلد الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب منصبه في 20 يناير 2017 كان هناك تغييرات واضحة في مواقف الولايات المتحدة من إيران، وذلك بالمقارنة مع السياسة التي اتبعها باراك أوباما، وتفيد تلك التغييرات بوجود اتجاه جديد تتبناه الإدارة الجديدة فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه إيران، وأهم تلك التغييرات أن هذا الملف أصبح على رأس أولويات هذه الإدارة، لا سيما بعد نجاح المملكة العربية السعودية في عقد قمة الرياض التي كان أحد عناوينها الرئيسية مواجهة خطر إيران،[16] كما أن ترامب بسياسته هذه ضد إيران يريد ابتزاز بعض دول الخليج النفطية كي يكسب منها الأموال ليعوض خسارات اقتصاد أمريكا الداخلي، الأمر الذي يزيد من قوة التحالف او المحور السني الذي تريد الولايات المتحدة الامريكية تشكيله ضد ايران.

يشمل الاتهام الرئيسي الذي توجهه الولايات المتحدة لإيران في تهديد أمن المنطقة، وأمن إسرائيل والدول العربية على حد سواء، وهناك إجماع قوي بين هذه الأطراف الثلاث على أن إيران "العدو الأكبر"، لذلك تواترت أنباء عن سعي إدارة الرئيس ترامب لتشكيل تحالف أمني وسياسي جديد يشمل دول الخليج ومصر والاردن، بهدف التصدي للتوسع الإيراني في المنطقة. وأن البيت الأبيض يريد تعزيز التعاون مع دول الخليج العربية ومصر والأردن في إطار تطبيق سياسة "أمريكا أولا"؛ للتخلص من جزء من عبء مواجهة التهديدات الأمنية الإقليمية، وإلقائها على عاتق حلفاء الولايات المتحدة في أنحاء العالم.[17]

ويشمل التحالف الدفاع الصاروخي والتدريب العسكري ومكافحة الإرهاب وقضايا أخرى، مثل دعم العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الإقليمية، وهو بمثابة نسخة عربية من حلف شمال الأطلسي أو "ناتو عربي" للحلفاء المسلمين السنّة، وأطلق عليه مؤقتا اسم "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي" بشكل يعمل كحصن في مواجهة العدوان والإرهاب والتطرف الإيراني،[18] وسوف يرسى السلام بالشرق الأوسط"، وسيركز هذا التحالف على الدولتين الخليجيتين الأكثر تأثيرا في المنطقة، وهما السعودية والإمارات للعمل عن كثب مع إدارة ترامب لمواجهة إيران الخطوة التي من شأنها ان تزيد التوتر بين الولايات المتحدة و إيران ، والمحتدم بالفعل بشكل متزايد منذ أن تولى الرئيس دونالد ترامب السلطة.

وقد كشف استمرار المقاطعة العربية لقطر عن اخفاق مجلس التعاون الخليجي في تحقيق اهدافه وتلبية طموحات شعوب دوله، مما أضعف من قدرته على مواجهة ابسط التحديات والمخاطر، وفي القمة الأخيرة لمجلس التعاون الخليجي رقم 39 ديسمبر 2018 كانت هناك محاولات لتحريف بوصلة الاجتماع تجاه إيران إلا أنها قوبلت بالرفض من قبل البعض على اساس ان تحديات المنطقة الأهم تتمثل في استغلال الولايات المتحدة الخلاف الايراني الخليجي لصالحها ومحاولة ابتزاز هذه الدول وتخويفها من إيران.

وفي نفس السياق، يأتي تحالف البحر الأحمر بين الدول العربية المطلة على البحر الأحمر من اجل تحقيق استقرار المنطقة، وهو آلية للتشاور من اجل استقرار البحر الاحمر يمكن تطويره ليكون تحالف جاهز حال فشل الناتو العربي حيث يمكن ان يكون مظلة امنية في مواجهة النفوذ الايراني والتركي.

تحالف قطري تركي ايراني

بعد تطبيق أربعة دول عربية(مصر-السعودية-البحرين-الامارات) لعقوبات اقتصادية تمثلت في المقاطعة والحصار الجوي لقطر على خلفية دعمها للإرهاب، وهو ما تزال تنفيه قطر، لجأت قطر لتشكيل تحالف موجه ضد الدول العربية يضمن هذا التحالف استمرار سياسة قطر المعادية للمنطقة للإضرار بالدول العربية، فتواجد جيش تركي ايراني داخل الدوحة لحماية أميرها ليس إجراء تعني به الدولتين خاطر العائلة القطرية وانما له أهداف أخرى.

ورغم عدم تلاقي إيران مع سياسات قطر في بعض الملفات كالملف السوري واليمني، لكنها تلاقت مع قطر في موضوع التحالف، بل هي من أكثر المستفيدين منه، ووجدت فيه فرصة سانحة للتواجد في منطقة الخليج العربي لاستفزاز المملكة العربية السعودية وهذا ما أرادته قطر أيضا، واستعانت قطر بقوات ومستشارين من الحرس الثوري الإيراني، فضلا عن الاتصالات المتبادلة بين تميم وروحاني لتوثيق العلاقات بين البلدين مما سيدفع إيران للتحكم بشكل مباشر في القرار القطري.

