العربية

حسابات حذرة: هل تدخل إيران والولايات المتحدة في صراع بسبب غزة؟

بعثت إيران برسالة إلى إسرائيل عبر مسئولين في الأمم المتحدة أكدت فيها أنها سيتعين عليها التدخل إذا استمرت العملية الإسرائيلية في غزة، يأتي هذا بعدما تصاعدت حدة القصف الإسرائيلي على قطاع غزة بالإضافة إلى تنامي المناوشات بين حزب الله وإسرائيل على الحدود اللبنانية.

مناكفة أمريكية إيرانية:

تنامت خلال الفترة القليلة الماضية وتيرة التصريحات الإيرانية التي تحذر من مغبة استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، حيث أشار وزير الخارجية الإيراني “حسين أمير عبد اللهيان” إلى أن فتح جبهات أخرى في الحرب بين إسرائيل وحماس أصبح احتمالًا حقيقيًا مع تكثيف إسرائيل هجماتها على قطاع غزة، بينما أشار الوزير لاحقًا إلى أنه إذا لم تتوقف إسرائيل عن أعمالها الوحشية في غزة، فلا يمكن لإيران أن تظل مجرد مراقب.

على صعيد آخر، أشار مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض “جيك سوليفان” أن هناك خطر في تصعيد هذا الصراع، وفتح جبهة ثانية في الشمال، في حال تورط إيران، كما أشار وزير الدفاع الأمريكي “لويد أوستن” إلى أن نشر حاملات الطائرات الأمريكية جاء لإظهار تصميم الولايات المتحدة على ردع أي طرف يسعى إلى تصعيد هذه الحرب.

منطقية عدم التصعيد:

على الرغم من التصريحات الإيرانية والأمريكية، فإنه من الواضح أنهما لا يرغبان في التصعيد أو امتداد رقعة الصراع، وذلك للأسباب التالية:

بالنسبة لإيران:

  • على الرغم من استفادة إيران من الناحية الجيوستراتيجية من عملية “طوفان الأقصى”، إلا أن جميع المعطيات المتاحة تُشير إلى أنها لم تكن على علم كامل بالتجهيزات للعملية، ناهيك عن موعدها ونطاقها، لذا فإن التصعيد في هذا التوقيت لم يكن ضمن الحسابات الإيرانية، وهو ما يعني أنها ليست مستعدة بصورة كاملة لمعركة متسعة النطاق مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.
  • وجود الولايات المتحدة وخصوصًا مجموعات حاملات الطائرات القتالية في المنطقة يشكل عامل قلق متزايد بالنسبة لإيران، ففي حال اتساع رقعة الحرب فإن احتمالية انخراط الولايات المتحدة تتزايد بصورة كبيرة، لذا فإن إيران قد تجد نفسها في نهاية المطاف في حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي سيتطلب تجهيزات لوجستية وعسكرية أكبر لإيران في نطاق دول “محور المقاومة”[1]وهو أمر غير متوفر حاليًا.
  • تواجه إيران ضغوط اقتصادية داخلية جراء العقوبات الامريكية والغربية بشكل عام، لذا فإن الدخول في حرب متسعة النطاق يعني تضرر أكبر للاقتصاد الإيراني وتدهور أكبر للأحوال المعيشية للمواطن الإيراني.

بالنسبة للولايات المتحدة:

  • استطاع الرئيس الأمريكي تحقيق مكاسب سياسية خصوصًا لدى الجمهور اليميني ويمين الوسط والشريحة اليهودية من المجتمع الأمريكي، عبر تبني موقف مساند لإسرائيل في أعقاب عملية طوفان الأقصى، إلا أن خطر تصاعد النزاع واتساع رقعة الحرب وانخراط الولايات المتحدة بها سيؤثر بشكل مباشر على حظوظ الرئيس جو بايدن الانتخابية وذلك في ضوء المعارضة المتنامية داخل الحزب الديمقراطي[2] ضد التصعيد الحالي في غزة ومارستها ضغوطًا على إدارة الرئيس الأمريكي من أجل وقف الدعم غير المشروط لإسرائيل، فضلًا عن التحول في الاتجاهات التقليدية المؤيدة لإسرائيل إلى اتجاهات أكثر دعمًا للقضية الفلسطينية خصوصًا في فئات الشباب (Gen Z) وهم فئات ديموغرافية مؤثرة في العملية الانتخابية في الولايات المتحدة ويسعى الرئيس الأمريكي إلى تأمين أصواتهم، وبشكلٍ عام، يُشكل الدعم المتنامي للقضية الفلسطينية في هذه الشريحة ضغطًا على الإدارة الامريكية للتأني في الدعم اللامحدود تجاه إسرائيل.
  • تنامي الحذر بشكل عام في دوائر صنع القرار الأمريكية من مغبة الانزلاق إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، ففي بداية فترة الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، تشكل لدى الإدارة الجديدة خط استراتيجي جديد يعطي أولوية للوجود الأمريكي في منطقة “الإندو – باسيفيك” وأن المنافس الاستراتيجي الجديد يجب أن يكون الصين، وعلى الرغم من تركيز الإدارة الأمريكية الجديدة في بدايتها على تعزيز النفوذ الأمريكي في هذه المنطقة، إلا أن الحرب الأوكرانية قد أربكت الحسابات الأمريكية، لذا فإن هناك حذر داخل النخبة الأمريكية من أن توسع رقعة الصراع وانخراط الولايات المتحدة فيه قد يعيد استراتيجية الولايات المتحدة إلى المربع الأول من خلال إعادة الولايات المتحدة حضورها القوى في منطقة الشرق الأوسط.
  • تخاطر الحرب الموسعة في الإقليم بتشتيت الجهود الأمريكية والغربية الموجهة لصالح دعم أوكرانيا ضد روسيا، فتصاعد حدة النزاع في غزة قد يدفع الولايات المتحدة إلى توريد معدات عسكرية وأسلحة وذخائر إلى إسرائيل، وهو الأمر الذي سيعني بدوره تحويل هذه الموارد من أوكرانيا إلى إسرائيل.[3]
  • اتساع رقعة الحرب لتشمل إيران يعني أن مناطق الخليج وبحر العرب ومضيقي هرمز وباب المندب ستتحول إلى مسرح عمليات، الأمر الذي سيؤثر على تدفقات النفط والغاز من المنطقة وهو ما سيلقي بتداعيات سلبية كبيرة على سلاسل توريد الطاقة، ويهدد أمن الطاقة الأوروبي خاصةً في ظل استعداد القارة لفصل شتاء جديد دون إمدادات الطاقة الروسية، وهو الأمر الذي تتحسب له الولايات المتحدة جيدًا.

