المساعي الأمريكية لتشكيل التحالف الدولي لحماية حرية الملاحة

Researchers: 

تشهد منطقة الخليج في الوقت الراهن العديد من التطورات، انعكاسًا للتصعيد الأمريكي/الإيراني، والتي على إثرها اتجهت الولايات المتحدة للإعلان عن بدء اتخاذ خطوات فعلية لتشكيل تحالف عسكري دولي لحماية الممرات المائية الاستراتيجية (مضيقي هرمز وباب المندب) ومناقشته مع الدول الحليفة المعنية بمسألة أمن الملاحة، وذلك تحت مسمى عملية "الحارس".

فقد كشف رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال "جوزيف دانفورد" يوم 10/7/2019 عن الرؤية الأمريكية لهذا التحالف، حيث ستوفر سفن القيادة وجهود المراقبة للتحالف العسكري، وبالتالي ستكون مهمة الحلفاء هي القيام بدوريات حراسة بالقرب من سفن القيادة الأمريكية، ومرافقة السفن التجارية التي تحمل أعلامها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يتم ذكر فيها خطط حماية وتأمين مضيق باب المندب، حيث كانت التصريحات تتمحور حول مضيق هرمز في هذا الصدد، ويعكس هذا التغيير المخاوف من تأثير الخطر الذي قد يمثله الحوثيين على حرية الملاحة في البحر الأحمر، كما أن تضمين الممر المائي قبالة سواحل اليمن قد جاء بعد عدة أيام من توجيه التحالف الاتهام للحوثيين بمحاولة اعتراض سفينة في البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، فقد ظهرت بعض المواقف المبدأية من قبل عدد من الدول بشأن إنشائه من خلال تصريح نائب وزير الخارجية الكويتي "خالد الجارالله" الذي أيد المبادرة الأمريكية، وما تحمله من الأخذ في الاعتبار المسؤولية العالمية في تأمين الملاحة وناقلات النفط، وأوضح أن بلاده في انتظار المزيد من التفصيلات حول التحالف حتى يمكن التجاوب معها. هذا إلى جانب الموقف الياباني المتمثل في تصريحات رئيس الوزراء "شينزو آبي" حول الاستمرار في محاولات التهدئة بين الطرفين الأمريكي والإيراني قبل الرد على أية عروض للمشاركة في التحالف، كما يعتمد الاشتراك من عدمه على المعلومات التي ستوفرها الولايات المتحدة عن التحالف وما تريد تحقيقه منه، وتزامن ذلك التصريح مع بداية جولة لمستشار الأمن القومي الأمريكي "جون بولتون" في كل من اليابان وكوريا الشمالية.

ويضاف إلى ذلك، المبادرة التي طرحها وزير الخارجية البريطاني "جيريمي هانت" بشأن تشكيل قوة خاصة لتأمين الملاحة بقيادة أوروبية، والتي عقب عليها نظيره الفرنسي "جان إيف لو دريان" بإشارته إلى العمل مع كل من بريطانيا وألمانيا من أجل متابعة ومراقبة الأمن البحري في الخليج.

وجاءت الدعوات الأمريكية لإنشاء التحالف الدولي لحماية حرية الملاحة في وقت يستمر فيه تأزم العلاقات الأمريكية/الإيرانية وانعكاساتها في منطقة الخليج على وجه خاص، حيث شهد مضيق هرمز حادثتي استهداف ناقلات نفطية وسفن، بالإضافة إلى إسقاط الجانب الإيراني طائرة مسيرة أمريكية بالقرب من مياهها الإقليمية بالمضيق، وهي الواقعة التي بدأت بعدها الحديث عن بناء تحالف عسكري شامل "يضم دول الخليج، وآسيا وأوروبا" لمواجهة الممارسات الإيرانية، وهو ما ظهر خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" لكل من السعودية والإمارات في 24،23/6/2019، كما أشار إلى رغبته في انضمام أكثر من عشرين دولة للعمل على تأمين الملاحة، ليزداد الوضع في المنطقة توترًا بعد احتجاز إيران لناقلة بريطانية ردًا على الناقلة الإيرانية المحتجزة، وكذلك إعلان الولايات المتحدة إسقاطها لطائرة مسيرة إيرانية اقتربت من سفينة حربية أمريكية.