كما تستفيد تركيا وخاصة رئيس وزرائها من الانضمام لهذا التحالف كمحاولة لتصدير أزماتها الداخلية الى الخارج فضلا عن خوفها أن يتكرر معها نفس السيناريو القطري، فمعظم الأسباب التي دفعت الدول الداعية لمكافحة الارهاب لقطع علاقاتها مع قطر تتوافر في تركيا من دعم وإيواء عناصر ارهابية واستضافة قنوات تحريض ضد الدول العربية وسياسة خارجية تتسبب في الإضرار بالمنطقة العربية، وهو ما دعا تركيا لتقديم كل الدعم لقطر.

محور امريكي/ تركي –محور روسي/ ايراني /سوري:

تعد سوريا ساحة لفاعلين اقليميين ودوليين رغم فرض عقوبات على النظام والدولة السورية وعلى إيران وتركيا، حيث انه في ظل غياب اتفاق أمريكي /روسي على الحل في سوريا، تستثمر روسيا في عقدة تركيا تجاه الأكراد، للضغط على الولايات المتحدة الامريكية، في حين أن هذه الأخيرة بدورها لم تستطع استقطاب الحليف التركي بسبب عجزها عن تطمينه فيما يتعلق بالخطر الكردي على الحدود التركية في شمال سوريا. بمعني وجود حلف أمريكي تركي ضد الحلف الروسي الايراني، لكن في نفس الوقت هناك خلاف تركي/ أمريكي حول دعم الولايات المتحدة لقوات الحماية الكردية التي تعتبرها تركيا جزء من حزب العمل الكردستاني الذي يهدد أمنها القومي، كما ان تركيا في نفس الوقت لن تغامر بعلاقتها مع موسكو في سوريا، بسبب تشابك مصالحها معها في ملفات خارج سوريا، تتعلق بانطلاق عمليات خط أنابيب الغاز الطبيعي “ترك ستريم” بين روسيا وتركيا، وبإمكانية تسليم روسيا منظومة الدفاع الجوي الروسية أس-400 إلى الجيش التركي خلال العام القادم.ورغم فرض الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة عقوبات على روسيا منذ بدء الصراع الأوكراني عام 2014، فقد ازدادت شعبية الرئيس بوتين في روسيا، حينما استغل العقوبات المفروضة على بلاده لتعزيز تشكيل عقلية شعبه الوطنية، وإقناعه بأن هذه العقوبات ما هي إلا مؤامرة غربية، لتدمير مركز موسكو الدولي والعمل على تدهور معيشة الشعب الروسي، وهذا بدوره عزز الدعم الشعبي للسياسة الخارجية الروسية التي تم استخدامها لدعم سوريا في مواجهة القوى العسكرية المدعومة من الغرب.

فعالية /تأثير العقوبات:

يتضح من التجارب أن العقوبات الاقتصادية سلاح ذو حدين، فالحكومات المحاصرة يمكن أن تبتكر أساليب لتعويض النقص من أسواق أخرى، أو زيادة الاعتماد على المنتج المحلي، كما يمكن إيجاد خطوط ائتمانية من بعض الحلفاء لضخ الاستثمارات، وتطوير الاقتصاد، أو الحفاظ على مواقعها في الحكم، في وقت تتراجع فيه وتيرة النمو في الدول، التي تفرض العقوبات مع تراجع الصادرات، وازدياد البطالة، وفي ظل العولمة وهيمنة الشركات العابرة للقارات، تلعب المصالح ورأس المال دورا كبيرا في إزالة الحواجز، وإجبار الحكومات على إلغاء العقوبات والقيود، وتحتدم المنافسة على الدخول في أسواق البلدان، التي ترفع عنها العقوبات.

تلجأ الولايات المتحدة لسياسة العقوبات وهي ليست جديدة، وكانت قد اتبعتها ضد الاتحاد السوفييتي سابقا، واتبعتها ضد كل الدول بما فيها كوريا الشمالية، واتبعتها مع ايران منذ 35 عامًا، لكن هذه العقوبات لم تؤثر كثيرا على ايران، فالدول الصديقة لإيران كثيرة وباستطاعتها أن تقف ضد هذه العقوبات، وتستطيع أن تجعل من العقوبات الأمريكية غير مؤثرة كثيرا على الاقتصاد الإيراني وعلى وضع إيران في المنطقة، كما أنها  تتناسى أن في ايران النظام متماسك والشعب ملتف حول نظامه، لأن أي عدوان خارجي أو أي محاولة للتدخل في الشئون الداخلية الإيرانية سوف تؤدي إلى جمع كافة الأطياف في إيران إن كانت من المعارضة أو حتى من النظام، لأن أي اعتداء خارجي سوف يوحدهم ضد التدخلات الأمريكية السافرة بشؤونهم الداخلية.

