العربية

عقيدة المقاومة: قراءة في النظرة الإسرائيلية للأسس الفكرية لمحور المقاومة

أدى العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة وما تبعه من توسع في نطاق الأعمال العسكرية خارج حدود غزة، إلى منطقة الحدود الجنوبية للبنان، وفي العراق وسوريا والبحر الأحمر، بين فصائل مسلحة مدعومة من إيران وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، أدى إلى خلق مناخ من التوتر الإقليمي بشكلٍ عام، حيث بزر في هذه المرحلة بشكلٍ أساسي محور المقاومة كمجموعة متماسكة من الفصائل المسلحة المحسوبة على إيران، والتي سعت إلى الترويج بأنها تتبنى خيار “المقاومة” كخيار استراتيجي ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وكأداة وحيدة لتحرير الأراضي الفلسطينية وعلى رأسها القدس.

وقد دفع هذا تهديد أعضاء محور المقاومة لأمن إسرائيل، إلى تبني الأخيرة مقاربة تقوم على فهم أعمق للأسس الفكرية لمحور المقاومة، وكيفية تطويع تلك الأسس الفكرية لبناء استراتيجية أمنية لمواجهة هذا المحور.

الرؤية الإسرائيلية:

بشكلٍ عام، يُلاحظ أن جزء معتبر من الكتاتبات الإسرائيلية أو الغربية التي تناولت مصطلح “المقاومة” وما يتصل بذلك من مبادئ تشكل الإطار الفكري أو العقائدي كمدخل لفهم “لماذا يقاتل محور المقاومة؟” قد اعتمدت بشكل أساسي على دراسة منشورة للكاتب الصحفي الإسرائيلي “إيهود يعاري”[1]، بعنوان “عقيدة المقاومة” والتي نُشرت في عام 2006، في أعقاب الحرب الإسرائيلية الثانية على لبنان.

تُعرف الدراسة المشار إليها عقيدة المقاومة بأنها عقيدة القتال المستمر ضد إسرائيل، التي تؤيدها وتروج لها إيران وتتبناها حركتي حماس وحزب الله، وهي عقيدة ترفض السلام وتهدف إلى تقويض عزيمة العدو، وإزاء هذا التعريف فقد وضع الكاتب عددًا من الملامح الرئيسية لهذه العقيدة، تمثلت فيما يلي:

  • قضية السلام: رفض السلام مع إسرائيل أو الاعتراف بوجودها من الأساس، حيث لا ينبغي للعالم العربي، بسبب المصاعب المؤقتة، أن ينجر إلى الاعتراف بإسرائيل وقبول وجودها من خلال اتفاقيات السلام، وفي حالة الحاجة الملحة لفترات من الراحة وإعادة التنظيم، فمن الممكن التوصل إلى اتفاقيات هدنة مع إسرائيل، صالحة لفترة محدودة فقط.
  • توازن القوى: لا يجب أن يردع توازن القوى المختل لصالح إسرائيل قوى المقاومة عن مواصلة العمل العسكري، فبخلاف “جمال عبد الناصر” الذي كان يهدف إلى بناء قوة عسكرية كافية للتغلب على إسرائيل، ففي فقه محور المقاومة عندما يكون ميزان القوى في صالح العدو بشكل واضح، فإنه يؤدي إلى الحتمية المستمرة للحرب، ولو على نطاق صغير، حيث يمكن التغلب على هذا الفرق في القدرات العسكرية من خلال تكتيكات مبتكرة مثل اختطاف الجنود والقصف بالصواريخ محلية الصنع والتمويه كغطاء للوقاية من القصف الجوي.
  • التأثير النفسي والمعنوي: إن الهدف الرئيسي للمقاومة هي التآكل المنهجي لعزم العدو، ولا يتأتى ذلك من خلال الدفاع عن أرض أو السيطرة على أراضي العدو حيث أن الجوهر هو سفك دماء العدو وإزاء ذلك فإن المدنيين هم الهدف الرئيسي لعمليات المقاومة.
  • الجهاد: يعتبر الوسيلة الوحيدة للتحرير، فإيران وحلفاؤها في محور المقاومة قد طوعوا مفهوم “حرب التحرير الشعبية” والتي تم تبنيها في المنطقة العربية من قبل الجزائر ومنظمة التحرير الفلسطينية، وصبغوها بصبغة إسلامية.
  • المقاومة كنظام حكم: المقاومة ليست مجرد نظام عسكري، بل هي نظام بديل شامل، فقد أثبتت التجربة أن الدول العربية تشكل إطارًا غير فعال وغير صالح لخوض المعركة التاريخية ضد إسرائيل، ويجب أن تقع هذه المهمة على عاتق الحركات الإسلامية التي تنخرط – إلى جانب نشاطها العسكري – في الإصلاح المجتمعي من خلال المؤسسات التعليمية والصحية والتجارية.