ويمثل هذا التحرك جزءًا من السياسة المنتهجة للضغط على إيران المتمثلة في محاولات العزل الدبلوماسي من خلال تكوين الأحلاف، والعقوبات التي تستهدف معظم القطاعات الاقتصادية الإيرانية، كذا كبار شخصيات النظام وعلى رأسهم المرشد الأعلى للثورة الإيرانية "خامنئي"، وذلك لدفع الجانب الإيراني للتفاوض بدون شروط مسبقة، فضلًا عن أهمية تأكيد الولايات المتحدة على أولوية العمل على تأمين طرق التجارة النفطية التي تمر بحريًا والحفاظ على حرية الملاحة، حيث تمر حوالي ثلث الصادرات النفطية عبر مضيق هرمز، وما يقارب 4,8 مليون برميل يوميًا عبر مضيق باب المندب وفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عام 2016، وذلك بما يخدم مصالح الحلفاء ويدعم استقرار أسعار النفط، لكن في إطار الحفاظ على سياسة عدم تحمل الولايات المتحدة لتكاليف الحماية وحدها وحث الدول على الإسهام في هذه المهمة.

وفي ضوء ما سبق، يمكن الإشارة إلى استهداف الولايات المتحدة توسعة التحالف قدر المستطاع مع وجود احتمالية وجود قبول عدد من الدول المشاركة فيه وعلى رأسها السعودية، والإمارات، والبحرين، وإن كان سيواجه هذا التحالف معوقات أمام خروجه كما ترغب الولايات المتحدة لسببين يتمثلان في الآتي: خطورة الوضع في مضيق هرمز على وجه خاص وسهولة تحوله إلى صراع يصعب التحكم فيه، نظرًا لإمكانية الاتجاه الإيراني للرد على وجود سفن المراقبة والسفن العسكرية، والدليل على ذلك التجربة التاريخية بين كل من الولايات المتحدة وإيران أثناء الحرب الإيرانية/العراقية في الفترة من 1984-1988 المعروفة بمسمى "حرب الناقلات"، كما أنه من المتوقع أن تتوخي الدول ذات المصلحة الحذر قبل اتخاذ قرار الانضمام للتحالف من عدمه، حيث أن الانضمام سيعني بالضرورة تبني موقف مضاد للجانب الإيراني ومساعدة الولايات المتحدة في عزل إيران وتعظيم حجم الضغط عليها، وهنا يمكن الاستناد لموقف الدول الأوروبية الساعي للحفاظ على الاتفاق النووي والمسار الدبلوماسي مع إيران، ويسري نفس الموقف على الدول الآسيوية ومنها الصين، واليابان.

وبخصوص المبادرة الأوروبية التي طرحها وزير الخارجية البريطاني "جيريمي هانت"، فهي تشير إلى الاتجاه للتمسك بوجهة النظر الأوروبية في التعامل مع إيران حيث تحاول الحكومة البريطانية إيجاد حل وسط يضمن لها تأمين سلامة ناقلاتها، وتؤكد من خلاله عدم الاتفاق مع الرؤية الأمريكية التي تتمحور حول ممارسة الضغوط القصوى على النظام الإيراني، ولكن تظهر التحديات أمام ظهور هذه القوة بوصول "بوريس جونسون" لرئاسة الوزراء مع عدم وضوح مستقبل وزارة الخارجية البريطانية، فضلًا عن إبداء الجانب الإيراني تحذيره من هذه القوة الأوروبية استنادًا على أن تسبب زيادة الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة في عدم الاستقرار، وكذلك احتمال وجود اختلافات بين الدول الأوروبية حول شكل تلك القوة وهو ما يمكن الاستناد مبدأيًا فيه إلى اختلاف إشارات كل من وزير الخارجية البريطاني والفرنسي "قوة خاصة لتأمين حرية الملاحة" و"مهمة لمتابعة ومراقبة الأمن البحري"، خاصًة في ضوء إعراب الجانب الفرنسي عن عدم نيته لتعزيز وجوده العسكري في المنطقة.

 

Comments