لذلك أكد الرئيس الإيراني حسن روحاني أنّ بلاده مستعدة بشكل جيد لمواجهة إعادة فرض العقوبات عليها من قبل الولايات المتحدة وأن الشعب الإيراني قوي، واتهم الولايات المتحدة بشن حربا اقتصاديا على بلاده مؤكد ان طهران لن تلتفت الى لغة التهديد التي تتبعها الادارة الامريكية قائلا سننتهك العقوبات بكل فخر ولن ننحني ابدا الى لغة القوة والضغط ،نحن في حرب اقتصادية وسنفوز بها" وأضاف ليس للعقوبات أي تأثير على اقتصادنا لان امريكا بالفعل استخدمت كل الأسلحة المتوافرة لديها ولم يكن هناك شيء جديد تستخدمه ضدنا".[19]

وفي هذا الإطار لا بد من التذكير ايضا  بما قاله الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال لقائه حشد من الإيرانيين المقيمين في فيينا: إن "فرض العزلة على الشعب الإيراني الذي هو هدف إجراءات أمريكا الجدیدة سیكلفهم ثمنا باهظا جدا وسیكون الشعب الإيراني أكثر مقاومة مما مضي أمام ذلك، وأضاف روحاني: "لو كانت الإجراءات الأمريكية ضد جزء أو مجموعة خاصة في إيران، لربما كان بإمكانهم أن يفعلوا شيئا ما، لكنهم الآن يقفون ضد الشعب الإيراني كله، وهم يوجهون رسائل تهديد لأي شركة أو مصرف يقيم علاقات مع إيران من أجل قطع هذه العلاقات". وليس بإمكانهم قطع خطوط اتصال العالم مع إيران.

كما انه من غير المحتمل أن يؤدي تطبيق العقوبات إلى وضع حدّ لمشكلة الانتشار النووي الإيراني، فغياب أي حوافز تجارية، قد يزيد من احتمال عودة إيران إلى تخصيب اليورانيوم على نطاق واسع.

وقد تمثل الافتراض البديهي الكامن في جوهر سياسة إدارة ترامب حيال إيران في أن تقليص موارد الأخيرة عن طريق فرض العقوبات الاقتصادية عليها سيقلص أنشطتها المثيرة للقلق في الخارج، فتهدف العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على إيران في 5 نوفمبر الماضي، على حد تعبير وزير الخارجية مايك بومبيو، إلى دفع إيران للاختيار: "فإما أن تناضل للمحافظة على اقتصادها في الداخل أو أن تستمر في تبديد ثرواتها الثمينة على معارك في الخارج. لن يكون لديها الموارد التي تمكنها من فعل الأمرين معا ً"، غير أن المعطيات التاريخية بالكاد تظهر أي علاقة تناسبية بين الموارد المتاحة لإيران وسلوكها الإقليمي، وعلى العكس من ذلك، فإن مدى شعور الجمهورية الإسلامية بالتهديد أو بوجود فرص في جوارها هو الذي يحدد سلوكها بدرجة كبيرة. بالقياس على هذا المعيار، فإن سياسة إدارة ترامب العدوانية بفرض عقوبات من المرجح أن تعزز النشاط الإقليمي لإيران بدلا من كبح جماحه.

كدليل على أن حالات الركود الاقتصادي لا تؤدي بالضرورة إلى كبح جماح النشاط الإقليمي لإيران، فإن الفترة التي تشكل أكبر دليل على ذلك هي الفترة الواقعة بين عامي 2011 و2015 ألحقت ً شبكة خانقة من العقوبات الدولية ومتعددة الأطراف باقتصاد البلاد أضرار ، الذي تقلص بمعدل 7.7 ً % في عام 2012 مع تراجع الصادرات النفطية إلى النصف، وانخفاض قيمة العملة بمعدل 200 %وارتفاع معدل التضخم إلى نحو 40 % رغم ذلك فقد تزامنت هذه الفترة مع ما يعتبره كثيرون التوسع الأكبر للتدخل العسكري الإيراني في المنطقة، نتيجة الانتفاضة التي حدثت في سوريا، وتصاعد خصومة ايران مع السعودية والحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وطبقا لمعهد استكهولم الدولي لأبحاث السلام، فإن عمليات نقل الأسلحة التي قامت بها إيران لحلفائها في سوريا والعراق وصلت إلى أوجها في هذه الفترة ([20])، ورغم شح الموارد في الداخل لم يمنع إيران من تقديم خط ائتماني بمليارات الدولارات لدمشق وصلت إلى أوجها في هذه الفترة، ولا من حشد الميليشيات الشيعية من أفغانستان، وباكستان والعراق للقتال في سوريا، كما أن إيران زادت من دعمها للمتمردين الحوثيين في اليمن، وتدريبهم ومدهم بالعتاد.