ضوابط حاكمة:

على الرغم من أن الطرفين الإيراني أو الأمريكي لا يرغبان في توسع نطاق الحرب، إلا أن هناك خطرًا حقيقيًا متزايدًا يهدد بتحقق هذا السيناريو فعليًا، ويفرض ضغوطًا على جميع الأطراف بشكلٍ متساوٍ، وذلك على النحو التالي:

  • بالنسبة لإيران، فإنها بمثابة الضابط الحقيقي لتحركات محور المقاومة، ولا يمكن فتح جبهات جديدة بدون علم أو رضا إيراني، لذا فإن الحرب الأخيرة وخصوصًا قصف مستشفى “الأهلي المعمداني” في قطاع غزة وما خلفه من عدد كبير من الضحايا، ناهيك عن استمرار القصف الإسرائيلي الممنهج للطرق والبنى التحتية وإغلاق جميع سبل الإغاثة لغزة، إنما يضغط بشكل متزايد على صناع القرار في طهران لاتخاذ موقف علني ضد إسرائيل، وإلا فإن طهران ستخاطر بسمعة وصورة “محور المقاومة” التي بنتها عبر سنوات، كما تهدد الأسس التي بنيت عليها شرعية نظام الثورة الإسلامية بعد عام 1979 والقائمة على مواجهة الصهيونية و نصرة المستضعفين في الأرض.
  • بالنسبة للولايات المتحدة فإن أي تصعيد واسع النطاق يصاحبه دخول طهران ووكلائها في المنطقة في مواجهة مفتوحة ضد إسرائيل، وفي حال ترتب على هذا التصعيد تهديد حقيقي لإسرائيل كدولة (كالتوغل في هضبة الجولان أو مزارع شبعا المحتلة) فإن هذا يعني أن الولايات المتحدة ستنخرط في الحرب بصرف النظر عن الشكل الذي سيأخذه هذا الانخراط (سواء كان عن طريق تقديم دعم عسكري واستخباراتي أو الانخراط الفعلي في الحرب من خلال ضربات جوية)، وسيصبح الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط خصوصًا في مناطق التماس مع إيران (العراق وسوريا) في دائرة الاستهداف الإيراني.

وختامًا، توحي جميع المؤشرات حتى الآن بالتردد الأمريكي وعدم الرغبة في الانخراط في الصراع الحالي وتقديم الدبلوماسية كحل أول، إلا أن مؤشرات الخطر واحتمالية التصعيد تزايدت بصورة كبيرة بعد القصف الإسرائيلي على مستشفى الأهلي المعمداني، وإلغاء الاجتماع الرباعي بين مصر والأردن وفلسطين والولايات المتحدة، وانخفاض فرص الوصول إلى حل سلمي، لذا فإن خطر اتساع نطاق الصراع في المنطقة لا يزال قائمًا بصورة كبيرة.


[1] فعلى سبيل المثال، يعني الدخول في حرب مباشرة مع الولايات المتحدة أهمية استهداف إيران لحاملات الطائرات الأمريكية وهو ما يتطلب نقل وتجهيز منصات لإطلاق الصواريخ الإيرانية الفرط صوتية طراز “فتاح” وهو ما ينطوي على تعقيدات لوجستية تتعلق بنقل وإيصال هذه الصواريخ لمناطق المواجهة المحتملة.

[2] خصوصًا الجناح التقدمي بقيادة “بيرني ساندرز” و”ألكساندريا أوكاسيو كورتيز” و”رشيدة طالب” و”إلهان عمر”.

[3]  أدى الانشغال الغربي بالأحداث في غزة إلى استثمار الجانب الروسي لهذا الأمر حيث أفادت وزارة الدفاع الأوكرانية أن القوات الروسية شنت هجومًا في بلدة أفدييفكا في شرق أوكرانيا، الأمر الذي وصفته وزارة الدفاع بأنه “من المرجح أن تكون العملية الهجومية الأكثر أهمية التي تقوم بها روسيا منذ يناير 2023″، ويتزامن هذا مع نشاط لمحررين عسكريين روس أفادوا بتحركات عسكرية روسية على خطوط القتال كافة من أجل تحريك الجبهة وسط أنباء عن إحراز القوات الروسية تقدمًا ميدانيًا.

IRan
الانتخابات الإيرانية والمعضلات الثلاث
Eth&Somal
كيف ستتفاعل إثيوبيا والصومال مع الوساطة الأوغندية المُقترحة؟
pakistan
التهديدات الأمنية وتفضيلات الناخب الباكستاني
الانسحاب
ماذا يعني انسحاب النيجر وبوركينافاسو ومالي من تجمع "الإيكواس"؟
Scroll to Top