العربية

أي مستقبل ينتظر حركة النهضة التونسية؟

دخلت حركة النهضة التونسية منعطفًا جديدًا سيؤثر على مستقبلها كحركة سياسية قامت قبل 42 عام على مبادئ الفكر الإخواني، حيث استماتت الحركة في السعي نحو غايتها في تمكنها من مفاصل الدولة التونسية بالأدوات الدينية والتربوية والسياسية، لاسيما بعدما تمكنت من الوصول إلى سدة الحكم عقب سقوط نظام حكم “بن علي”، إلا أنها ما كادت تصل إلى هدفها حتى انحدرت أذرعها الممتدة في مؤسسات الدولة نحو إفساد الحياة السياسية، الأمر الذي أدى لتبعات سلبية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد، وأثبت زيف ما تدعيه الحركة من الالتزام بالديمقراطية القائمة على تداول السلطة واحترام حقوق الإنسان.

وقد تزامن ذلك الانحدار مع استعداء الحركة لبعض الأحزاب الحداثية، وهو ما أدى برئيس الدولة “قيس سعيد” إلى إبعاد الحركة وأعوانها عن منظومة الحكم في قرارات استثنائية صدرت في يوليو من عام 2021، ووضعت خارطة طريق باستحقاقات انتقالية عاجلة نجح في تمرير أغلبها، لاسيما مع إقرار دستور جديد، وانتخاب برلمان جديد للبلاد.

هشاشة داخلية:

فرض خروج حركة النهضة من الحكم بالتزامن مع تراجع جماعات الإسلام السياسي في المنطقة، تحولًا مهماً في مسارها السياسي داخل تونس، إذ تحولت الحركة إلى كيان سياسي معارض ومنبوذ شعبيًا، وسعت نحو صياغة تحالفات نخبوية جديدة، بغرض تقوية شوكتها في مواجهة السلطة، فضلاً عن اعتمادها على تنظيم الوقفات الاحتجاجية والاستقواء بالخارج، بيد أن تماسك الحركة الداخلي بدأ في التشتت وسط حالات الانشقاق والاستقالات بسبب تباين مواقف القيادات حول أولويات المرحلة وأدوات تدوير سلطة قرار الحركة الداخلي، وهو ما قاد بعض المستقيلين والمنشقين لحزب جديد، لكنه حافظ على تواصله مع الحركة والدفاع سياسيًا وميدانيًا عن قياداتها داخل السجون ومراكز الاحتجاز.

وما زاد الأمر صعوبة على حركة النهضة هو المتابعات الأمنية والقضائية التي تلاحق كبار قادتها، وفي مقدمتهم “راشد الغنوشي” والرئيس المؤقت للحركة “منذر الونيسي”، ورئيس مجلس الشورى في الحركة “عبد الكريم الهاروني”، ورئيس الحكومة التونسية الأسبق، والقيادي السابق بالحركة “حمادي الجبالي”.

أبعاد متشابكة:

يمكن إرجاع الملاحقات القضائية والأمنية ضد قيادات حركة النهضة على مدار الأشهر الماضية إلى جملة من الأبعاد المتشابكة، لعل أهمها ما يلي:

  • التحقق من المعلومات التي أدلى بها منذر الونيسي خلال تسريب صوتي نُسب إليه حول صراعات قيادات حركة النهضة وفساد عائلة راشد الغنوشي زعيم الحركة، وشبهات تلقيهم تمويلات اجنبية، بجانب سعي بعض قيادات الحركة إلى التحالف مع رجال أعمال وإعلاميين تمهيداً للمرحلة المقبلة.
  • متابعة الملاحقات اللازمة ضد قيادات حركة النهضة من الحرسين القديم والجديد فيما يُستجد بخصوص قضايا التآمر على أمن الدولة التونسية، كما في ملف تسهيل سفر الشباب للانضمام إلى التنظيمات الإرهابية بالمنطقة، ومستجدات ملف الاغتيالات السياسية وأخرها إعادة التحقيق في اغتيال رجال الأعمال والنيابي السابق “الجيلاني الدبوسي” داخل محبسه في عام 2014.
  • الوقوف على دور قيادات النهضة في ملف التعويضات والتعيينات الواسعة التي شهدتها مؤسسات وشركات الدولة خلال السنوات التي حكم فيها الإخوان، حيث أدى ذلك إلى استنزاف موارد الموازنة العامة، وأسهم في توسيع نفوذ الحركة، الأمر الذي أعاق فيما بعد جهود الدولة في إدارة الشأن العام وعطل مفاوضات الحكومة للحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي.
  • محاولة السلطات التونسية منع قيادات حركة النهضة من ممارسة أي أنشطة داخلية أو سياسية تستهدف إضعاف مسار التصحيح في البلاد، خاصةً أن الحركة تعمل على تحقيق استقرار أوضاعها الداخلية، وإعادة طرح نفسها كفاعل سياسي منظم، من خلال حسم الخلافات داخلها حول المؤتمر العام خلال شهر أكتوبر القادم.

مسارات مستقبلية:

أمام هذا المشهد، فقد تقلصت مساحات المناورة السياسية لحركة النهضة بشكل كبير، فالسلطات التونسية من ناحية أولى تواصل سياسة التضييق على محاولات الحركة التحايل على النظام لتجديد نشاطها السياسي والدفع بكوادر جديدة، ومن ناحية ثانية تعمل السلطة على التوظيف السياسي الاستفادة من تقلص قدرات حركة النهضة وقياداتها والنخب المتحالفة معها، وذلك من أجل تثبيت أركان نظام 25 يوليو 2022.

كما يُرجح أن تخفق حركة النهضة في حسم الخلافات بين أعضائها حول المؤتمر العام واستحقاقات تداول السلطة داخلها، وستضطر في مرحلة ما إلى تصعيد قيادات مؤقتة من جديد بهدف تقليل احتمالات الانشقاقات الداخلية، وتنظيم خيار المواجهة ضد النظام التونسي، والذي شرع بالفعل في تطبيق سياسات تطهير المؤسسات التنفيذية والقضائية والأنشطة التجارية من أعوان الحركة، ووقف خطاب الأخيرة التحريضي.

وهكذا، فإن الخيارات السياسية لحركة النهضة تتقلص باستمرار، وهو ما سيقوض من جهودها لإعادة طرح نفسها مجددًا، وقد يدفعها إلى اللجوء لأساليب أخرى لتحقيق أهدافها، منها التحريض على ارتكاب أعمال تخريبية ضد المرافق العامة.

UN-ISAREL-PALESTINIANS-CONFLICT-DIPLOMACY
التجاذبات الدولية حيال مشروع الجزائر لوقف إطلاق النار في غزة
الجزائر ومالي
التهدئة الحذرة في العلاقات الجزائرية المالية
tunis
الاستحقاق الرئاسي المقبل في تونس
المغرب
حصاد وتوقعات: اتجاهات الحركة في المنطقة المغاربية عام 2024
Scroll to Top