و من الناحية الاقتصادية فإن الاقتصاد الإيراني يمتاز عن اقتصاد باقي الدول باعتماده استراتيجية محلية عنوانها " الاقتصاد المقاوم "، وهو ما جعل إيران تتبع سياسة اقتصادية تقشفية في مجملها وهذه الإستراتيجية  نجحت في جعل إيران تصمد أمام العقوبات الشديدة والتي امتدت لسنوات عديدة، ومن خلال هذه الإستراتيجية تمكنت إيران من تنمية الخبرات الداخلية والنهوض بها، كما وجعلت الاقتصاد الإيراني مرنًا محميًا من الصدمات والضغوط الخارجية التي كانت تحاول الدول الغربية فرضها على ايران لتتنازل عن حقها في امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية.[21]

يجادل منتقدو خطة العمل المشتركة الشاملة لعام 2015 أن إيران أصبحت أكثر عدوانية في أعقاب الاتفاق النووي الذي وفر لها مليارات الدولارات التي كانت في أصول مجمدة، لكن تصعب الإشارة إلى أي شيء فعلته إيران بعد الاتفاق – من دعم المتمردين الحوثيين في اليمن إلى دعم النظام السوري – لم تكن تفعله قبل الاتفاق، لكن كان هناك تغير واحد ملفت؛ فقد حدثت زيادة بنحو 30 % في الموازنة العسكرية للبلاد. لكن ذلك ينبغي تقييمه في السياق الصحيح، فإن حتى هذا الارتفاع الكبير الذي حدث في ً العام 2016 أعاد الإنفاق إلى المستويات التي كان عليها في العام 2009، ولم يحدث ارتفاعا – غير مسبوق الأكثر أهمية من ذلك هو أن إيران كانت توسع انخراطها الإقليمي في وقت انخفض فيه إنفاقها العسكري (2011-2015)، مما يشير إلى أن هذا التوسع حدث نتيجة فرصة متاحة أو ما اعتبر أنه ضرورة، وليس لسبب اقتصادي، وأن الزيادة في الانفاق الدفاعي ليس لها بالضرورة أثر ملموس على الأرض ولا يشكل هاجسا أمريكيا رئيسيا. [22]

قد تختار إيران التراجع تكتيكيا أو إيقاف أنشطة معينة كما فعلت في الماضي، كما أنه من المنطقي أن تتمكن عندما تتمتع بموارد إضافية من الاستمرار في توسيع نفوذها الإقليمي. لكن ليس هناك في تاريخ الجمهورية الإسلامية ما يشير إلى أن العقوبات ستؤدي إلى تحول جوهري في سياستها الخارجية. إن الاعتقاد بغير ذلك يعني إساءة فهم مصادر سلوك إيران، والذي يستند إلى فكرة أن العمق الاستراتيجي، الذي يتحقق عبر تقديم الدعم للحلفاء، والشركاء والوكلاء، أمر حيوي لأمنها الوطني. لقد سمح الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982، والغزو الأميركي للعراق في العام 2003 والحرب التي تقودها السعودية في اليمن منذ العام 2015 لإيران باستغلال الفوضى وتعميق نفوذها، وفي جميع هذه الحالات، استغلت أخطاء خصومها وملأت الفراغات الأمنية التي أحدثتها الدول الفاشلة.

 في الوقت الراهن، وبالاعتماد على جهود الموقعين الذين ظلوا ملتزمين بخطة العمل المشتركة الشاملة ً لتوفير شريان حياة اقتصادي في وجه العقوبات الأمريكية الأحادية، يبدو أن إيران تتبع مسارا حذرا نسبيا ً في المنطقة،[23] فقد أحجمت إلى حد بعيد عن الرد عسكريا على 200 ضربة جوية إسرائيلية على أصولها في سورية وعن الانخراط في مناوشات مع الأسطول الأميركي في مضيق هرمز[24].

ثمة بديل أفضل وهو يتطلب من إدارة ترامب ألا تتجاهل المصالح الإقليمية لإيران، فإن السلوك الأكثر حكمة يتمثل في معالجة الدوافع السياسية للصراع، المتأثرة بالعوامل الداخلية. كي تتمكن من الاستفادة من الضغوط التي نجحت في مراكمتها ضد إيران لإحداث تحول في سياستها، سيترتب عليها الاعتراف بأن لها هواجس أمنية مشروعة، وأن تقر إيران بأنها طالما اتبعت سياسات يعتبرها جيرانها وآخرون عدوانية، فإن التوترات ستستمر وستخاطر بنشوء مواجهة عسكرية مباشرة. لأنها كلما اعتمدت عقيدتها الأمنية على الحروب الخارجية، كلما أثارت ردود فعل عدوانية من قبل خصومها، فإن تحقيق درجة أكبر من الاستقرار الإقليمي ممكن فقط إذا تحركت الولايات المتحدة لتقديم تطمينات أمنية ذات مصداقية لإيران، وبالمقابل مطالبة إيران بالسماح لحلفائها من غير الدول الاندماج في الأنظمة الأمنية والسياسية لبلدانهم والتوقف عن نشر تكنولوجيا الصواريخ البالستية في سائر أنحاء المنطقة.

رغم أن هذا يشكل هدفا ً بعيد المنال حاليا، ينبغي على الطرفين العمل مع اللاعبين الإقليميين الآخرين لإقامة هيكلية أمنية شاملة تشمل إيران، إلا أنه يصعب تصور مثل هذا التحول في السياسات بالنظر إلى موقف الإدارة الراهن حيال إيران.

