العدد 73 أكتوبر- ديسمبر2016

تاريخ العدد: 
April 2017

 

افتتاحية العدد

 

لواء/ أحمد الشربيني

 

يصدر المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط العدد (73) من دورية "أوراق الشرق الأوسط" في ضوء مجموعة من التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة العربية والإقليم والعالم في ظل ترقب وصول رئيس جديد للولايات المتحدة سيعيد ترتيب الحسابات الأمريكية السياسية والاستراتيجية في أنماط وتفاعلات العلاقات مع الدول العربية وفي آسيا وفي النطاقين الأوروبي والأمريكي اللاتيني.

    فعلى المستوي العربي والمشهد المغربي خاصة، عكست التطورات على الساحة الداخلية أزمة سياسية واضحة جراء عدم انتهاء رئيس الحكومة المكلف "عبد الإله بن كيران" من المشاورات اللازمة لتشكيل الحكومة الجديدة وفق نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حيث لم يتمكن من توفير الأغلبية البرلمانية الكافية لتشكيل حكومته (198 صوتاً على أقل تقدير) بسبب احتدام الخلافات بين القوى الحزبية والسياسية المتمسكة بشروطها للانضمام للحكومة المقبلة لاسيما حزبي الاستقلال، والتجمع الوطني للأحرار، مما دعا العاهل المغربي التدخل أكثر من مرة للضغط من أجل تسريع المشاورات، وستظل التخوفات السياسية قائمة من الذهاب لسيناريوهات إجراء انتخابات مبكرة أو تكليف قيادة توافقية أخرى من داخل حزب العدالة والتنمية لتشكيل الحكومة مازالت قائمة، أما التطورات على صعيد السياسة الخارجية فقد شهدت تقدماً ملحوظاً في ضوء سلسلة الزيارات الناجحة للعاهل المغربي لعدد من الدول الأفريقية في سبيل إعادة احياء الدور المغربي في أفريقيا عبر فتح المجال لشراكات استثمارية تنموية هامة.

كما شهدت تونس العديد من التطورات، ففي الوقت الذي صعد فيه سقف التوقعات المتفائلة للأثار الإيجابية التي طرحتها نتائج المؤتمر الاستثماري الدولي الذي انعقد بتونس أواخر نوفمبر الماضي على المشهد التونسي، توالت مجموعة من التطورات المتلاحقة والمتزامنة التي أحدثت اختلالاً في تقييم مستقبل الوضع الأمني والسياسي بالبلاد، ويأتي في مقدمة تلك التطورات حالة الجدل المثارة تجاه تبعات التلويح بعودة الإرهابيين التونسيين من مناطق القتال في سوريا والعراق وليبيا وغيرها والذي أكد ‌استمرار تخوف القوى السياسية الحاكمة بتونس وعلى رأسها حركة النهضة الإسلامية، من خطورة الاقدام على تشريع قانون لاحتواء العائدين ومن ثم يحرص من خلال تحالفه مع حزب "نداء تونس" على التمهيد لقبول الفكرة مجتمعياً، بالإضافة الي إحتمال حدوث تداعيات عملية الاغتيال التي طالت المهندس محمد الزواري في أحد محافظات الجنوب التونسي، وتورط فيها جهاز الموساد بدعوى أنه قيادي تنظيمي ومنتمي لكتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس، وهو ما أثار نقاشاً حول أداء المؤسسات الرسمية وخاصة الأمنية، وواقع العلاقات التونسية – الإسرائيلية.

وفيما يتعلق بالحالة الجزائرية، شهدت الجزائر مؤخراً موجة تغييرات كبيرة على الصعيد السياسي والأمني، مما يعكس الجدل السياسي القائم بين مختلف الأطراف السياسية في الجزائر، حول صعوبة المرحلة الراهنة، وما يتعلق بها من ترتيبات لمرحلة ما بعد الرئيس الحالي "عبد العزيز بوتفليقة"، في ظل الحالة الصحية المتدهورة للرئيس، وتداعيات ذلك داخلياً وخارجياً، وإرهاصات التقارير المختلفة التي تشكك في قدرة "بوتفليقة" في إدارة شئون البلاد. 

وختاماً سيشهد "العالم العربي" جملة من التطورات المفصلية التي تدفع العالم العربي لإعادة ترتيب الأولويات وفقاً للتغيرات الإقليمية والدولية، ولعل إعلان انعقاد القمة العربية المقبلة في الأردن في مارس المقبل سوف يمثل فرصة مناسبة لبحث التحديات المطروحة.

وعلي صعيد العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، مازال المشهد السياسي مجمداً علي مستوي المفاوضات المقترحة روسياً وفرنسياً ومصرياً وفي ظل استمرار حالة الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية وتحرك إسرائيل لفرض سياسة الأمر الواقع من خلال استكمال بناء 7100 وحدة سكنية في القدس والتخطيط لتحقيق أغلبية سكانية في القدس الكبرى مع التعامل مع تبعات (قرار 2334) الصادر يوم 23 ديسمبر 2016 في مجلس الأمن، وفي ظل ترقب إسرائيل لأبعاد وتداعيات انعقاد مؤتمر باريس خلال الفترة المقبلة، إضافة لدخول روسيا علي خط الوساطة لعقد لقاء نتانياهو – محمود عباس في موسكو.

     علي جانب أخر تخطط إسرائيل للتعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة بمنظور واقعي نفعي مباشر والسعي لتطوير برنامج المساعدات بالإضافة لإنتظار قرار الإدارة الأمريكية بنقل السفارة إلي القدس وهو ما يمكن أن يثير إشكاليات عربية وإسلامية ودولية عديدة.

     أما علي صعيد التطورات علي المشهد الإيراني، فتشهد السياسة الداخلية والإقليمية قدراً من التشابك والتعقيد، خاصة فيما يتعلق بتدهور الأوضاع الصحية للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية أية الله علي خاميني خلال الفترة الماضية بما سيؤدي لتداعيات علي مستقبل إيران وسط حديث عن صراع علي السلطة في إيران، خاصة وأن أي تحول سيحدث سوف يأتي في أخطر وقت من تاريخ إيران الذي امتد علي طول 35 سنة، بسبب ما يجري من تغيرات سياسية واجتماعية محلية غير مسبوقة من ناحية وبسبب الأحداث الإقليمية والدولية من ناحية أخري، علاوة علي إعلان إيران عن إمكانية إقامة قواعد بحرية في سوريا واليمن، وكذا التأكيد علي ضرورة وجود أسطول بحري في بحر عمان، وأخر في المحيط الهندي بدعوي التواجد في البحار البعيدة والتصدي لأعمال القرصنة، ويعد هذا التوجه الإيراني الأخير بمثابة نقطه انطلاق للمشروع الإيراني التوسعي من أجل التمدد وفرض النفوذ على مختلف دول المنطقة، مما قد يؤدي الي دخول دولها في دائرة سباق جديد للتسلح، حيث سيسعى كل طرف لتعزيز قدراته العسكرية، مما يزيد من إنهاك اقتصاد دول المنطقة.

   تتزامن تلك التطورات علي المستويين العربي والإقليمي مع بدء تولي الإدارة الامريكية الجديدة، والتي لم تتضح أو تتأكد حتي الآن تفصيلات سياساتها سواء تجاه منطقه الشرق الأوسط أو تجاه القوي الكبرى(روسيا-الصين-اليابان..)، وهو ما يتطلب استشراف جديد لمنظومة المصالح العربية في إطار السياسات الجديدة للإدارة الامريكية.