“عقيدة المقاومة” كركيزة في عملية صنع القرار في إسرائيل:

أثرت هذه الركائز الخمس في تشكيل الوعي داخل المجتمع الفكري الإسرائيلي من خلال تناقلها وذكرها في أي موضع يأخذ بالتحليل محور المقاومة، وفي الحقيقة، يمُكن تتبع أثر هذه الركائز الخمس أيضًا داخل المجتمع الفكري الإسرائيلي وخارجه، فمن المرجح أن تكون هذه الركائز قد أثرت بشكلٍ مباشر أو غير مباشر في كيفية تعاطي إسرائيل (كدولة) مع محور المقاومة.

فعلى سبيل المثال، لم تحاول إسرائيل في خضم موجة التطبيع الأخيرة أن تقترب بمقترح التطبيع ولو عبر الوسيط الأمريكي تجاه الدول التي تنشط فيها حركات محور المقاومة، حتى وإن لم تكن هذه الحركات تسيطر بشكلٍ فعلى على مقاليد السلطة في هذا البلد، حيث لم تقترح إسرائيل مؤخرًا التطبيع مع العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، وذلك لأن صانع القرار الإسرائيلي يدرك جيدًا أن تلك الدول تشكل حلقات داخل محور المقاومة ومن الصعب – إن لم يكن مستحيلًا – أن تطبع إسرائيل العلاقات معهم، على الأقل في الوقت الحالي.

وقد أدى الإدراك الإسرائيلي بأنهم سيواجهون عدو يهدد الدولة اليهودية بشكل دائم إلى الاحتفاظ بحالة شبه دائمة من الاستعداد الحربي والعسكري، كما أن رؤيتها للمقاومة على أنها نظام سياسي وليس عسكري فقط يهدف إلى السيطرة على الدول العربية، قد جعلها تقترب من الدول العربية التي تشاركها نفس المخاوف من تمدد محور المقاومة أو المد الفكري الإيراني بشكلٍ عام.

الرؤية الإسرائيلية: نظرة نقدية:

تعتبر النظرة الإسرائيلية الأسس الفكرية لمحور المقاومة بمثابة هياكل جامدة ومبادئ لازمة التحقق ولا يمكن الرجوع عنها، لذا فهي تسهم في فهم التحركات الواقعية لمحور المقاومة في الميدان وبذلك فإن الرؤية الإسرائيلية لا تفصل بين المبادئ والموائمة الواقعية لها على الارض، وبغض النظر عن أن هذه الرؤية الفكرية قد تم طرحها في عام 2006 أي قبل 17 عام، فإن جوهر هذه الرؤية الإسرائيلية غير دقيق ذلك أنه ينظر إلى النسق الفكري لمحور المقاومة بشكل جامد، دون اعتبار إلى أن طرق تحقيق هذه المبادئ قد تختلف بصورة كبيرة وتتنوع من وقتٍ إلى آخر، فمحاربة إسرائيل على سبيل المثال لا تتأتى بالعمل العسكري المباشر فقط، ولكن أيضًا قد تتأتى من خلال الاضرار بمصالحها الاقتصادية، أو العمل على إبعاد الدول العربية عن التطبيع معها، بل وحتى الحفاظ على استقرار وبقاء نظام سياسي مؤيد لمحور المقاومة يصب في هذا الاطار كما في الحالة السورية على سبيل المثال.