الأكيد أن العقوبات على إيران ستكون عنواناً جديداً من عناوين الحرب التجارية العالمية التي أطلقتها إدارة ترامب، وساحة من ساحاتها، وعلى الرغم ان احدى أهمّ العقوبات تلك المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، وهو ما يعني أنّ قطاع النفط سيشهد انخفاضًا بنسبة 20 في المائة أو ما يصل إلى نصف مليون برميل يوميًا وثبت أنّ سلاح النفط أداة فعالة في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ولكن في الوقت الحالي لا ترغب آسيا وأوروبا في الانضمام إلى الولايات المتحدة في فرض العقوبات، وهذا ما قد يحدّ من حجم الخسائر في مجال الطاقة في إيران.

وتحاول إيران الاستثمار في حالة اضطراب حاصلة في العلاقات الدولية بين الكيانات الاقتصادية الكبرى، وتسجيل نقاط لصالحها تخفف قدر المستطاع من تأثير العقوبات الأمريكية عليها وربما يكون هذا ممكناً على المدى القصير، لكن أبعد من ذلك سيغدو الأمر صعباً، خاصة مع نية الولايات المتحدة تنويع خياراتها وتصميم حزم جديدة من العقوبات يستحيل معها على الدولة الرافضة خرق جدار العزلة المفروض على طهران، وأخطر من ذلك التهديد بعمل عسكري إذا ما استمرت إيران في تحدي الإرادة الامريكية، وتهديد جيرانها.

وستكون الأشهر القليلة المقبلة حافلة بالرهانات حول مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، فالتصعيد الجاري حاليا قد يراوح مكانه لفترة من الوقت، وقد ينفجر بمواجهة عسكرية كبرى إذا ما تجاوزت إيران حدودها مع إدارة أمريكية مستعدة دائماً للحرب، على الرغم من وجود أصوات داخل النخبة الأميركية تعتقد أن المفاوضات بين الطرفين ممكنة حتى في ظل العقوبات.

لدى الولايات المتحدة الأمريكية طريقة واحدة في التعامل مع الدول، ألا وهي القوة وفرض العقوبات والاملاءات، وقد فرضت أمريكا عقوبات على إيران لأكثر من ثلاثة عقود ولم تنجح بكسر شوكتها أو إخضاعها، بل استطاعت إيران أن تتطور في كل المجالات وتعتمد على نفسها بكل شيء، كما فرضت الولايات المتحدة العقوبات على روسيا ولكن جاءت نتيجة العقوبات بعكس ما أرادته الولايات المتحدة تماما.

ولا شك أن ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الإقليميون وفرض عقوبات علي إيران والسعي لتشكيل تحالف سني ضد إيران سيؤجج التوتر في المنطقة بذريعة تأمين الاستقرار في الشرق الأوسط". ولن يسفر هذا النهج عن أي نتائج، بخلاف "توسيع الفجوات بين إيران وحلفائها الإقليمين من جانب والدول العربية المدعومة من الولايات المتحدة من جانب آخر.

ومن بين العقبات الكبرى المحتملة أمام التحالف السني المزمع بقيادة الولايات المتحدة الامريكية تلك المقاطعة المستمرة منذ 13 شهرا من جانب السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر، التي تستضيف أكبر قاعدة جوية أمريكية في المنطقة. واتهمت تلك الدول قطر بدعم الإرهاب وهو ما تنفيه الدوحة.على الرغم ان هناك بعض الآراء ترى ان الخلاف ليس عقبة في تشكيل التحالف المزمع.

في نفس السياق ، ووفقا لما صرح به ولي العهد السعودي  حول قدرة بلاده على حماية نفسها ومواجهتها لأي تهديد، وكذا تصريح أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتي للشئون الخارجية بإن بلاده مستعدة لنشر مزيد من القوات في أنحاء الشرق الأوسط لمواجهة خصومها؛ لأنها تعتقد أنه لم يعد بوسعها الاعتماد على حلفاء غربيين مثل الولايات المتحدة وبريطانيا يستوجب علي السعودية والامارات  العمل -باعتبارهما ركيزتا الأمن والاستقرار خاصة في منطقة الخليج، ويصعب الحديث عن بناء أي معادلات أمنية او منظومات علاقات اقليمية بمعزل عن هاتين الدولتين اللتين اثبت تحالفهما- على صون الأمن القومي الخليجي والعربي والذي يستلزم جهود كل دولة عربية وعلي رأسهم مصر والسعودية والإمارات، والعمل على تنشيط  مجلس التعاون الخليجي كمنظمة اقليمية نشطة تعمل على تعزيز الامن والاستقرار الخليجي.

