العربية

فجوة الدور: بدائل التعامل مع انسحاب مهمات مكافحة الإرهاب من أفريقيا

شهدت جهود مكافحة الإرهاب في أفريقيا مؤخرًا عددًا من التحولات والترتيبات الأمنية والعسكرية في أعقاب انسحاب بعض المهمات الدولية وإنهاء بعض الجهود الدولية العاملة في المناطق المضطربة، وكذا تصدع بعض التحالفات الإقليمية العسكرية المعنية بمكافحة الإرهاب، وهو ما قد يترتب عليه جملة من التداعيات تتعلق بإعادة تشكيل الترتيبات العسكرية والأمنية بالقارة.

انسحابات متسارعة:

تسارعت وتيرة تقليص الجهود الجماعية (الأممية والدولية والإقليمية) المعنية بمكافحة الإرهاب في أفريقيا منذ منتصف 2022، وهو ما يمكن رصده على النحو التالي:

  • اتجاه الكونغو لإنهاء المهمات الأممية والإقليمية المساهمة في جهود مكافحة الإرهاب والنشاط المسلح خاصةً في شرق البلاد، بدعوى عدم فاعلية تلك المهمات وإخفاقها في تحقيق الاستقرار، حيث رفضت الكونغو تجديد مهمة تفويض القوة الإقليمية لشرق أفريقيا بعد 8 ديسمبر الحالي، أي بعد عام واحد من نشاطها داخل الكونغو، فيما اتفقت الكونغو مع الأمم المتحدة، في نوفمبر 2023 على إنهاء وجود قوات حفظ السلام التابعة لها بعد أكثر من عقدين من جهودها داخل البلاد.
  • إعلان كل من بوركينا فاسو والنيجر في 2 ديسمبر الجاري، عن انسحابهما من مجموعة دول الساحل الخمس G5 وجميع هيئاتها بما في ذلك القوة المشتركة للمجموعة، ويأتي هذا الإعلان بعد نحو عام ونصف من انسحاب مالي من المجموعة ذاتها، حيث أعلن المجلس العسكري الحاكم في مالي، في مايو 2022، عن انسحاب باماكو من المجموعة احتجاجًا على رفض توليها رئاسة المجموعة الإقليمية، ولتقتصر المجموعة بذلك على دول: تشاد وموريتانيا فقط.
  • إعلان فرنسا في 5 أكتوبر 2023، بدء سحب قواتها المشاركة في مكافحة الإرهاب بالنيجر على أن تستكمل انسحابها بنهاية العام الجاري، وذلك على خلفية الخلاف الذي نشب بين البلدين في أعقاب رفض فرنسا إزاحة الرئيس النيجري “محمد بازوم”، وهو نفس الأمر الذي سبق حدوثه بانسحاب مهمة قوة براخان الفرنسية من مالي في نوفمبر 2022، وإعادة تمركز بعض عناصرها في النيجر وتشاد، وذلك في أعقاب الخلاف السياسي المحتدم بين السلطة الحاكمة في مالي وبين فرنسا.
  • استكمال بعثة الأمم المتحدة في مالي “مينوسما”، في أكتوبر الماضي انسحابها المفاجئ والسريع لجميع قوات وموظفي البعثة من قاعدتها المتواجدة في تيساليت وأغيلهوك، وذلك في إطار تعديل خطة الانسحاب الكامل من مالي، والتي كانت محددة سلفًا وفقا لقرار مجلس الأمن رقم (2690) الخاص بانسحاب كامل للقوات الأممية من مالي بنهاية 2023.
  • إعلان قوة الاتحاد الأفريقي في الصومال “أتميس” في يونيو 2023، عن البدء في الانسحاب من الصومال وفقًا لقرار الأمم المتحدة بتجديد تفويض نشاط قوة الاتحاد الأفريقي في الصومال 6 أشهر تنتهي في سبتمبر 2023، ولكن بناءًا على طلب الصومال، علقت الأمم المتحدة في نوفمبر 2023 انسحاب قوة الاتحاد الأفريقي لمدة ثلاثة أشهر أخرى نظرًا لاحتدام المعارك مع حركة الشباب في إطار المرحلة الثانية للعملية العسكرية التي تشنها الصومال ضد معاقل الحركة الإرهابية، ومن المتوقع أن يتم الانسحاب الكامل لقوة الاتحاد الأفريقي من الصومال بنهاية عام 2024.