ولفهم هذه الحالة بشكلٍ أوفى، فإن ذلك يستدعي منا النظر إلى مؤسس هذا المحور، وهي إيران، حيث تقوم السياسة الخارجية لإيران بناءً على عاملين: الأول وهو التنقل بين الأيدلوجية والبراجماتية، وقد يبدوان للوهلة الأولى متناقضين، ولكنهما في الحقيقة متكاملان، فالأيدلوجية الخاصة بالثورة الإيرانية تضع مجموعة من المبادئ التي ترسم الخط العام لتحركات إيران في الإقليم وعلى المستوى الدولي، هذه المبادئ يتوقف تحقيقها على عدد من الأدوات هذه الأدوات، التي تتنوع وتتباين، ويتوقف استخدام إيران لأي منها على الوضع الراهن ومدى موائمته لتحقيق الأهداف الإيرانية.

ويمكن إسقاط هذا المنطق على باقي أعضاء محور المقاومة، فالفصائل والدول داخل محور المقاومة لاتزال تمارس أنشطتها دون خروج عن ثنائية الأيدلوجية والبراجماتية، ولعل أبرز مثال في هذا الصدد هو رد محور المقاومة على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فمع بداية القصف الإسرائيلي على قطاع غزة وما تبعه من غزوٍ بري للقطاع، فإن الرد المنطقي المتوقع لمحور المقاومة طبقًا لمبدئ “وحدة الساحات أو الجبهات” كان هو الدخول في حربٍ مفتوحة وشاملة ضد إسرائيل، إلا أن البراجماتية في هذا الموقف قد حكم إطار تحرك أطراف محور المقاومة، فالحسابات الواقعية تشي بأن أي حرب مفتوحة ستوقع خسائر كبيرة في صفوف أطراف محور المقاومة – خصوصًا حزب الله الذي يتواجد في نطاق تماس مشتركة مع إسرائيل – والذي عمد إلى التصعيد المحدود في إطار قواعد الاشتباك المعتادة ولم يخرج عنها، أي أنه لم يشن حربًا مفتوحة ضد إسرائيل، ومن هذا المنطلق، فقد حقق محور المقاومة المبدأ الخاص بوحدة الجبهات (أي تحريك الجبهات بشكل تدريجي وجزئي ومحدود ضد إسرائيل)، وفي نفس الوقت الحفاظ على قواته وعتاده دون أن يستنفذها في حرب شاملة مع إسرائيل.

وختامًا، فإن الفهم الإسرائيلي للنسق الفكري لمحور المقاومة بوصفه قالب جامد غير متجدد يمثل أحد الأسباب الرئيسية التي قد تسهم في تفسير الإخفاق الإسرائيلي في هزيمة قوى المقاومة الفلسطينية، والتعاطي الفعال مع قضية أمن حدودها. إن الرؤية الإسرائيلية للنسق الفكري للمقاومة هي رؤية عنصرية، تقوم في أساسها على المعتقدات السائدة في العقلية الإسرائيلية عن وجودها المهدد دائمًا بقوى خارجية، وعلى نظرتها للدول العربية بوصفها دول فاشلة على المستوى السياسي والعسكري، وعلى رؤيتها للإسلام بوصفه دين حرب موجه ضدها.


[1]  صحفي إسرائيلي وزميل معهد واشنطن، ومعلق حول شؤون الشرق الأوسط في القناة الثانية بالتلفزيون الإسرائيلي وله عدد من المؤلفات التي تتناول الصراع العربي الإسرائيلي، للاطلاع على الدراسة، انظر: Ehud Yaari, “The Muqawama Doctrine”, Washington Institute for Near East Policy. 13 November 2006. Available at https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/muqawama-doctrine

pakistan
التهديدات الأمنية وتفضيلات الناخب الباكستاني
الانسحاب
ماذا يعني انسحاب النيجر وبوركينافاسو ومالي من تجمع "الإيكواس"؟
german minister
الموقف الألماني والأزمة السودانية
us china d
تأثير نتائج الانتخابات الرئاسية التايوانية على العلاقات الصينية – الأمريكية
Scroll to Top