وتبقي دائما القضية الأهم في العقوبات هي مدى فاعلية هذه العقوبات في التأثير على سلوك الدولة المستهدفة، في أنظمة الحكم في القوى الاقليمية المؤثرة في الشرق الاوسط (تركيا-إيران) أنظمة حكم شمولية، ولا يزال الجدل قائماً لدى باحثي العلاقات الدولية وخبراء القانون الدولي حول تقييم أثر العقوبات وقدرتها على تعديل سلوكيات الأنظمة الشمولية أو دفع التحول الديمقراطي لهذه الأنظمة. حيث يدرك أنصار العقوبات الشاملة وكذلك الانتقائية تباين فاعلية العقوبات في التأثير على الأنظمة الشمولية، ويرجعون ذلك إلى عدة عوامل متشابكة، كطبيعة اقتصاد الدولة المستهدفة ونظامها السياسي وموقعها الجغرافي وحجم قوتها ومدى توافر شركاء داعمين لها، إضافة لحجم وقوة الدول المشاركة في تطبيق العقوبات، علاوةً على نوع العقوبات وقسريتها، وكذلك شرعيتها من حيث استنادها إلى أسس قانونية ومبررات أخلاقية.

لذلك يشكك أنصار هذا التيار بفاعلية العقوبات على الأنظمة الشمولية تعديلاً لسلوكياتها أو تغيراً لبنيتها، أو عدم جدواها في إحداث الأثر المرغوب في الأنظمة الشمولية (بل قد تؤدي العقوبات إلى نتائج عكسية، أو تدعيم شرعية الأنظمة الشمولية من خلال استغلالها العقوبات لتعبئة الرأي العام في مواجهة العدو الخارجي، وهو ما نجح الرئيس الايراني ورئيس ووراء تركيا وامير قطر، ومن النتائج العكسية أيضاً للعقوبات، تعزيز تماسك النخبة الحاكمة للأنظمة الشمولية، ونجاح الأنظمة الشمولية في إعادة هيكلة اقتصاداتها بالاعتماد على شبكات بديلة رسمية وغير رسمية تتيح لها التحايل على نظام العقوبات أو التخفيف من حدته، وبما يضمن لها ولمؤيديها احتكار المنافع، وتحميل السكان الكلف السلبية الناجمة عن العقوبات كما حدث في الحالة العراقية [25]

فلم تفلح العقوبات في إسقاط أو تغيير نظام صدام حسين مما استدعى تدخلاً عسكرياً في عام 2003.

كذلك الحال في سوريا تخضع نظاماً ودولةً ما قبل 2011 إلى عقوبات أمريكية وذلك على خلفية تهم تتعلق بدعم الإرهاب وتهديد المصالح الأمريكية في العراق وزعزعة الاستقرار في لبنان وتطوير أسلحة دمار شامل. وقد اكتسبت العقوبات بعداً دولياً في عام 2011 بعد أن تبنتها عدة جهات دولية وإقليمية (الاتحاد الاوروبي –جامعة الدول العربية ) ودول خارج اطار المنظمات الاقليمية والدولية (الولايات المتحدة الأمريكية –تركيا-سويسرا –استراليا-كندا-اليابان)  رداً على قمع النظام لحركة الاحتجاجات السلمية ،  شملت العقوبات الاقتصادية منع التعاملات المالية والتجارية مع المشمولين بالعقوبات وتجميد أرصدتهم المالية وحظر سفرهم ووقف التعامل مع البنك المركزي السوري، ووقف التبادلات التجارية الحكومية مع الحكومة السورية باستثناء السلع الاسـتراتيجية التـي تؤثر على الشعب السوري، وتجميد الأرصدة المالية للحكومة السورية ووقف التعاملات المالية معها، وتجميد تمويل مشاريع على الأراضي السورية من قبل الدول العربية   وغيرها، لكن نتائجها ما تزال مثار تقييم من قبل الاقتصاديين وباحثي العلاقات الدولية ولكل منظوره، حيث يؤمن الاقتصاديون بتأثير العقوبات وفي نجاحها بتحقيق أهدافها، مستشهدين بتراجع مؤشرات الاقتصاد الكلي وتنامي الضغوط الاقتصادية على المواطنين السوريين، بينما يستشهد الباحثون في مجال العلاقات الدولية بالمثال السوري للتدليل على ضعف فعالية العقوبات في تعديل سلوكيات الأنظمة الشمولية أو دفعها باتجاه التحول الديمقراطي، بدليل أنها أسهمت في إيجاد بنى مصلحية متحالفة مع النظام.فرغم الحصار الاقتصادي المفروض جزئيا عربيا منذ نهاية 2011، والعقوبات الغربية المتتالية أخفقت في إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، وفي المقابل فإن أكثر من 10 ملايين سوري يعانون في داخل البلاد بسبب نقص الأغذية والدواء والفقر، إضافة إلى المعاناة من ويلات حرب شردت ملايين ودمرت البنية التحتية للبلاد.وتمكن النظام من الاستمرار في الحكم بخلاف التوقعات السابقة.

