ملامح وتداعيات تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة

Researchers: 

منح مجلس النواب اللبناني الحكومة الثقة رسمياً يوم 15/2/2019 بأغلبية 111 نائب من أصل 117 نائباً حضروا جلسة التصويت، رفض ست نواب مثلوا حزب الكتائب، إضافة لثلاث نواب مستقلين، وكانت الحكومة قد أُعلن عن تشكيلها يوم 31/1/2019 بعد فترة تجاوزت ثمانية أشهر من المشاورات إثر خلافات سياسية، وقد ضمت الحكومة 30 وزيراً منهم 17 وزيراً جديداً بينهم أربع سيدات، ومن المتوقع أن تواجه الحكومة الجديدة العديد من التحديات خاصة على صعيد العلاقات الخارجية والاقتصاد.

رغم وجود الكثير من الخلافات حول أحجام ونوعية التمثيل بين القوى السياسية في لبنان، إلا تعطيل التشكيل غلب عليه العامل الخارجي المتمثل في التنافس بين القوى الإقليمية على النفوذ، ولكن ساهمت عدة عوامل في الضغط لتشكيل الحكومة، كان أبرزها تزايد حدة التحديات الاقتصادية التي واجهت لبنان، خاصة بعد تخفيض تصنيفه من قبل وكالة "موديز"، إضافة إلى التخوف من تخلى الدول المانحة عن التزاماتها في مؤتمر "سيدر"، كذلك ساهم التوتر مع إسرائيل خاصة في أعقاب اكتشاف الأنفاق على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية في حرص الفاعليين السياسيين على التغلب على الخلافات الداخلية، إضافة إلى ذلك لعبت فرنسا دوراً هاماً في الضغط على الأطراف الأساسية داخل لبنان، خاصة مع تعامل حزب الله بإيجابية أكثر مع الدور الفرنسي عكس الولايات المتحدة خاصة بعد دورها في إقرار الآلية المالية للتعامل مع طهران، إضافة لدورها في حماية لبنان من التصعيد الإسرائيلي.

تركزت ردود الأفعال العربية والدولية على الترحيب بقدرة الأفرقاء في لبنان على تسوية خلافاتهم من أجل تشكيل الحكومة، كما أكدوا على دعمهم لبنان لتحقيق التنمية الاقتصادية، وفي حين لم يتم إصدار مواقف فورية مرحبة من بعض الدول الخليجية الأساسية، إلا أنه يتوقع في الفترة المقبلة وبعد إقرار البيان الوزاري أن يتم تكثيف الجهود من أجل ضمان عدم سيطرة إيران وحلفاءها على لبنان من خلال الدعم الاقتصادي للبنان بناءً على مقررات مؤتمر سيدر، وهو ما ظهر في زيارة المستشار في الديوان الملكي السعودي "نزار العلولا" للبنان والإعلان عن رفع حظر السفر عن زيارة لبنان من قبل السعودية، أما الولايات المتحدة الأمريكية، فإضافة إلى الترحيب بالحكومة، فقد حذرت كذلك حزب الله من محاولة استغلال حزب الله للوزارات التي تسلمها ( خاصة وزارة الصحة) لدعم أنشطته، وإن لم تتخذ أي قرارات فورية، خاصة مع اختيار الحزب تسليم الوزارة لطبيب غير حزبي.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" فقد وصف الحكومة الجديدة بأنها "حكومة حزب الله" عقب مشاركة الحزب في الحكومة بثلاث وزارات منها وزارة الصحة، رغم أنه لم تحدث زيادة فعلية على حصة حزب الله في الحكومة على حساب خصومه، وبالتالي فالتركيبة الحكومية لا تعكس تزايداً لنفوذه داخل الحكومة.

تميزت الحكومة الجديدة بقدرتها على الحفاظ على التوازن رغم الخلافات التي سبقت تشكيلها والتي كانت تستهدف هذا التوازن الضروري في ظل الخلافات الدولية والإقليمية المحيطة بلبنان، وتتشابه هذه الحكومة مع سابقتها على صعيد توازن القوى بدرجة كبيرة رغم تغير أحجام بعض القوى داخل المجلس النيابي.

بقيت حصة حزب الله كما هي، فالاختلاف الأساسي كان زيادة مقعد وزاري من الحصة الشيعية بدلاً من المقعد الذي منح للحزب القومي السوري الاجتماعي في الحكومة السابقة، كما أن حصوله على وزارة الصحة جاء من الحصة الشيعية بالتوافق مع حركة أمل، مما أثر على حصتها، وهو ما يتماشى مع استراتيجية الحزب الجديدة لعدم ترك ملفات الدولة للحركة على خلفية الاحتجاجات الشعبية التي انعكست في نتائج الانتخابات.

