إرسال أردوغان قوات تركية إلى ليبيا

أعلن الرئيس التركي "أردوغان" في 5/1/2020 بأن قوات تركية بدأت بالفعل في التوجه لليبيا بعد مصادقة البرلمان التركي؛ وذلك بُغية دعم ما اسماها الحكومة الشرعية "حكومة الوفاق الوطني الليبية"، جاء ذلك بعد موافقة البرلمان التركي على اتفاقيه امنية وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق تسمح بارسال تركيا قوات عسكرية إلى ليبيا.

أولا: الخطوات التركية التمهيدية لتدخلها المباشر:

  • قام وزير الخارجية التركي بزيارة إلى الجزائر استمرت لمدة يومين قام إبانها بإجراء مباحثات مع نظيره الجزائري "صبري بوقادوم" بخصوص التطورات الإقليمية (الأزمة الليبية على رأس القائمة)، والتي انتهت بالاتفاق على إجراء تشاور استراتيجي على أعلى مستوى (حسب بيان الرئاسة الجزائرية)، كما قام الرئيس الجزائري "عبد المجيد تبون" بدعوة الرئيس التركي "أردوغان" بزيارة الجزائر وقبل الأخير الدعوة التي من المفترض أن يحدد موعدها في تلك الأيام.
  • قام الرئيس التركي بزيارة إلى تونس ولكنها أثارت سخطاً شديداً بين التونسيين تلاها نفي الرئاسة التونسية أي نية لدعم طرف من الأطراف على حساب طرف آخر.  
  • حضر الرئيس التركي اجتماعاً مع كل من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" والمستشارة الألمانية " ميركل" من أجل مناقشة سبل إعادة الاستقرار وإنهاء الأزمة في ليبيا.
  •  اتصالات تركية روسية مكثفة هدفت تركيا من خلالها إلى الضغط على روسيا من اجل تعديل موقفها الداعم للجيش الوطني الليبي.

تزامن ذلك مع قيام حكومة الوفاق الليبية المدعومة تركياً ومن بعدها روسيا بدعوة مجلس الأمن للانعقاد من أجل اتخاذ موقف حاسم مما اسمته "جرائم الحرب" التي حدثت في طرابلس على خلفية الهجوم العسكري على العاصمة والذي كان آخر مظاهره القصف الجوي الذي استهدف الكلية العسكرية وأدى إلى مقتل حوالي 30 طالب وإصابة عشرات آخرين، ولقد استجاب المجلس وقام بعقد جلسة مغلقة في يوم 6/1/2019.

ثانيا: دوافع اردوغان للتدخل عسكريا في ليبيا

يفسر إرسال أردوغان لقوات تركية إلى ليبيا وإصراره على الانخراط العسكري في الأزمة إلى مجموعة من الدوافع الداخلية والخارجية، نعرض أبرزها في النقاط التالية:

الدوافع الداخلية:

  1. مخاطبة قواعده الجماهيريه سواء من القوميين أو من الاسلامين، برز ذلك في خطاباته المبررة للتدخل خطاباته بأن "كمال اتاتورك" مؤسس الدولة التركية الحديثة قد قاتل بنفسه في ليبيا في أخر فترة الدولة العثمانية.
  2. التغلب على مشكلاته الداخلية، حيث لايزال الاقتصاد التركي يعاني من عدة أزمات هيكلية اضطرت البنك المركزي التركي للتدخل للحفاظ على سعر الليرة التركية، ومن ثم يحاول أردوغان صرف النظر عن تلك المشكلات من خلال اثارة مشكلات خارجية.
  3. الاستمرار في سياسة اشغال المؤسسة العسكرية التركية، حيث يبدو واضحاً أن أردوغان مازال غير مطمئناً لولاء المؤسسة العسكرية التركية، ومن ثم يسعى لإشغالها تفاديا لاحتمالات تدخلها ضده في الشئون الداخلية، يتضح ذلك بإنه بمجرد انتهاء اهداف الجيش التركي في سوريا بإقامة منطقة امنة واجهاض المشروع الكردي لإقامة دولة كردية، قام أردوغان بتحويل وجهته نحو ليبيا.

 الدوافع الخارجية:

  1. الأطماع التركية في مناطق الغاز الليبي بمنطقة المتوسط، ورغبة تركيا في إجهاض الاتفاقات المصرية القبرصية اليونانية المشتركة وفرض نفسها كلاعب رئيسي لا يمكن تجاهله في منطقة المتوسط
  2. رغبة أردوغان في الاستمرار في تصدير صورته كداعم رئيسي لمجموعات الإسلام السياسي في المنطقة، في اطار صورة اكبر تقوم على فكرة استعادة الامجاد العثمانية وفرض النفوذ التركي.

وبالنظر للتحركات الدبلوماسية سابقة الذكر في ضوء الوضع العسكري الحالي بعد إرسال أردوغان لقوات تركية إلى ليبيا وبعد سقوط سرت في يد حفتر وقواته، تجدر الإشارة إلى مجموعة من الملاحظات:  

  • إن محاولة الرئيس التركي "أردوغان" التقرب من كل من الجزائر وتونس يفسر برغبته في التغلب على المشكلات اللوجستية ومشكلة بعد المسافة التي يواجها في ليبيا، ولذا يريد أن يستخدمهم كقواعد ينطلق منها إلى ليبيا (رغم نفي تونس ذلك في أكثر من تصريح).
  •  إن التنسيق الروسي التركي بشأن ليبيا وسوريا معاً في هذا الوقت بالتحديد بالإضافة إلى إعلان ترامب وجود اجتماع قريب بينه وبين بوتن يمنح مؤشراً على استعداد الروس لتقديم بعض التنازلات بشأن تواجدهم في ليبيا.
  • هناك رغبة واضحة لدى ترامب في الإبقاء على موقف رمادي من الاقتتال في ليبيا اليوم؛ الموقف الذي يرجع إلى التصعيد الإيراني الحالي إثر اغتيال قاسم سليماني.

خاتمة:

في ظل هذه التطورات من المرجح أن تعتمد تركيا في تدخلها بشكل أساسي على الميلشيات التي قامت بتدريبها في الشمال السوري، وذلك بهدف تجنب سقوط قتلى اتراك اثناء المعارك (الامر الذي إن حدث سوف يضعف موقف أردوغان كثيراً خصوصا في ظل وجود معارضة قوية  لقرار التدخل) على أن يكون هناك مشاركة تركية فعالة في الخطوط الخلفية والدعم اللوجستي (اسوة بالتدخل في سوريا والذي قام على وجود الف جندي تركي في الخطوط الخلفية بينما الميلشيات في الصفوف الامامية)، من المرجح أيضا أن تتعاظم الأصوات التركية المعارضة لخطة أردوغان للتدخل في ليبيا خصوصا بعد اعلان تونس رسميا رفضها استخدام أراضيها لهذا الغرض، وضعاً في الاعتبار وجود كتلة معارضة للقرار بالفعل تجلت في تصويت جميع أحزاب المعارضة في البرلمان وعلى رأسهم حزب الشعب الجمهوري ضده القرار (184 نائب)، بالإضافة إلى تصريحات المسئولين بأحزاب الشعب الجمهوري وحزب "ايي" الرافضة للتدخل.

على الصعيد الروسي رغم أن الموقف الروسي إلى اللحظة داعم لحفتر وللقوى الإقليمية المساندة له، إلا أنه من المتوقع أن تقدم روسيا بعض التنازلات لتركيا وضعا في الاعتبار الملفات الأخرى التي قد تحظى باولوية روسية مثل الملف السوري وملف انابيب الغاز إلى اوربا.

Comments