وهذه العقوبات يفترض أن تكون أداة في يد المجتمع الدولي إلا أن بعض القوى الدولية أصبحت تستخدمها منفردة فارضة إملاءاتها وما يتماشى مع مصالحها الخاصة، فأصبح بإمكان بعض الدول أن تفرض حزمة من العقوبات الاقتصادية على دول أخرى، مستغلة فهمها الخاص لنصوص المعاهدات والمواثيق الدولية وفق مصالحها". مثل العقوبات الأمريكية بأنواعها كافة ليس هدفها الضغط السياسي، فأهدافها بعيدة المدى، وهي تسعى للتدمير المبرمج لكل أسباب الحياة. ‏‏وتهدف العقوبات الأمريكية سواء تلك التي فرضتها واشنطن منفردة أم بالاشتراك مع الدول الغربية أو التي فرضت برغبة أمريكية من خلال مجلس الأمن، تهدف إلى منع أي دولة في العالم وبجميع الوسائل بما فيها القوة الغاشمة من امتلاك القوة اللازمة لحماية نفسها من العدوان وكذلك تهدف إلى حماية الكيان الإسرائيلي وإبقائه متفوقا لكي يواصل احتلاله وعدوانه، كما ترمي إلى استنزاف ونهب الخيرات الاقتصادية للدول المعاقبة، وإبقاء الدول الحليفة لواشنطن تحت سيطرتها وجرها باستمرار لتأييد المواقف الأمريكية، وأخيرا تهدف إلى السيطرة على منابع النفط ومصادر الطاقة الأخرى واستخدامه كوسيلة ابتزاز ضد الدول المنافسة لها.‏‏

ورغم تعدد العقوبات المفروضة على أطراف معينة في الشرق الاوسط الا انها لم تؤت تأثيرها المطلوب في النظام الاقليمي في الشرق الاوسط من حيث عدم حدوث أي تغييرات في سياسات كل من ايران وتركيا- وهم تحت تطبيق العقوبات -تجاه أزمات النظام الاقليمي العربي خاصة اليمن وسوريا ، او على  المقاطعة العربية الجزئية لقطر، بل على العكس استمروا في سياساتهم ودخلوا في تشكيل تحالفات تحفظ مصالحهم في المنطقة في ظل غياب مشرع عربي أو تراجع النظام الاقليمي العربي، لذلك تعد العقوبات سلاح غير فعال بالنحو الكامل نظرا لإمكانية التكيف مع العقوبات والالتفاف عليها والتخفيف من آثارها بدعم مباشر وغير مباشر من الحلفاء (روسيا، إيران) في حالة سوريا  من جهة، وبالاعتماد على شبكات مصلحية تنتشر في عدة مناطق من العالم من جهة أخرى، والهند والصين وغيرهم  في حالة ايران، وتركيا وايران في حالة قطر، كذلك ضعف فاعلية العقوبات في إضعافها لتماسك النخبة الحاكمة، نظراً لافتقادها التكامل والإجماع الدولي ولنظام مرن للتقييم والمتابعة والتشاركية، فضلا عن تباين فاعلية العقوبات على الأنظمة الشمولية تعديلاً لسلوكياتها أو تغيراً لبنيتها، ويعود ذلك إلى أسباب متشابكة تتعلق بأطراف معادلة العقوبات "المرسل، المستهدف، الشركاء"، وبنوع العقوبات "شاملة، ذكية"، ومدى شرعية العقوبات. وبصفة عامة، يتطلب تصميم برنامج عقوبات فعال تحليل شامل وموضوعي للجهات المستهدفة من حيث بنيتها ومصالحها ومواردها وشبكة علاقاتها ونقاط قوتها وضعفها، إضافة لاستناده على إجماع دولي، وعلى إمكانية لتوظيف القوة العسكرية لإنفاذ العقوبات. يضاف لما سبق ضرورة بناء نظام لرصد وتقييم أثر العقوبات بما يتيح إمكانية تعديل العقوبات لزيادة فاعليتها.

وواضح أن المتضرر الأكبر من العقوبات والحصار هي الشعوب، فحسب تقديرات الخبراء فإن نجاح العقوبات في بلوغ أهدافها المعلنة لا يتجاوز خمسة في المئة، وعلى العكس استطاعت بعض الدول تنمية مواردها الداخلية الاقتصادية، ولم تسقط أنظمتها بل ترسخت وازدادت قوة مثل النموذج الايراني.ولابد من الإشارة إلى ازدواجية المعايير الغربية، فقد فرضت عقوبات على الاتحاد السوفيتي في سبعينات القرن الماضي على خلفية منع اليهود من الهجرة إلى الكيان الصهيوني.وتعرضت شعوب عربية للحصار والجوع، وفي المقابل لم تخضع إسرائيل لأي نوع من العقوبات الاقتصادية والتجارية رغم عدم تطبيقها العشرات من قرارات مجلس الأمن، والمئات من قرارات الأمم المتحدة، ومواصلة احتلالها للأراضي الفلسطينية وقتل المدنيين وقمعهم.الأمر الذي يشكك في فعالية العقوبات ومصداقيتها.

 

* دكتوراه في العلوم السياسية. متخصص في شئون الأمن الإقليمي ونزع السلاح النووي

* عمليا يستخدم سلاح المقاطعة والعقوبات الاقتصادية منذ قرون، وفي الفترة بين إنشاء الأمم المتحدة وانتهاء الحرب الباردة تم اللجوء إلى هذا السلاح مرتين بمقتضى قرار أممي في حالتي روديسيا 1966 وجنوب إفريقيا 1977، لكن هذا السلاح أشتهر كثيرا بعد عام 1990 في وجه العراق ويوغوسلافيا السابقة، وكذلك هايتي والصومال وليبيا وليبيريا وأنغولا ورواندا والسودان وإيران. وعمدت واشنطن وبعض حليفاتها إلى فرض عقوبات أحادية أشد وطأة على عدد واسع من الدول من دون قرار أممي.

