دوافع الحرص التركي الحالي على التقارب مع العراق

قام رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بزيارة رسمية مؤخراً إلى تركيا على رأس وفد حكومي رفيع المستوى بدعوة من الرئيس التركي، التقى خلالها الكاظمي بالرئيس رجب طيب أردوغان، واتفقا على تطوير العلاقات بين البلدين ومعالجة الملفات المشتركة التي تشهد قدر من الخلافات (ملف الإرهاب المتمثل بتنظيمي "بي كا كا" و"داعش"، وملف مياه نهري دجلة والفرات..)، والعمل على تعزيز التبادل التجاري بينهما.

ويحرص الجانب التركي بشكل لافت في الوقت الحالي على تطوير علاقاته مع بغداد، وذلك انطلاقاً من عدد من المحفزات النابعة من سعى أنقرة للاستفادة من هذا التقارب على صعيد العلاقات الثنائية مع الحكومة العراقية، وكذلك رغبة أنقرة في وقف التحركات الإقليمية المضادة ضمنياً لتركيا. وتنحصر أهم الملفات العالقة في العلاقات بين البلدين فيما يلي:

  1. ملف المياه: وهو ملف شديد الحيوية بالنسبة للعراق، حيث تأثر القطاع الزراعي العراقي تأثراً كبيراً بالمشروعات التركية على نهر دجلة، وهو ما انعكس في مطالب عراقية لتركيا بإبرام اتفاق واضح حول تقسيم مياه النهر الأمر الذي تماطل فيه الحكومة التركية.
  2. الهجمات التركية داخل الاراضي العراقية: فعلى الرغم من تصريحات الكاظمي أثناء الزيارة حول عدم قبوله لأي مهددات للأمن التركي من داخل العراق (في اشارة لحزب العمال الكردستاني)، إلا أن الهجمات التركية داخل الاراضي العراقية تثير استهجان داخل العراق باعتبارها اعتداء على السيادة العراقية، بالإضافة إلى بقاء قوات تركية بقاعدة "بعشيقة" على غير رغبة الطرف العراقي.

وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة العراقية قامت خلال الفترة الأخيرة بعدة تحركات ضد الممارسات التركية اتسمت بالتنوع اللافت، وهو ما يتضح من خلال التنسيق العراقي اللافت مع الجانب اليوناني، وحرص العراق على إنجاح التكتل الثلاثي مع مصر والأردن، وإلغاء عقود استثمارية لتركيا مقابل الرغبة في إنجاح التعاون الاقتصادي مع خصومها.  

وتتمثل أهم الدوافع التي تحفز أنقرة على تطوير علاقتها بالعراق فيما يلي:

  1. الحصول على الموافقة العراقية على عملياتها ضد حزب العمال الكردستاني والمستمرة منذ عدة شهور، حيث إنها تتوافق مع تطبيق اتفاقية سنجار (وقعت اتفاقية سنجار في شهر أكتوبر الماضي بين الحكومة العراقية وحكومة الإقليم الكردي وقد دخلت حيز التنفيذ خلال الفترة القريبة الماضية)، والتي تستهدف بالأساس التضييق على حزب العمال الكردستاني، واخراجه من منطقة سنجار.
  2. محاولة إثناء العراق عن استكمال إجراءات التقاضي الخاصة بتسهيل تركيا بيع النفط العراقي في السوق الدولية بدون وجه حق (سمحت أنقرة لـ "إقليم كردستان العراق" بتصدير النفط بشكل مستقل عن وزارة النفط الفدرالية منذ أوائل عام 2014 وربط خطوط الأنابيب الكردية بخط أنابيب العراق/ تركيا في بلدة فيش خابور الحدودية الخاضعة لسيطرة "إقليم كردستان العراق"، وقد مكّن ذلك "إقليم كردستان العراق" من بيع نفطه مباشرة إلى السوق والاحتفاظ بالإيرادات؛ وهو ما تَعتبره بغداد ممارسة غير قانونية)، والتي من المتوقع أن يتم تعويض العراق من خلالها بقيمة 24 مليار دولار، بالإضافة إلى التأثيرات السلبية الضخمة على سمعة تركيا في سوق النفط.
  3. حرص أنقرة على وقف التحركات الإقليمية المضادة ضمنياً من جانب الحكومة العراقية لتركيا، التي جاءت رداً على العدوان التركي الممتد على شمال العراق منذ منتصف شهر يونيو الماضي من خلال ما تُعرف بعمليتي "المخلب-النسر" و"المخلب النمر"، وتمديد البرلمان التركي مؤخراً بقاء القوات التركية في العراق لعام إضافي.

وبصفة عامة، فإن التحركات العراقية الأخيرة والخاصة بإلغاء عقود لشركات تركية في البلاد، والسعي لتصدير النفط العراقي في المستقبل عبر أنبوب النفط المخطط إنشاءه إلى الأردن ومن ثم لمصر في فترة لاحقة، تعكس التوجهات العراقية الرامية إلى المناورة في مواجهة أنقرة باستخدام بعض الأوراق الاقتصادية التي تمتلكها. ويُشار في هذا الصدد إلى أن المسؤولين العراقيين لطالما هددوا من قبل باستخدام السلاح الاقتصادي رداً علي العدوان التركي.

واتساقاً مع ما سبق ففي التقدير، اقتصار نجاح تلك الزيارة على تحقيق نتائج إيجابية في عدد من الموضوعات الهامشية (التوصل لاتفاق بشأن قرار العودة الى اتفاق العام 2009 القاضي بالحصول على تأشيرات الدخول في المطارات أو نقاط العبور الحدودية..)، والاستفادة من ذلك في تحجيم التحركات العراقية المضادة لها، ومحدودية فرص تلك الزيارة في تحقيق النتائج المرجوة منها في باقي الملفات الرئيسية (الأمن والمياه)، في ضوء ما هو متوقع من استمرار الممارسات العسكرية التركية في الشمال العراقي، وصعوبة التجاوب التركي مع المطالب المائية العراقية (التوصل لتفاهمات لتقسيم المياه).

 

Comments