العربية

مقاربات تنظيم القاعدة في التعامل مع كارثتي المغرب وليبيا

أصدرت الفروع الأربعة الرئيسية لتنظيم القاعدة – القاعدة في شبه الجزيرة العربية، والقاعدة في شبه القارة الهندية، والقاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين – مؤخرًا ثلاثة بيانات متزامنة إزاء أضرار الكوارث الطبيعية في كل من المغرب وليبيا، وهي من المرات القليلة التي تتفاعل فيها فروع التنظيم بشكل منفصل ومتزامن حول حادثة محددة، وجاءت محملة بعددٍ من الدوافع والرسائل والدلالات.

وغالبًا ما يتم اعتبار خطابات وبيانات التنظيمات الإرهابية مصدرًا أساسيًا وأوليًا نحو فهم وتحليل الأيديولوجية الخاصة بها ومطالبها التي تستهدف بثها لدى الأطراف الدولية والإقليمية، ووفق هذا المنطلق، جاءت بيانات فروع التنظيم موحدة في مضمونها ورسائلها، كما جاءت متزامنة ومتقاربة من حيث التوقيت وسرعة الاستجابة للكارثتين، وتضمنت دعوة المتطوعين ومنظمات الإغاثة في الدول الإسلامية، إلى سرعة التعاطي مع أزمتي المغرب وليبيا، وتقديم المساعدات المالية العاجلة للمتضررين من خلال المنظمات الإسلامية ، بعيدًا عن المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، وحث القوي الإقليمية والإسلامية على ضرورة تنحية أي خلاف، وإظهار كافة أشكال التضامن مع المغرب وليبيا.

ما وراء بيانات القاعدة:

تثير بيانات “التعزية والمواساة” لفروع تنظيم القاعدة الدلالات والمؤشرات التالية:

  • شعبوية الخطاب: سعت فروع التنظيم إلى إبراز نهجها الشعبوي، والذي يتسق مع توجهات التنظيم التي لطالما أكد عليها “أسامة بن لادن” في العديد من المناسبات، حيث أعطى الأولوية للخطابات التي تثير ردود أفعال نفسية لدى الفئات الشابة، والمحملة بدعاوى التضامن والإخاء، ويغلب عليها الطابع الديني في الأساس، وهو ما قد يسهم بصورة كبيرة في عمليات الاستقطاب التي يمكن أن يلجأ لها فرع التنظيم في المغرب العربي خلال الفترة المقبلة.
  • التمدد في الشمال الإفريقي: يستمر تنظيم القاعدة في محاولات تعزيز وجوده في شمال أفريقيا وبلاد المغرب العربي، فهو ينتظر الفرصة الملائمة لإحداث تغيير هيكلي في خريطة انتشار الجماعات الإرهابية في القارة، وفي ذلك الإطار، تعتبر ليبيا تحديدًا مركزًا إقليميًا مهمًا للتنظيم قد يسعى لتثبيت دعائم تمركزه فيه، ويرجع ذلك لسببين رئيسيين، يتصل الأول بتسهيل إجراء عمليات نوعية ومباغتة داخل أوروبا من خلال استغلال ميزة التنقل عبر البحر الأبيض المتوسط، بينما يتعلق الثاني بموقع ليبيا الذي يمكن أن يُعد بمثابة نقطة انطلاق محورية تجاه القارة الأفريقية.
  • التوظيف اللوجستي والتمويلي: تمثل الكوارث الطبيعية فرصة مهمة للجماعات الإرهابية لما توفره من حالة اضطراب عام وارتباك لكافة المؤسسات وانشغال الأجهزة الأمنية والعسكرية في عمليات الإغاثة، ومن ثم تمثل لحظة الكوارث حالة هشاشة يمكن استغلالها للاختراق الحدودي أو التهريب أو جمع التبرعات التي غالبًا ما يتم جمعها على أساس أعمال الإغاثة في ظل الغياب المتوقع للرقابة الفعالة على الأموال أو المستفيدين من التبرعات المادية، وفي سياقٍ متصل، قد تستغل العناصر الموالية لتنظيم القاعدة في المغرب العربي حالة عدم الاستقرار والضعف التي خلفتها تلك الكوارث من أجل خلق ظروف تساعدها على الاختراق المجتمعي بصورة أكبر في المغرب العربي وليبيا، وذلك إما عن طريق تجنيد عناصر وفئات جديدة في ظل المعاناة المجتمعية من تبعات الزلزال والفيضان، أو ترقب فشل النظم السياسية في تلك المنطقة في تقديم الخدمات العامة للمواطنين بعد الأزمة، بهدف ضرب شرعية الدولة وكسب شرعية جديدة للتواجد من خلال إطلاق وعود بتوفير الحماية وأوجه المعونة العاجلة.
  • عدم مركزية الخطابات: على عكس الخطابات السابقة لفروع التنظيم وقيادته العامة، إلا أن البيانات الأخيرة قد عكست نوعًا من التنسيق ووحدة الموقف بين فروع التنظيم الرئيسية، مع عدم إصدار القيادة للتنظيم بيانًا واحدًا حول الأزمتين حتى الآن، وهو ما يثير مسألة إعادة ضبط ومراجعة العلاقة بين الفروع والقيادة المركزية.
  • مقاربات مختلفة عن تنظيم داعش: عُرف تنظيم القاعدة بتبني نهج تدريجي مخالف للذي يتبعه تنظيم داعش، حيث تركز القاعدة بصفة رئيسية على اكتساب التأييد والقبول المجتمعي بما يسهم في استدامة تحركات التنظيم على المدى الطويل، وبالتالي سعى التنظيم من خلال البيانات إلى ضمان الظهور كحركة ذات أهداف اجتماعية، في حين يندر أن يكون تنظيم داعش منفتحًا على تقديم بعض التنازلات التي تغير من سلوكه العنيف والوحشي في التعاطي مع الأزمات والتطورات المختلفة.