سياقات معقدة:

أخذ خطاب إنهاء تجديد المهام الأممية والإقليمية في أفريقيا منحنى تصاعدي، بالرغم من الدور المهم الذي لعبته البعثات الأممية والإقليمية في تحقيق استقرار نسبي في بعض مناطق الصراع بأفريقيا عبر أكثر من خمسة عقود، حيث تأتي معظم دعوات تقليص القوات الأممية والإقليمية بناءً على طلب الحكومات الإفريقية مدعومة بمساندة شعبية واسعة، في ضوء عدد من السياقات والمبررات الآتية:

  • التطورات السياسية المتسارعة في منطقة غرب ووسط أفريقيا، وتغير النخب الحاكمة، خاصةً في منطقة غرب إفريقيا، ورغبة تلك الدول في تقليص التأثير الغربي خاصةً فرنسا في شئونها الداخلية، وإعادة توجيه بوصلتها السياسية نحو روسيا.
  • الخلافات الإقليمية نتيجة التغيرات السياسية في بعض الدول، فقد برز جليًا هذا الخلاف في منطقة غرب أفريقيا بعد سلسلة التغيرات في كل من مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وهو ما أدى إلى تصدع منظمة “الإيكواس”، التي هددت بالتدخل العسكري لإعادة حكومة بازوم في النيجر، وهو ما قابله تحالف مضاد من الدول الثلاث.
  • استمرار تصاعد العنف المسلح والإرهاب وتمدده في مناطق مختلفة، رغم تكلفة مشاركتها المالية في مكافحة الإرهاب في تلك البلدان، وهو ما أدى إلى إعادة النظر في مسألة فاعلية دور البعثات الأممية والإقليمية.
  • اتهام بعض تلك البعثات بالتراخي في جهودها، مما أدى إلى سيطرة الجماعات المسلحة على بعض المناطق، كما الحال في شرق الكونغو.
  • تزايد الفجوات التمويلية لمهام مكافحة الإرهاب في أفريقيا، إذ كانت تلك الفجوات سببًا في تخطيط الاتحاد الأفريقي لسحب قواته تدريجيًا من الصومال، حيث قُدرت الفجوة التمويلية لقوة الاتحاد الأفريقي بنحو 25،9 مليون دولار، ونجحت مصر مؤخرًا في إطار ترأسها للجنة الموازنة في الاتحاد الأفريقي في سد هذه الفجوة بعد إدارة مشاورات متعددة مع الدول الأعضاء.
  • تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الضاغطة في أفريقيا على ضوء تداعيات النزاعات الدولية والإقليمية (مثل: الحرب الأوكرانية، والتصعيد الإسرائيلي في غزة، والصراعات في ليبيا والسودان)، وتصاعد حدة الاستقطاب الدولي بين الولايات المتحدة من جانب وبين روسيا والصين من جانب أخر، حيث تلقي هذه الحالة بظلالها على الوضع في أفريقيا.

تداعيات وبدائل محتملة:

من المتوقع أن يؤدي الانسحاب الأممي والدولي والإقليمي إلى تعقد حالة الفراغ الأمني وتمدد خرائط الإرهاب والعنف المسلح والجريمة المنظمة في أفريقيا، فقد تسعى بعض الجماعات إلى السيطرة على بعض المناطق الحيوية، مستغلةً السيولة الأمنية في المناطق الحدودية، والانقسامات السياسية الداخلية، وتواضع قدرات بعض القوات العسكرية الوطنية في عدد من الدول الأفريقية، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال تمدد تنظيمات داعش والقاعدة في دول غرب أفريقيا (مالي، والنيجر، وبوركينا فسو) وكذا تصاعد العنف المسلح للأزواد شمال مالي، خاصةً في أعقاب الانسحاب الفرنسي والأممي من تلك البلدان.

