العربية

حقائق الانتخابات الرئاسية في مصر 2024

تمثل الانتخابات جوهر العملية الديمقراطية باعتبارها أداة التعبير عن الرأي وقناة التغيير التي يشهد من خلالها النظام السياسي حالة من دوران السلطة والتداول السلمي لها، وتأتي استجابةً لرأي الناخبين، فالانتخاب لغةً إنما يعني “الاختيار ما بين متعدد”، فأنت تنتخب أي تختار ما تراه مناسبا من وجهة نظرك، وفى علم السياسة يشير الانتخاب إلى ذلك الإجراء الذي يمارس من خلاله المواطنون – من تنطبق عليهم الشروط – إرادتهم فى اختيار حكامهم أو نوابهم من بين عدة مرشحين، ويشار هنا إلى أن بعض الوظائف مثل الضباط والقضاة قد يكونون – بحكم الوظيفة – خارج الهيئة الناخبة.

وبالنظر إلى مضمون الانتخاب، نجد أنه “حق”، فلكل مواطن بلغ سن الرشد السياسي ممارسة حق الاختيار فى كل الاستحقاقات التي يُدعى إليها، ومن هنا يتم تطبيق مبدأ الاقتراع العام، أي مساهمة جميع المواطنين فى عملية الانتخاب، كما أن الانتخاب “واجب”، فكل مواطن يحمل جنسية بلاده يجب عليه المشاركة فى الشأن العام، والانتخاب أيضًا “سلطة قانونية” مستمدة من الدستور والقانون، ويتم تنظيم تلك السلطة من أجل إشراك المواطنين كافة في عملية الاختيار.

وتتميز الانتخابات الديمقراطية بعدة خصائص، فهي انتخابات عامة مباشرة يشترك فيها جميع المواطنين الذين تنطبق عليهم الشروط بأنفسهم فيما عدا المحرومون بحكم القانون لطبيعة وظائفهم أو عدم أهليتهم العقلية، وتُبنى على قاعدة المساواة، فلكل مواطن صوت واحد متساو مع غيره من المواطنين، فلا تمييز بسبب النوع أو السن أو الثروة أو محل الإقامة أو التعليم أو غيره من السمات الديموجرافية، وتتأسس على قاعدة سرية الإدلاء بالأصوات، حتى يستطيع كل مواطن إتمام عملية الاختيار دون التعرض لمضايقات أو ضغوط، وتجرى بشكل دوري، لتداول وتبادل الأماكن بين الأفراد والمجموعات تبعًا للاختيار الشعبي، وهي انتخابات نزيهة، لا تشهد تدخلًا من السلطات التي تدير العملية الانتخابية فى تفاعلاتها ولا تشهد انحيازًا لصالح مرشح على حساب مرشح آخر.

ولقد عرفت مصر الحديثة تجربة الانتخابات للمرة الأولى منذ أكثر من مائة وخمسين عامًا، وتحديدًا في عام 1866 مع انتخاب أول برلمان حمل اسم مجلس شورى النواب أو مجلس شورى القوانين، وتوالت انتخابات البرلمان عبر السنين ومارس خلالها المواطنون حقهم في الاختيار، وعرفت مصر الانتخابات الرئاسية التعددية لأول مرة في عام 2005، لتتوالى بعدها جولات الانتخابات الرئاسية التعددية، حتى وصلنا إلى انتخابات 2024 التي تعد الانتخابات الرئاسية الخامسة، ليستمر الفائز بمنصب رئيس الجمهورية في السلطة حتى عام 2030.

أُجريت انتخابات 2024 وفقًا لسياق دستوري وقانوني، يُنظم العملية الإجرائية بشكل واضح ومحدد، فالدستور المصري قد أشار في المادة (87) على أن لكل مواطن حق الانتخاب والترشح وإبداء الرأي فى الاستفتاء … وتلتزم الدولة بإدراج اسم كل مواطن بقاعدة بيانات الناخبين، كما ينص قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية رقم (45) لسنة 2014 على مجموعة من الحقوق السياسية التي يتمتع بها المواطن المصري، أبرزها حقه في انتخاب رئيس الجمهورية، إلى جانب انتخاب أعضاء البرلمان والمجالس المحلية، كما يُقيد تلقائيًا بقاعدة بيانات الناخبين أسماء من تتوفر فيه شروط الناخب، دون أن يلحق به أي مانع، مع إعفاء أفراد محددين من ممارسة هذا الحق، نظرًا لطبيعة عملهم، وهم ضباط وأفراد القوات المسلحة الرئيسية والفرعية والإضافية وضباط وأفراد هيئة الشرطة، وذلك طوال مدة خدمتهم.

إن استقراء تلك النصوص الدستورية والقانونية يضعنا أمام عدد من الحقائق، أبرزها: أن الممارسة السياسية – والقائمين عليها في مصر – تنظر إلى أن إبداء الرأي والانتخاب في الاستفتاءات والاستحقاقات الانتخابية كافة باعتباره حق يجب أن يمارسه أي مواطن مقيد بقاعدة بيانات الناخبين، وأن هذا الأمر يعد أيضًا واجبًا من منطلق ضرورة المشاركة فى الحياة العامة والتي من أبرز جوانبها المشاركة السياسية، وكذا تطبيق نظام القيد التلقائي بقاعدة بيانات الناخبين دون الحاجة لإبداء المواطن لرغبته فى القيد، كما هو متبع فى العديد من دول العالم.