سياقات مضطربة:

تأتي تلك البيانات في ضوء بعض السياقات الحاكمة سواءً فيما يتعلق بتنظيم القاعدة بصفة خاصة، أو تطورات الأوضاع الأمنية والاستراتيجية على المستويين الإقليمي والدولي، والتي يمكن الإشارة لها على النحو التالي:

  • استمرار حالة الغموض المتعلقة بزعامة التنظيم: منذ الأنباء المتداولة عن مقتل زعيم التنظيم السابق “أيمن الظواهري” في أواخر يوليو من عام 2022، سادت حالة من الغموض بشأن خليفة الظواهري، فعلى الرغم من التأكيدات الأمريكية على تولي “سيف العدل” زعامة التنظيم، لم يقم تنظيم القاعدة بالإعلان عن زعيم التنظيم الجديد أو حتى تأكيد مقتل الظواهري، وهو ما ظهر جليًا في عدم الإشارة لاسم سيف العدل في الإصدار الأخير من مجلة “أمة واحدة” الصادرة عن مؤسسة السحاب، الذراع الإعلامية للقيادة العامة في تنظيم القاعدة، والذي جاء في الذكرى الـ22 لهجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
  • تزايد نشاط تنظيم القاعدة: تشهد الساحة الإقليمية والدولية تناميًا لنشاط فروع تنظيم القاعدة خاصةً في مناطق غرب أفريقيا، والتي تنشط فيها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، كما تنشط حركة شباب المجاهدين في الصومال، فيما يتزايد نشاط التنظيم في اليمن، وذلك على الرغم من الجهود الأمنية والعسكرية ضد التنظيم في كافة معاقله، ومن دخول التنظيم في صراع ممتد مع تنظيم داعش في بعض المناطق، كما في مالي وغرب أفريقيا. 
  • هشاشة جيوسياسية: يأتي تزايد تحركات تنظيم القاعدة في ظل عدد من التطورات والأحداث التي أسهمت في حالة من الهشاشة وعدم الاستقرار الجيوسياسي على كافة الأصعدة، حيث شهدت الساحة الدولية جملة من الاضطرابات على مدار الأعوام الماضية، والتي ألقت بظلالها على الوضع الأمني في المنطقة العربية والأفريقية، لعل من أبرزها الحرب الأوكرانية وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، وانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، والأزمة السودانية، وظاهرة الانقلابات العسكرية في الدول الأفريقية، وهو ما أسهم بشكلٍ جليّ في تعزيز أنشطة وتحركات الجماعات الإرهابية بشكلٍ عام. 
  • تكرار الكوارث الطبيعية: شهد العالم موجة من الكوارث الطبيعية، مثل: الزلزال الذي ضرب كل من سوريا وتركيا، وحرائق الغابات بالجزائر وبعض البلدان الأخرى، وكذلك زلزال المغرب وأخيرًا إعصار دانيال في ليبيا، ومن المتوقع في ظل التغيرات المناخية تكرار حدوث مثل تلك الكوارث، وعلى الرغم من أن الكوارث الطبيعية الناجمة عن التغيرات المناخية قد لا تكون سببًا مباشرًا ومحفزًا لنشاط التنظيمات الإرهابية، إلا أنها تؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار وهي بيئة مواتية وحاضنة للمنظمات الإرهابية.

وختامًا، يمكن الإشارة إلى أن تنظيم القاعدة من خلال بيانات الفروع الرئيسية التابعة له إنما يرغب في تكريس حضوره الإقليمي، وهو ما يثير احتمالية تنامي تهديداته الأمنية في منطقة المغرب العربي وشمال أفريقيا، خاصةً في ضوء مساعيه إلى تعزيز قدراته داخل القارة الأفريقية، كما يسعى التنظيم إلى إحراج الدول من منطلق أنها المسئولة عن فشل الاستجابة في التعامل مع تلك الكوارث، كما يتعامل التنظيم باستخدام خطاب اجتماعي لكسب نوع من التأييد المجتمعي، بما يساعده في تكريس وجوده، وبناء قواعد اجتماعية جديدة تمكنه من التكيف مع متغيرات المنطقة المتعاقبة.

burkina
غاية معلقة: مكافحة الإرهاب في "بوركينا فاسو"
ai terror
توظيف الجماعات الإرهابية للذكاء الاصطناعي
ISIS Russia
ارتدادات موسكو: مخاطر عودة داعش في الشرق الأوسط
russia Africa
مقاربة جديدة: حدود الدور الروسي في مكافحة الإرهاب في أفريقيا
Scroll to Top