أما القوات اللبنانية، فلم تستطع الاستفادة من مضاعفتها لعدد نوابها في الانتخابات النيابية، نتيجة الإدارة الخاطئة للتفاوض الحكومي، حيث حصلت على نفس عدد الوزراء مع خسارتها لوزارة الصحة دون بديل مساوٍ، إضافة إلى انهيار التسوية بينها وبين التيار الوطني الحر.

تحسن مستوى الحقائب التي حصل عليها الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه "وليد جنبلاط" دون زيادة في عددها، لكنه أجرى تسوية مع رئيس الجمهورية، سمحت بوصول وزير درزي غير توافقي من حصة الرئيس، وهو ما جعله يهاجم الحكومة عقب تشكيلها، وهو ما يعكس أيضاً عدم دراسة التسوية التي قام بها مع رئيس الجمهورية، والتي لم يلتزم بها الرئيس في اختيار الوزير الدرزي الثالث.

أما رئيس الحكومة، فقد نجح في منع حصول سنة 8 آذار على مقعد من حصته، وحتى على اختيار أحدهم وزيراً بشكل شخصي كما كانت مطالبهم حيث تم الاتفاق على إعطاء حقيبة دولة لممثل لهم من حصة رئيس الجمهورية، وبالتالي لم يتمكن حزب الله من فرض الوزير عليه، وهو ما يعكس قدرة "الحريري" على استخدام صلاحياته وتجنب التسويات التي أثرت عليه بالسلب شعبياً، كما لوحظ اختياره لوزراء تغلب عليهم صفة رجال الأعمال، والخبرة الاقتصادية للإشارة إلى طبيعة مهمات الحكومة الاقتصادية، على حساب الشخصيات ذات الثقل السياسي، إضافة إلى غياب التوازن بين المناطق في حصة رئيس الحكومة، مما أدى إلى غياب تمثيل محافظة عكار.

يمكن القول أنه رغم زيادة حصة رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر في الحكومة الجديدة، إلا أن هذه الزيادة كانت زيادة شكلية، نتيجة وجود وزراء داخل حصتهم ينتمون لأحزاب وتيارات أخرى (الوزير الدرزي التابع لرئيس الحزب الديموقراطي اللبناني "طلال أرسلان، والوزير السني الذي دعمه حزب الله)، وبالتالي لم يستطع الرئيس الحصول على الحصة التي طالب بها، كذلك فشل في منع حصول تيار "المردة" على وزارة الأشغال، رغم صغر حجم كتلتهم، نتيجة دعم حزب الله لـ "تيار المردة"، مما سيستثمره رئيس التيار "سليمان فرنجية" في معركة الرئاسة.

كذلك يمكن الإشارة إلى عدم قدرة التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية في الضغط لتوسيع الحكومة بإضافة وزيرين من الأقليات والعلويين – كما وعدوا أثناء الانتخابات وحتى قبلها-نتيجة رفض الرئيس "الحريري" أي تعديل في التركيبة الحكومية، كذلك شهدت الحكومة تمثيلاً أكبر للمرأة من خلال حصولها على أربع وزارات منها الداخلية للمرة الأولى.

ستواجه الحكومة الجديدة في لبنان العديد من التحديات، وتتمثل هذه التحديات بالدرجة الأولي في تصاعد الأزمة الاقتصادية الداخلية، وضرورة تحقيق التنمية اعتماداً على مقررات مؤتمر "سيدر"، وهو ما قد تعارضه بعض الأحزاب ذات التوجهات اليسارية، خاصة مع القلق من عودة التفاهم بين "الحريري" و"باسيل" وصعوبة تحقيق التوافق بين مكوناتها بعد الأزمات السياسية التي صاحبت التشكيل، لاسيما مع تعليق اتفاق "معراب" بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، كما سيكون من المهم أن تستطيع الحكومة تحييد التنافس السياسي الحزبي عن عملها، بعدما أصبح واضحاً أن الأحزاب المسيحية خاصة قد تحاول استغلال عملها في إطار التنافس المبكر على رئاسة الجمهورية في 2022، وهو أحد أسباب تعطيل التشكيل الحكومي.

أما على صعيد البيئة الخارجية فتواجه الحكومة تحدٍ في الحفاظ على سياسة النأي بالنفس وتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية المتزايدة، خاصة مع اتجاه الولايات المتحدة الأمريكية للتصعيد ضد إيران وحزب الله، كما سيكون عليها التعامل مع التهديدات الإسرائيلية، إضافة إلى ملف التنقيب عن النفط المرتبط بترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل.

 

Comments