ملف العدد 75 من مجلة أوراق الشرق الأوسط

تاريخ العدد: 
October 2017

 

 

افتتاحية العدد

 

لواء/أحمد الشربيني

 

يصدر المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط العدد (75) من دورية "أوراق الشرق الأوسط" في ضوء مجموعة من التطورات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة العربية والإقليم والعالم.

    فعلى المستوي العربي، أعلنت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر واليمن والحكومة الليبية المنبثقة عن البرلمان المعترف به دولي في 5 يونيو 2017 عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر وسحب بعثتها الدبلوماسية من الدوحة، رداً علي مواقف قطر الداعمة والممولة للجماعات الارهابية في المنطقة، فضلا عن تدخلها المستمر في الشؤون الداخلية لدول الجوار العربي والخليجي، وإقامة علاقات مع إيران وجماعات طائفية مرتبطة بها في دول خليجية وعربية، بما يتنافى مع التزامات قطر خليجياً وعربياً، وهو ما آثار العديد من التساؤلات حول مستقبل تماسك واستقرار مجلس التعاون الخليجي، وكذلك تساؤلات حول مدي قدرة الدولة القطرية علي الاستمرار في هذا التعنت والإصرار علي التمسك بمواقفها، خاصة في ظل عدم وضوح رؤية حاسمه للإدارة الأمريكية في هذه الازمة حتي اللحظة الانية.

كما تشهد الازمة السورية تطورات سريعة ومتلاحقة، على الصعيد الميداني اشتد الصراع على منطقة شرق سوريا حيث يرغم نظام الأسد وحلفائه في فتح محور دمشق – بغداد وهو الامر الذي تقاومه قوات المعارضة السورية ومن خلفها قوات التحالف بالمرصاد، حيث سبق وقصفت طائرات التحالف قافلة لمقاتلي النظام وحلفائه كانت متجهه لنقطة التنف الحدودية، أيضا اشارت تقارير لوجود سبع ارتكازات مختلفة لقوات أمريكية في منطقة شرق الفرات تهدف لدعم قوات المعارضة التي تهدف لإجهاض خطط النظام في السيطرة على الشرق، وعلى الصعيد السياسي فلم ينتج عن مؤتمر استانة 5 او جنيف 7 نتائج ملموسة، إلا ان التطور الأبرز يتمثل في اتفاق روسي امريكي وتفاهم اردني على هامش قمة العشرين على إقامة منطقة  "تخفيض تصعيد" بجنوب غرب سوريا (درعا والسويداء والقنيطرة) على أن يمتد لاحقاً للشمال السوري.

أما فيما يتعلق بالمشهد العراقي وترتيب الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق، خاصة بعد إعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تحرير مدينة الموصل على يد القوات العراقية من قبضة تنظيم داعش، وذلك في 10 يوليو الجاري، وذلك بعد مرور265 يوماً على انطلاق عمليات قادمون يا نينوى ومعارك تحرير الموصل، وعلى الرغم من أهمية هذا الانجاز الا انه ستظل المهمة الأكثر اهمية وخطورة هي تلك المتمثلة في إعادة ترتيب الأوضاع السياسية والأمنية للمدينة، في ظل تصاعد وتيرة التحديات الأمنية والسياسية والاجتماعية لمرحلة ما بعد الموصل، ولعل من أهم هذه التحديات تلك المتعلقة بإدارة مدينه الموصل نظرا لما تواجهه المدينة من تصاعد في الخلافات القومية والطائفية بسبب التنوع الاثني والعرقي، بالإضافة الي عدم وجود برنامج حكومي ودولي واضح في المناطق المحررة خاصة في ظل الازمة الاقتصادية، علاوة علي صعوبة سيطرة الحكومة العراقية على المناطق المحررة بسبب العدد المحدود للقوات المقاتلة، ولكن التحدي الأخطر يتعلق بصعوبة تحقيق المصالحة الوطنية في العراق، وهو ما ادي الي الإعلان عن تأجيل مؤتمر المصالحة الوطنية العراقي، الذي كان من المزمع عقده في 15 يوليو الجاري، برعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة الامريكية ودول غربية وعربية أخرى.

كما يبدو المشهد السياسي التونسي والمغربي، مركزاً في الفترة الأخيرة حول كيفية إعادة ضبط السلم الاجتماعي وتعزيز المبادئ الديموقراطية في ظل تصاعد الظاهرة الاحتجاجية وتداعياتها على الاستقرار الأمني والسياسي وقطاعات الإنتاج في كلا البلدين، ففي تونس فرض اعتصام تطاوين جنوب البلاد نفسه على المشهد، إلى أن تمكنت الحكومة بعد مفاوضات مع المعتصمين ومنظمات العمل من إعادة فتح الطريق المؤدي لمنطقة عمل الشركات الأجنبية العاملة في حقول النفط بصحراء تطاوين.