وتدفع حالة الفراغ الأمني في أعقاب حالات الانسحاب من مناطق النزاعات إلى إعادة تشكيل الترتيبات الأمنية والعسكرية في القارة كبدائل ممكنة، لعل من أبرز هذه البدائل ما يلي:

  • زيادة التفاهمات والشراكات الأمنية الثنائية: قد تتجه الدول الأفريقية لاستغلال التنافس الدولي بين القوى الكبرى من أجل تنويع شراكاتها الأمنية والعسكرية مع الدول الكبرى بشكل مباشر كبديل للجهود الجماعية، ففي ضوء زيادة روسيا والصين لدورهما في أفريقيا تتجه الأنظار الأمريكية إلى المنطقة أيضًا، لاسيما مع تقلص الدور الفرنسي، ونُشير في هذا الإطار إلى شراكات الولايات المتحدة مع كينيا وغانا لتعزيز جهود مكافحة الإرهاب فيهما، مع إصرار الولايات المتحدة على استمرار قاعدتها في النيجر، في حين تعمق روسيا من شراكاتها مع دول الساحل.
  • تشكيل تكتلات أمنية إقليمية جديدة: تدفع التطورات الأخيرة إلى إعادة تشكيل الترتيبات الأمنية من خلال ظهور تكتلات عسكرية وأمنية جديدة تتشكل من دول الجوار، ففي القرن الأفريقي، ناقشت الصومال وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي المساعي المشتركة لمكافحة الإرهاب (وتشكل هذه الدول تيارًا إقليميًا قريب من الولايات المتحدة)، وفي منطقة الساحل شكلت مالي والنيجر وبوركينا فاسو تحالفًا لدول الساحل، وهو تحالف معني بالدفاع المشترك ضد أي تمرد أو هجوم خارجي على أي من الدول الأعضاء (وهو تيار إقليمي آخر يميل تجاه التقارب مع روسيا).
  • الاستعانة بكيانات مسلحة لتعويض الفجوة الأمنية: حيث يُرجح أن تزيد الضغوط الأمنية في أعقاب هذه الانسحابات إلى الاستعانة بالشركات الأمنية الخاصة الدولية، مثل “فاغنر” الروسية، أو تزايد الاعتماد على المليشيات المحلية الداعمة للحكومات في مناطق الصراعات.
  • تعزيز دور بعض التحالفات الدولية والإقليمية القائمة: هناك فرصة لتعزيز دور بعض الجهود القائمة والمعنية بمكافحة الإرهاب، كتفعيل لجنة أركان العملياتية المشتركة والتي تضم كل من الجزائر والنيجر وموريتانيا ومالي، وكذا تعزيز جهود المجموعة الخماسية المعنية بمكافحة الإرهاب في الصومال، والتي تضم قطر والإمارات والولايات المتحدة وتركيا وبريطانيا بالإضافة إلى الصومال، وإعطاء مساحة أكبر لمركز الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا.

وختامًا، ينظر البعض إلى أن الانسحابات المتتالية من مناطق النزاعات في أفريقيا قد يحمل بعض إشارات التفاؤل بتعزيز الجهود الوطنية في مكافحة الإرهاب، إلا أن هناك مجموعة من التحديات التي قد تواجه تلك الجهود، من أبرزها: التكلفة المادية المرتفعة لعمليات المكافحة، والتي تأتي متزامنةً مع تدهور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في مناطق النزاعات، بالإضافة إلى ارتفاع الأعباء السياسية والأمنية المباشرة لتلك الجهود.

russia Africa
مقاربة جديدة: حدود الدور الروسي في مكافحة الإرهاب في أفريقيا
الصومال
بروباجندا الإرهاب: الدعاية الإعلامية لحركة الشباب الصومالية
ISIS
دلالات تصاعد هجمات داعش الأخيرة في الشرق الأوسط
حركة الشباب الصومال
حصاد وتوقعات: مؤشرات واتجاهات الإرهاب عام 2024
Scroll to Top