 

([1](Peawitz, Jan  and James F. Leonard, a zone Free of Weapons o f Mass Destruction in the Middle East, (Geneva: United Nations Institute for Disarmament Affairs , UNIDIR, 96/24, p3

(2) د.عبد المنعم سعيد، ما بعد الربيع العربي: الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، مجلة السياسة الدولية، (القاهرة: مؤسسة الأهرام، العدد 201، يوليو2015)، ص 47

([3]) Wiliam Moraes Roberto &Ana Carolina Melos,The Situation regarding non-state actors in the Middle East, UFRGS Model United Nations, vol.2,2014, p.p247-293

(1) عاموس يادلين، رياح التغيير في الشرق الأوسط من منظور إسرائيلي، مجلة الدراسات الفلسطينية، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية ،87، صيف 2011)، ص 159

(2) هاني خلاف، العالم العربي: تحديات جديدة واستجابة منقوصة، مجلة شؤون عربية، (القاهرة: الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، عدد 156، شتاء 2013)، ص 198-200

(3) Sly,Liz, Five Thoughts Petraeus has about the future of the Middle East, The Washington Post,20\3\2015 -  in http://goo.gl\3W05pj

(1) مزيد من التفاصيل انظر: د.على الدين هلال واخرون، حال الامة العربية 2013-2014: مراجعات ما بعد التغيير، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،2014)، ص 97-113

(2) باسم راشد، التوازن المرن: تصاعد ادوار القوى الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، اتجاهات الأحداث، (القاهرة: المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، العدد 15، مايو2015)، ص39

* في ديسمبر 2006، ومارس 2007، ومارس2008 ويونيو 2010

[9] محمد عباس ناجي: ما بعد الصفقة. الاتفاق النووي الإيراني ومستقبل الشرق الأوسط، كراسات استراتيجية، القاهرة: مؤسسة الأهرام، العدد 256، سبتمبر 2015، ص 11، 12.

[10] مصطفى اللباد: الاختراق المحتمل، أبعاد الرهان الأميركي على الاتفاق النووي، مجلة رؤى مصرية، القاهرة: مؤسسة الأهرام، العدد مايو 2015، ص 12.

[11] اردوغان: تركيا ستدخل منبج السورية مالم تخرج امريكا المساحين الاكراد، صحيفة الاهرام، 14/12/2018

[12] رانيا محمد طاهر، الدور الاقليمي التركي في ظل ثورات الربيع العربي، انقرة: مركز سيتا للدراسات: مجلة رؤية تركية، العدد 4 مجلد 2 ،2013

1 د. مصطفى علوي، الحرب على داعش: تفاعلات إقليمية ودولية، مجلة السياسة الدولية، (القاهرة: مؤسسة الأهرام، العدد 199، يناير 2015) ص 84

[14]  من الصعب استعادة العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة في حال حصلت أنقرة على منظومة "إس400، https://arabic.sputniknews.com/world/201806261033357536-

(1)GauseIII ,F.Gregory, Beyond Sectarianism: The New Middle East Cold War, (Doha: Brookings Doha Center Analysis Paper No. 11, July 2014), pp2-3

[16] مركز الدراسات والبحوث ، السياسة الاميريكة تجاه ايران بعد ترامب: ضغوط مكثفة ومواجهة غير مستبعدة .. https://rasanah-iiis.org/%D9%85%D8%B1%D9%83%

 

1 ترامب يسعى لإحياء فكرة تشكيل "ناتو عربي" للتصدي لإيران  https://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN1KH2LI

 

2  المرجع السابق

[20] قاعدة بيانات معهد استكهولم الدولي لأبحاث السلام حول نقل الأسلحة، متوافرة على الموقع:www.sipri.org/databases/armstransfers.

[21] محمد رمضان، ملفات معقدة: الصراع الاقليمي في الشرق الاوسط، المركز العربي للدراسات والبحوث، 12/3/2018 http://www.acrseg.org/40684

 

[22] مجموعة الازمات الدولية، لا منطق من اعادة فرض العقوبات الامريكية على ايران، بروكسل: مجموعة الازمات الدولية، اوراق لشرق تالاوسطرقم 46 ،نوفمبر 2018،ص 5

[23] تقرير مجموعة الأزمات حول الشرق الأوسط رقم 185 ،كيف يمكن لأوروبا أن تساعد في إنقاذ الاتفاق النووي الإيراني، 2 مايو 2018؛

[24] Israel says struck Iranian targets in Syria 200 times in last two years”, Reuters, 4 September.2018; “Iranian boats mysteriously stop harassing U.S. Navy”, Daily Beast, 8 October 2018

[25] تأثير العقوبات الدولية على الأوضاع الداخلية في الإقليم، مجموعة الخدمات البحثية نقلاً عن المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية، رابط إلكتروني Https://Goo.Gl/Qrusfk

 

تعليقات القراء