العربية

ما وراء تغير الموقف الأمريكي تجاه التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة؟

أدى استمرار تبني الولايات المتحدة الأمريكية نهج الدعم غير المشروط لإسرائيل على كافة المستويات منذ السابع من أكتوبر الماضي، إلى تنامي حجم الضغوطات الداخلية والخارجية على الإدارة الأمريكية بشأن ضرورة تغير موقف واشنطن بالشكل الذي يضمن حماية المدنيين بقطاع غزة من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

طبيعة الموقف الأمريكي:

اتخذت الولايات المتحدة موقفًا شديد التأييد لإسرائيل سواءً من الناحية السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية منذ بدء الصراع في السابع من أكتوبر، وذلك في إطار دعم الإدارة الأمريكية لما اعتبرته حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد حركة حماس، وقد تجلى ذلك في زيارات الرئيس الأمريكي “جو بايدن” والمسؤولين الأمريكيين إلى تل أبيب في الأيام الأولى للصراع بهدف التأكيد على دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، بالإضافة إلى حجم الدعم المادي والعسكري الهائل الذي قدمته الولايات المتحدة عن طريق إرسال حاملتي طائرات ومجموعة من الأسلحة والذخائر بهدف تعزيز القدرات العسكرية للجيش الإسرائيلي.

ضغوط داخلية وخارجية:

أدى النهج الأمريكي الداعم لإسرائيل، في ظل الخسائر الإنسانية والمادية غير المسبوقة في قطاع غزة، إلى تصاعد حجم الضغوطات الداخلية والخارجية على الإدارة الأمريكية لمراجعة تقديراتها الخاصة باستمرار مساندة الولايات المتحدة اللامحدودة لإسرائيل في الصراع الحالي، حيث يمكن توضيح ذلك فيما يلي:

  • الضغوط الداخلية:
  • تنامي حجم المظاهرات والمسيرات الشعبية الداعمة للقضية الفلسطينية والمناهضة للتصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة، وفي ذلك الإطار، شهدت واشنطن مسيرة في الخامس من نوفمبر الجاري، وصفت بالـ “تاريخية”، حيث شارك فيها ما يقارب المائة ألف للتنديد بالسياسات الأمريكية الخاصة بدعم إسرائيل والمطالبة بالوقف الفوري لإطلاق النار في قطاع غزة.
  • مطالبة النواب الديمقراطيون في الكونجرس، الرئيس جو بايدن، بضرورة أن تلعب الولايات المتحدة دورًا قويًا كوسيط لإنهاء الصراع الراهن في ظل ارتفاع عدد الضحايا بين المدنيين الفلسطينيين، والعمل على ضمان تسريع وتيرة إدخال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة.
  • زيادة حدة الاستياء لدى القوى التقدمية واليساريين والناخبين المسلمين من إدارة بايدن، مما يؤثر سلبًا على فرص الرئيس بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المُزمع عقدها في نوفمبر 2024.
  • ورود أنباء تتعلق بتصاعد التوترات في وزارة الخارجية الأمريكية، حيث أشار بعض موظفي الوزارة إلى إنهم يشعرون بحالة من التهميش لأدوارهم ومقترحاتهم في ظل تركيز وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” على دعم العملية الإسرائيلية في قطاع غزة، مما دفعهم للنظر في إعداد ما يسمى بـ “برقية المعارضة”[1]وذلك لانتقاد السياسة الأميركية في ظل التطورات الراهنة.
  • الضغوط الخارجية:
  • تكثيف الدول العربية، وعلى رأسها مصر والأردن، من اتصالاتها مع الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل بشأن تنفيذ وقف فوري لإطلاق النار في غزة، وإدخال كافة المساعدات الإغاثية والإنسانية لأهالي القطاع.
  • تنديد الأمين العام للأمم المتحدة” أنطونيو غوتيريش”، في أكثر من مناسبة بالتصعيد الإسرائيلي على غزة، كما دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار لإدخال المساعدات لكامل قطاع غزة.
  • إدانة روسيا والصين لأعمال العنف الإسرائيلية واستهداف المدنيين، مع التأكيد على ضرورة تطبيق حل الدولتين بما يضمن حقوق الشعب الفلسطيني.
  • إعلان وزارة الدفاع الأميركية، في السادس من نوفمبر الجاري، عن تعرض قوات ومواقع عسكرية أمريكية في العراق وسوريا لحوالي 38 هجوم بطائرات بدون طيار أو صواريخ من قبل الجماعات المسلحة منذ السابع من أكتوبر الماضي.
  • عجز القوات الإسرائيلية عن تحقيق إنجاز على الأرض داخل قطاع غزة، مما يضع الإدارة الأمريكية في موقف حرج، لاسيما فيما يتعلق بملف الأسرى المحتجزين لدى حماس، خاصةً ذوي الجنسية الأمريكية.
  • التخوف من احتمالات اتساع رقعة الصراع وتشكيل قوى إقليمية جديدة في ضوء تحركات إيران ووكلائها بالمنطقة، مما سيخلق بؤر جديدة للأزمات تتعارض مع الرغبة الأمريكية في تسكين الصراعات بمنطقة الشرق الأوسط للتفرغ إلى دعم أوكرانيا في حربها مع روسيا.