ولقد أجريت انتخابات الرئاسة في ضوء مجموعة من المحددات الرئيسية، والتي أظهرت حرص الدولة على تنظيمها وإخراجها بطريقة “حرة” و”نزيهة” و”ميسرة”، ومن أبرز هذه المحددات ما يلي:

  • التعددية بين المرشحين المتنافسين على منصب رئيس الجمهورية، حيث شهدنا منافسة بين أربعة مرشحين، من بينهم ثلاثة من زعماء الأحزاب، وهو الأمر الذي يعكس تطورًا إيجابيًا في فهم الأحزاب لأدوارها ووظائفها بصورة تتجاوز مجرد الوجود الشكلي أو الوجاهة الاجتماعية، إلى بناء الكوادر القادرة على التنافس السلمي، وبذل الجهد لإقناع الناخبين واستقطاب الأصوات وتنفيذ التعهدات في حال الفوز، كما عكست تعددية المرشحين حالة الحراك السياسي التي تشهدها الدولة المصرية، والتي بدأت عبر الحوار الوطني الذي دعا إليه رئيس الجمهورية، وجاء مساندًا للعملية الانتخابية، لا سيما أن الاحزاب هي الكيانات  السياسية المنوط بها تنشئة المواطنين على كيفية ممارسة السياسة بمستوياتها المختلفة وتنفيذ وظيفة التجنيد السياسي المتمثلة في كوادر مؤهلة للتنافس السلمي.
  • الظرف الاستثنائي الذي أجريت فيه الانتخابات في ضوء وجود مهددات حقيقية للأمن القومي المصري، حيث نشهد توترات متصاعدة على حدود الدولة المصرية كافة، في الشرق والغرب والجنوب وهي التوترات التي تستدعي حالة من اليقظة التامة من كافة أجهزة ومؤسسات الدولة وفي مقدمتها “رئيس الدولة”، للحفاظ على أمن الوطن والمواطن، وتوفير البيئة الداعمة للسلام والبناء والتنمية، ولعل هذه التوترات قد فرضت نفسها على الناخب، حيث أسهمت في تحديد بوصلته في الاختيار وكذا تحديد أولوياته خلال المرحلة المقبلة.
  • طبيعة المرحلة التي تمر بها الدولة المصرية، حيث حققت على مدار تسع سنوات مجموعة من الإنجازات، والتي أوجدت حاجة ماسة للحفاظ عليها، وهو ما يتحقق عبر تفاعلات جديدة بين المواطن والدولة، ويستدعى معايير مختلفة في التقييم والاختيار، لا تستند إلى برنامج انتخابي تقليدي بقدر ما تستند إلى رؤية متكاملة حول مكانة ودور وأهداف الدولة المصرية في المرحلة المقبلة، وحجم التشابك والتداخل بين قضايا الإقليم وقضايا الداخل.
  • مأسسة العملية الانتخابية وانتظامها، عبر إشراف الهيئة الوطنية للانتخابات المنوط بها اجراءات العملية الانتخابية كافة، وهو ما تحقق صحبة الإشراف القضائي الكامل، عبر أكثر من خمسة عشرة ألف قاض جرى توزيعهم على نحو 11 ألف لجنة انتخابية، وقد مثل ذلك ضمانة جوهرية لنزاهة العملية الانتخابية.
  • متابعة منظمات المجتمع المدني الوطنية والدولية، وكان ذلك واحدًا من أهم محددات العملية الانتخابية، حيث أسهمت في توفير بيئة داعمة لنزاهة الانتخاب وشهادة تقدير للإجراءات المتبعة لتوفير بيئة ضامنة لانتخابات حرة ونزيهة، وعكست قوة الدولة المصرية وارادتها الحقيقية، على أن تخرج العملية الانتخابية في أبهى صورها.
  • الاهتمام الكبير بأصحاب الهمم، والحرص على توفير كافة السبل التي تتيح لهم مشاركة حرة ونزيهة وميسرة، حيث تم توفير بطاقات إبداء الراي بطريقة “برايل” للمكفوفين، مع توفير فيديوهات تعريفية بإجراءات العملية الانتخابية لفاقدي السمع والكلام، ليتسنى لهم معرفة كيفية الإدلاء بالصوت منعا لبطلانه، وتوزيع اللجان الانتخابية لذوي الإعاقة الحركية في الأدوار الأرضية.

وختامًا، فلقد كانت الانتخابات الرئاسية بمثابة العملية الجامعة لكل من له حق الانتخاب من المواطنين المصريين، في الداخل والخارج، وأكدت على حقيقة أن الانتماء للوطن والمشاركة في بنائه هو التزام على الجميع مهما تباعدت المسافات، ولعل هذه الحقيقة ترتبط بحقيقة أخرى، وهي أن الانتخابات الرئاسية قد مثلت نقطة فارقة في تاريخ تطور النظام السياسي المصري، نحو مزيد من المؤسسية والحوكمة الرشيدة لصالح مواطن أكثر وعيًا ومجتمع أكثر استقرارًا وأمنًا وتطورًا.

youth
التمكين الاقتصادي والاجتماعي للشباب في الجمهورية الجديدة
التعاونيات
دور التعاونيات في تنفيذ رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة
Scroll to Top