وقد تمكن البرلمان التونسي من المصادقة على مشروع قانون انشاء المجلس الوطني للحوار المجتمعي كمجلس استشاري وظيفته تنظيم الحوار المجتمعي وادارته في القضايا الاجتماعية والاقتصادية وفي مخططات التنمية والميزانيات الاقتصادية، الأمر الذي قد يساهم في تخفيف حدة التوتر بين الحكومة والاتحاد العام للشغل واتحاد الصناعة والتجارة، بيد أن ثمة تشكيك في مدى نجاح المجلس بسبب تعدد الجهات الممثلة للعمال والنقابيين في البلاد لاسيما بعد عام 2011، وهو تشكيك يضاف إلي حزمة العراقيل التي تواجه مؤسسات وهياكل هامة مثل اللجنة البرلمانية المعنية بالتحقيق في شبكات تجنيد وتسفير الشباب إلي بؤر التوتر بالمنطقة كسوريا والعراق وليبيا، فضلاً عن الجمعيات التي تحصلت على تمويلات من دول اقليمية يشتبه في تمويلها للإرهاب.

وفي المغرب، تمثل احتجاجات الحسيمة شمال المغرب، المتواصلة منذ قرابة ثمانية أشهر بؤرة للأحداث المحلية، لما تخللها من اعمال شغب واعتداء على مرافق الدولة، وتدخلت المؤسسة الملكية لاحتواء أزمة الاحتجاجات بعد فشل المؤسسات التنفيذية في استيعابها عبر تنفيذ المشاريع التنمية المحلية المقررة بالإقليم منذ عام 2015، والمثير للانتباه أن الاحتجاجات كشفت عن عمق الأزمة التي تعيشها مختلف مؤسسات الدولة المغربية بجانب المؤسسات السياسية والاجتماعية الوسيطة التقليدية (التنظيمات الحزبية والنقابية)، بالإضافة إلى حجم الصراعات والخلافات السياسية بين مكونات الحكم في كلا البلدين، ومثال على ذلك الخلاف بين جناح عبد الاله بن كيران وجناح سعد الدين العثماني حول كيفية أداة ازمة الحراك الريفي، -كل حسب مصالحه-.

وعلى صعيد التطورات الخاصة بأزمة سد النهضة والعلاقات المصرية الأثيوبية، فلا تزال إشكالية عدم الانتهاء من الدراسات الفنية في الموعد الذي تم الاتفاق عليه بسبب الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا على التقرير الاستهلالي للمكتب الاستشاري وهو ما يمثل عقبة أمام المسار الفني لسد النهضة، الأمر الذي يتماشى مع سياسة أثيوبيا القائمة على المراوغة والمماطلة حتى الانتهاء من بناء السد وبدء عمليات التخزين دون مراعاة الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل.

    وفي إطار العلاقات الخارجية للسودان بدول الإقليم، فقد انعكست الأزمة الخليجية القطرية على توجهات السياسة الخارجية لنظام الإنقاذ وما مثله ذلك من صعوبة بالنسبة الموقف السوداني المطالب بتحديد اختياراته بكل وضوح تجاه هذه الأزمة، فقد وجد نظام الإنقاذ نفسه محكوماً بين حسابات المكسب والخسارة، فما بين الالتزام الأخلاقي تجاه قطر التي دعمته سياسياً واقتصادياً طوال فترة حكمه من جهة، وبين الالتزام بتحالفاته الاستراتيجية الراهنة مع كل من السعودية والإمارات من جهة أخرى. خاصة وأن نظام الإنقاذ يسعى دائماً لتعظيم مكاسبه سياسياً واقتصادياً (حيث تخطط الخرطوم لجذب استثمارات اجنبية مباشرة تقدر ما بين 10 – 15 مليار دولار خلال عام 2017)، عن طريق تبني سياسة خارجية برجماتية تقوم على التزام الحياد الإيجابي وتعزيز التحالف الاستراتيجي مع القوى الإقليمية والدولية بهدف الحفاظ على المصالح الوطنية للسودان.

وأفريقياً، فقد أقرت قمة دول الساحل التي ضمت رؤساء خمس دول أفريقية بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إنشاء قوة إقليمية مشتركة لمكافحة المجموعات الارهابية المنتشرة في المنطقة تحت مسمى "التحالف من أجل الساحل، بهدف مكافحة الهجمات الإرهابية التي تستهدف مالي والدول المجاورة، وملاحقة منفذيها عبر الحدود والتي يمكن لمصر أن تقوم بالتنسيق مع هذه الدول في إطار تبادل الخبرات الخاصة بمكافحة الإرهاب.

أما فيما يتعلق بتصاعد حدة الخلاف في ايران بين الرئيس حسن روحاني والحرس الثوري الإيراني، خاصة بعد تعيين القائد العام للحرس الثوري الإيراني اللواء الركن محمد علي جعفري، للعميد إسماعيل كوثري، قائداً لمقر (ثار الله) الذي يعتبر مركز قيادة عمليات الحرس الثوري لتأمين العاصمة طهران، علاوة علي اتهام المرشد الأعلى خامنئي الحكومة الحالية بالعجز في إدارة الملف الثقافي وبخلط القضايا الأساسية بالقضايا الثانوية، وعلي الرغم من حدة  هذا الصدام فإن أغلبية الخبراء والمراقبين يشككون في إمكانية تطوره ليصل إلى عزل الرئيس كما ألمح المرشد في بعض تصريحاته، نظراً لاختلاف الظروف بين حالتي بني صدر وروحاني، فبني صدر اتُّهم بالخيانة والتآمر مع الأميركيين، أما خلافات خامنئي مع روحاني، فهي تقتصر على مسألة تحديد السياسات الأفضل لخدمة إيران، خاصة وان الرئيس حسن روحاني يستند لقاعدة شعبية واضحة كشفتها الانتخابات الرئاسية الأخيرة وهو ما لم يكن يمتلكه بني صدر.