العربية

ارتدادات غزة: تأثير التصعيد الإسرائيلي على اقتصادات دول الشرق الأوسط

يؤدي استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، وما يصاحبها من مخاوف توسع نطاق تلك الحرب في منطقة الشرق الأوسط، إلى العديد من التأثيرات الاقتصادية السلبية على دول المنطقة، فبخلاف العبء الذي تواجهه دول الشرق الأوسط بسبب صدمتي كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، فهناك قنوات تأثير رئيسية تضررت، وقد تتبلور تأثيراتها خلال الفترة المقبلة، منها: التراجع في تدفقات رؤوس الأموال للمنطقة، وارتفاع فاتورة الاستيراد من الخارج، فضلًا عن الاضطرابات في قطاع النقل، وهو ما من شأنه أن يكون له تأثيرات سلبية ممتدة على الأجل المتوسط.

أهم مؤشرات الوضع الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط:

لازالت التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، سواء المباشرة وغير المباشرة، تؤثر على اقتصادات دول الشرق الأوسط، مما أسفر عن تراجع التوقعات لنمو المنطقة ككل، حيث خفض البنك الدولي في يونيو 2023 توقعاته لمعدل النمو الاقتصادي للمنطقة إلى 2.2% في 2023، وذلك من 5.9% في 2022، وجدير بالذكر أن البنك كان قد توقع تسجيل المنطقة معدل نمو 3.5% في يناير 2023، أي أنه خفض توقعاته بنحو 1.3% خلال عدة أشهر، وبما يشير إلى أن التعافي الاقتصادي المرتقب للمنطقة قد تراجع بسبب الأعباء الناتجة عن التطورات الاقتصادية العالمية التي تلت الصدمات الأخيرة.

بالمثل، قام صندوق النقد الدولي بخفض توقعاته لمعدل نمو منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في أكتوبر 2023 إلى 2% في 2023 من 5.6% في 2022، وهي أقل من توقعاته الصادرة في مايو 2023، حيث رأي وقتها أن المنطقة قد تسجل معدل نمو 2.9% في عام 2023، وهو ما يؤكد النظرة المتراجعة لاقتصادات دول المنطقة.

ولا يستبعد أن يتم خفض تلك التوقعات مرة أخرى خلال الفترة المقبلة بسبب انعكاسات الحرب على غزة، وهو ما دلل عليه إشارة نائبي مديرة صندوق النقد الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى “جون بلودورن” و”تالين كورانشيليان” في مطلع ديسمبر 2023، إلى أنه قد يتم مراجعة توقعات معدل نمو المنطقة في ضوء الصراع الحالي في غزة، لاسيما مع احتمالية توسع دائرة الصراع، وكذا تضرر العديد من دول الجوار المباشر لإسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، هذا ويأتي ذلك التنويه في ضوء التأثير السلبي على معدلات النمو في الربع الأخير من عام 2023.

أبرز قنوات تأثير الحرب الإسرائيلية على غزة:

تتعدد التأثيرات التي تطال العديد من القطاعات والمجالات الاقتصادية بسبب استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وهي التي تعززها التوقعات بشأن توسع التوترات الأمنية والعسكرية التي قد تطال العديد من الدول والمناطق، وإن كانت هناك توقعات مبالغ فيها بدخول المنطقة في حرب شاملة، وبالتالي فإن مثل تلك التوقعات لها صدى سلبي على الجهود المكثفة لدول المنطقة الرامية إلى تحسين وتطوير اقتصاداتها، وفي هذا الإطار يمكن تناول أبرز قنوات تأثير الصراع الحالي، وذلك على النحو التالي:

 تراجع تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية لدول المنطقة: أسفرت حالة عدم اليقين من امتداد تطور الصراع في غزة ليشمل عدة دول، وتأثير ذلك على استقرار تلك الدول والمنطقة بأسرها، خاصةً على المستوى الاقتصادي، أسفرت عن تباطؤ حركة تدفق الاستثمارات الأجنبية للمنطقة (في شكل شراء أسهم وسندات وأذون خزانة)، وهو ما دلل عليه تراجع صافي تلك التدفقات منذ بدء الحرب بأكثر من 100 مليون دولار، وقد يكون ذلك مؤشرًا على تخارج العديد من الاستثمارات أو عدم جذب استثمارات جديدة، وهو ما يوضحه الشكل التالي.

تطور صافي التدفقات للمحافظ الاستثمارية لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بين شهري فبراير ونوفمبر 2023 (بالمليون دولار)

Source: John Bluedorn and Taline Koranchelian, “Middle East Conflict Risks Reshaping the Region’s Economies”, International Monetary Fund. 1 December 2023.

يشكل تراجع تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية لدول الشرق الأوسط تحديًا لعديد من الدول التي تعتمد على التمويل الأجنبي في تعزيز استقرار أسواقها، وتوفير السيولة من العملات الأجنبية لتمويل الاستيراد وسداد ديونها الخارجية، مع الأخذ في الاعتبار أن ذلك قد يصاحبه الحاجة إلى رفع سعر الفائدة لزيادة جاذبية أدوات الدين السيادية التي تطرحها تلك الدول في سوق المال العالمي، مما يزيد من عبء الديون الخارجية بالعملة الصعبة، ويؤثر أيضًا بالسلب على عجز ميزانيات حكوماتها، وسينعكس ذلك كله على التصنيف الائتماني لعديد من دول المنطقة،  حيث يهدد ما سبق بإجراء خفض لذلك التصنيف، وهو ما له ارتدادات أخرى في المقابل، على رأسها ارتفاع تكلفة الاقتراض من الخارج بشكل أكبر.