مؤشرات التغيير الطفيف:

شهد موقف البيت الأبيض تجاه الصراع الراهن تغييرًا طفيفًا في الأيام القليلة الماضية مقارنةً بموقفها الثابت بالدفاع عن “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، حيث أصبحت واشنطن تُغلّب الهدنة الإنسانية وتسريع وتيرة إدخال المساعدات لأهالي قطاع غزة كأولوية راهنة، وهو ما برز من خلال الآتي:

  • تأكيد بايدن خلال مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” على ضرورة حماية المدنيين الفلسطينيين وتقليل الأضرار التي لحقت بالمدنيين أثناء العمليات العسكرية الإسرائيلية بقطاع غزة.
  • إشارة وزير الخارجية الأمريكي بلينكن خلال مؤتمر صحفي بالأردن في الرابع من نوفمبر الجاري، إلى موقف واشنطن الداعي إلى “هدنة إنسانية” في غزة لحماية المدنيين والسماح للمواطنين الأجانب بمغادرة القطاع.

مسارات محتملة:

في إطار تقييم ما سبق، يمكن الإشارة إلى إمكانية اتخاذ الولايات المتحدة عدة مسارات خلال الفترة المقبلة تجاه التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة، وذلك على النحو التالي:

  • توسيع التفاهمات المشتركة مع كلٍ من مصر والأردن على وجه التحديد فيما يخص مستقبل القضية الفلسطينية ومسارات السلام بالمنطقة، وذلك لقطع الطريق أمام أي محاولات إيرانية أو صينية أو روسية للعب ذلك الدور. 
  • التنسيق المكثف مع القوى الإقليمية حول كيفية إدارة مرحلة ما بعد انتهاء الصراع الحالي.
  • تعزيز واشنطن لنشاطها الأمني والاستخباراتي داخل قطاع غزة، انطلاقًا من الرغبة الأمريكية في إطلاق سراح الرهائن الأجانب والأمريكان لدى حماس، لاسيما أن بعض التقديرات تشير إلى أن قوات “دلتا” التابعة للجيش الأمريكي، متواجدة بالفعل داخل القطاع، والتي ترتكز مهامها بشكل أساسي حول تحرير الرهائن ومكافحة العمليات الإرهابية.
  • الإشراف المباشر على هدنة إنسانية لعدة أيام لإدخال المساعدات الإنسانية لأهالي قطاع غزة.

[1] هي وثيقة داخلية بوزارة الخارجية الأمريكية تنتقد السياسة الأمريكية يقوم بإعدادها عدد من الدبلوماسيين وكبار الموظفين، وتوجه إلى قادة الوزارة من خلال قنوات داخلية محمية، ويُنظر إلى تلك الوثيقة على أنها مؤشر خطير على حالة من الخلاف داخل الوزارة فى أوقات حرجة للسياسة الخارجية الأمريكية.

Scroll to Top