العدد 66

تاريخ العدد: 
April 2015

افتتاحية

يصدر هذا العدد من دورية أوراق الشرق الأوسط في ظل تطورات عديدة تشهدها مصر والدول العربية والمنظومة الدولية والإقليمية معاً، فمصرياً تتأهب الساحة السياسية الحزبية لإجراء الانتخابات البرلمانية بعد أن أوشكت اللجنة القانونية لمراجعة قانون الحقوق السياسية ومباشرة العملية الانتخابية والنظام الانتخابي على الانتهاء من مهامها وبعد أن أجرت الحكومة عدة لقاءات للتعرف على وجهة نظر الأحزاب والقوى السياسية في التعديلات الانتخابية المطلوبة، ومن الواضح أن هناك حرصاً رئاسياً ووزارياً على الوصول لتفاهم سياسي وحزبي مبدئي يحصن مجلس النواب القادم من أية دعاوى قضائية محتملة وبهدف التوصل لاستقرار في بنية النظام السياسي المصري بالجملة.

كما لا تزال الحكومة تواصل جهودها لمواجهة الأعمال الإرهابية من قبل جماعات الإرهاب التي تعمل على ترويع الوطن وإنهاك الأجهزة الأمنية في حرب مفتوحة ليس في سيناء وإنما أيضاً في بعض عواصم المحافظات، وبهدف عرقلة أي خطوة أو إنجاز يحدث ومحاولة عرقلة بناء الدولة المصرية وتحقيق إنجازات حقيقية على الأرض في ظل رؤية القيادة السياسية على أن تمضي في طريقها لتحقيق النهضة المطلوبة خاصة مع الإجراءات الاقتصادية المتعددة التي اتخذتها الحكومة لتصويب مسار الاقتصاد الوطني، وإعادة تدوير حركته اعتماداً على القدرات الذاتية والإمكانيات الوطنية، فضلاً عن تهيئة المناخ لجذب الاستثمارات الخارجية.

ولا شك أن تحقيق إنجازات داخلية ونجاح الدولة في الوصول لمنظومة عمل ناجحة ليس في مجال المشروعات العملاقة التي أعلنت عنها القيادة السياسية فحسب وإنما أيضاً إدراك المواطن البسيط لعائدها وانعكاس ذلك على نمط معيشة المواطن وهو المستهدف بالأساس من أي تنمية أو مخطط تسعى الدولة للوصول إليه.

وقد ترجمت الدولة المصرية التزاماتها العربية والقومية بالمشاركة في عملية "عاصفة الحزم" في اليمن لتأكيد شرعية الرئيس اليمني هادي منصور، وأعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي للرأي العام أن الشعب سيحاط بكل ما يجري بشأن الدور المصري في اليمن وأن هناك ضوابط للحركة المصرية العسكرية، وأنها جاءت بعد استكمال جميع الإجراءات الدستورية، وأن هذه المشاركة تتم في إطار علاقات مصر العربية والتزامات مصر تجاه الأشقاء العرب، وحرصاً على الأمن القومي المصري خاصة وأن الاقتراب من باب المندب وتهديد الملاحة في المضيق امتداداً لقناة السويس يعد خط أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه، خاصة وأن تفاعلات الدور المصري في الخليج لن تتوقف عند التعامل مع الأزمة اليمنية وإنما ستطرح امتداداً للدور المصري بطبيعة الحال في أزمات المنطقة خاصة مع تداعيات اتفاق "الإطار" النووي الموقع بين إيران والولايات المتحدة والذي سيتحول بعد عدة أشهر لاتفاق نهائي في يونيو المقبل وهو ما سيجعل سائر الملفات العربية (سوريا، العراق، فلسطين، لبنان، اليمن) تتأثر بتداعيات الاتفاق ما يجعل الجانب العربي متوجساً ومرتاباً في أي حركة أمريكية إيرانية متوقعة وربما كان هذا الهاجس هو الذي دفع الإدارة الأمريكية لدعوة قادة دول مجلس التعاون الخليجي في 13 مايو المقبل لبحث المسألة اليمنية وآفاق الدور الخليجي، وفرص الحل السلمي.