ارتفاع فاتورة الاستيراد من الخارج: تأثرت حركة أسعار بعض السلع في السوق العالمي من الحرب الإسرائيلية على غزة، وذلك بشكل مباشر وغير مباشر، فمن جهة، أسفرت الفترة الأولى من الحرب عن ارتفاع في أسعار النفط بشكل كبير معتمدة في ذلك على حجم التصعيد وإشارة العديد من الأطراف بالتدخل في الحرب، ويُشار في هذا الصدد إلى أن ارتفاع أسعار النفط والطاقة عمومًا تعني ارتفاع في أسعار نقل السلع وزيادة التكلفة التشغيلية لعملية الإنتاج، بما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع في الأسواق الداخلية.

يؤكد ما سبق ما ذكره تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي 2023” الصادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD في ديسمبر 2023، حيث أشار إلى أن ارتفاع سعر النفط بمقدار 10 دولار للبرميل، يؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم عالميًا بمقدار 0.2% في العام الأول، ولذلك فإن الارتفاع في أسعار الطاقة سيمتد إلى باقي السلع والخدمات المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية، وهو ما قد يسفر عن تباطؤ في العديد من القطاعات الاقتصادية.

جدير بالذكر أن سعر النفط قد وصل لأعلى مستوى له في 19 أكتوبر الماضي عند 92.38 دولار لبرميل خام “برنت” منذ بدء الحرب، وذلك من 84.07 دولار في 5 أكتوبر، أي بارتفاع نسبته 9.8%، ويأتي التذبذب في سعر النفط، والذي غلب عليه الاتجاه التصاعدي، بسبب تزايد المخاوف من توسع نطاق الصراع ليؤثر على إمدادات النفط من منطقة الشرق الأوسط المسئولة عن نحو 36% من إجمالي الإنتاج العالمي منه، ويوضح الشكل التالي التحركات السعرية لبرميل نفط خام برنت.

تطور السعر اليومي لبرميل نفط خام “برنت” بين شهري يونيو وديسمبر 2023

Source: www.businessinsider.com

التأثير على حركة النقل وممرات التجارة الإقليمية: تشكل الهجمات الحوثية على السفن التجارية التي تمر قبالة سواحل اليمن تهديدًا متزايدًا لحركة الملاحة البحرية، وهو ما يدفع بعض شركات النقل البحري إلى سلك ممرات بحرية أخرى تزيد من تكلفة وزمن الرحلة، مثل الانتقال من طريق البحر الأحمر/ قناة السويس/ البحر الأبيض المتوسط إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

بالإضافة إلى ذلك، شهد قطاع النقل البحري اضطرابات بسبب التهديدات العسكرية والتي أدت إلى ارتفاع أسعار التأمين على السفن، وذلك من نحو 0.03% من قيمة السفينة لتصل إلى 0.1%، وهو ما ينعكس على سعر السلعة النهائي، وبالتالي ستتحمل الدول المستوردة تبعات ذلك الارتفاع، وبما يلقي عبء إضافي على موازين مدفوعاتها وكذا أوضاع أسواقها الداخلية.

إن تعدد وتنوع بؤر التوتر في منطقة الشرق الأوسط له انعكاسات سلبية على استقرار اقتصاداتها، ولعل التصعيد العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة سيكون له ردود فعل انتقامية على مدار السنوات المقبلة، وذلك بعد ارتفاع عدد القتلى من سكان القطاع والآثار التدميرية التي لحقت به، الأمر الذي قد يعرقل أي مشروعات للربط الإقليمي الرامية لأن تصبح جزء رئيسي من ممرات تجارة عالمية بين الشرق والغرب، لاسيما أن ردود الفعل الانتقامية قد تستهدف الموانئ أو شبكة الطرق والمواصلات التي تنقل البضائع عبر الحدود في تلك الممرات، وقد يصاحب ذلك تردد الشركات والأفراد في ضخ استثمارات لإقامة مراكز لوجستية ومصانع للاستفادة من تلك الممرات، وبما يقلص من فرص جذب الاستثمارات الأجنبية التي تحتاجها العديد من الدول لدعم التنمية.

وختامًا، فقد أسفرت عملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها فصائل المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من حرب إسرائيلية على قطاع غزة، عن العديد من التداعيات الاقتصادية على دول منطقة الشرق الأوسط، وهو ما قد يترك تأثيرات ممتدة قد تستمر على المدى المتوسط كحد أدنى، وذلك في ضوء التراجع الفعلي للعديد من اقتصادات دولها، وتراجع قدرة بعضها على مواجهة الصدمات الخارجية، مع الأخذ في الاعتبار أن المؤشرات الاقتصادية أصبحت أكثر مرونة وحساسية تجاه الصراعات العسكرية، وهو ما تبلور بشكل واضح عقب الحرب الروسية على أوكرانيا، وبالتالي فإن أزمة غزة الراهنة تشكل محورًا جديدًا لعدم الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.

sanctions
هل يؤثر الاستخدام المتزايد للعقوبات على الاقتصاد العالمي؟
g20
تزايد الانقسامات الدولية في الملفات الاقتصادية
galaxy leader
عوائق مستجدة: مشروعات الممرات الاقتصادية في الشرق الأوسط
US Dollar
سيناريوهات التعامل مع أزمة الديون العالمية
Scroll to Top