وتباشر مصر دورها في التوصل لحل الأزمة السورية المستمرة من خلال دعوة الأطراف المختلفة من أطياف المعارضة السورية للاجتماع في القاهرة هذا الشهر استكمالاً لحوار جرى منذ شهرين للتوصل لإطار حل سياسي يمكن أن يبدأ من خلاله تفاهم جديد، ولا شك أن استدعاء الدور المصري في ملفات الإقليم يعكس القناعة بأهمية هذا الدور لإعادة التوازن للموقف الإقليمي ومواجهة التحديات التي تواجهها المنطقة.

كما نجحت مصر في توقيع اتفاق إطار بشأن مشروع "سد النهضة" بالتوافق مع إثيوبيا والسودان مما يهيئ المناخ الإيجابي للمفاوضات التفصيلية المتعلقة بالجوانب المختلفة للقضية، ونجح الرئيس عبد الفتاح السيسي في توجيه رسالة مصر عبر البرلمان الإثيوبي لتؤكد على حقوق مصر المائية، وأن مسألة الأمن المائي لمصر قضية "وجود" وبالنسبة للشعب الإثيوبي قضية "تنمية" وقد مثل هذا الخطاب مقاربة هادفة لاحتواء الحساسيات المتراكمة لدى الرأي العام الإثيوبي إزاء مصر مما سيكون له أثراً إيجابياً على مجمل علاقات البلدين رغم أن ذلك يتطلب متابعة دائمة من مؤسسات الدولة بعد أن فتحت خطوة السيد الرئيس الباب أمام إمكانية إحتواء الخلافات من خلال التعاون المشترك، وليس تحقيق مصالح جانب على حساب آخر.

وفي إطار تحرك مصر تجاه "الشرق" كانت العلاقات المصرية مع روسيا والصين واليابان والهند حيث عبرت مجمل اللقاءات الرسمية وزيارات الوفود الآسيوية لمصر عن الاستمرار في سياسة تنويع الخيارات الخارجية تحقيقا للمصلحة الوطنية المصرية دون الاعتماد على حليف بعينه، مع التأكيد في نفس الوقت على أن الشراكة المصرية الأمريكية ستستمر ولا يمكن تفكيكها وانها تتضمن مجالات عديدة وأن مصر لا تستبدل حليفاً بآخر،وقد وقعت الدولة المصرية اتفاقيات للحصول على صفقات سلاح لتطوير إمكانيات "الجيش المصري" من فرنسا وروسيا في خطوة تؤكد  قدرة مصر على التحرك والحصول على أفضل فرص لتدعيم قواتها المسلحة في ظل مراوغة أمريكية لدعم مصر سياسياً واستراتيجياً، والمؤكد أن مصر تجاوزت مرحلة حرجة في علاقاتها الخارجية وقد حسمت الدول المترددة حيادها حيث تم توجيه الدعوة للقيادة السياسية لزيارات أوروبية ومنها ألمانيا كما بدأت دوائر عديدة في الكونجرس وبعض اللجان المتخصصة والمتابعة لتطورات الوضع المصري في نقل رسائل إيجابية عن مصر والتأكيد على دور مصر المحوري والاستراتيجي في الشرق الأوسط.

ومن المؤكد أن الأزمات الدولية والإقليمية تلقى بتبعاتها على وضع العالم العربي ودوله المركزية بالأساس لهذا كان حرص مصر أن تطرح ومن داخل النظام الإقليمي العربي الدعوة لتشكيل قوة عربية مشتركة للتدخل في الأزمات عند الضرورة، وقد تمت الموافقة على الطرح المصري خلال القمة العربية الأخيرة بشرم الشيخ، ومن المقرر أن يجتمع رؤساء الأركان للدول العربية تمهيداً لتشكيل هذه القوة وتحديد مهامها وأولوياتها واستراتيجية الحركة الخاصة بها وتشتمل هذه الخطوة -في حال نجاحها- أحد أهم خطوات إحياء النظام الإقليمي العربي ليواجه تحديات النظام الشرق أوسطى والذى يسعى إلى تقويض دعائم النظام العربي وإحلاله بنظام إقليمي تدخله أطراف إقليمية أخرى على حساب الواقع العربي الراهن.

مجمل القول إن الدولة المصرية وقيادتها السياسية –رغم حجم التحديات الداخلية والخارجية– استطاعت اجتياز فترة حرجة من تاريخ الدولة بفضل التحركات المتوازنة داخلياً وخارجياً للتعامل بجدية مع القضايا الداخلية وتوسيع إطار الحركة في الدوائر المختلفة للسياسة الخارجية خاصة العربية والإفريقية.