العربية

سيناريوهات محتملة: تصعيد “طالبان باكستان” من عملياتها الإرهابية

تشهد باكستان تزايدًا في العمليات الإرهابية التي تتبناها حركة “طالبان باكستان”، وذلك بالتزامن مع قرب إجراء الانتخابات العامة الباكستانية والمزمع انعقادها في أوائل فبراير القادم، وهو ما يشير إلى عدد من الدلالات والتداعيات التي قد تترتب على هذا التصعيد الإرهابي داخل الأقاليم الباكستانية، لاسيما القريبة من الحدود مع أفغانستان.

وقد تبنى فصيل “جهاد باكستان” – التابع لحركة طالبان الباكستانية، والذي برز على الساحة الباكستانية في مارس من العام الجاري – هجومًا انتحاريًا في 12 ديسمبر 2023، استهدف قاعدة عسكرية في منطقة “ديرا إسماعيل خان” بإقليم “خيبر باختونخوا” شمال غرب باكستان على الحدود الأفغانية؛ مما أسفر عن مقتل ما يقرب من 23 جنديًا باكستانيًا، وقد استخدمت الحركة في الهجوم أسلحة أمريكية الصنع.

تجاذبات مستمرة:

عزز الهجوم الانتحاري في 12 ديسمبر من التوتر بين إسلام آباد وكابول، وذلك انطلاقًا من إدراك باكستان أهمية دور حركة طالبان الأفغانية في التأثير على حركة “طالبان باكستان” بسبب الرابط الأيديولوجي والتنظيمي بين الحركتين، وتمثلت أبرز ملامح هذا التوتر في الآتي:

  • زيارة قائد الجيش الباكستاني، الجنرال “عاصم منير”، إلى واشنطن لإقناع المسئولين الأمريكيين بضرورة تدخل الولايات المتحدة لتوفير الدعم اللازم لمجابهة التهديدات الإرهابية التي تواجه باكستان ضد ما تسميه إسلام آباد ملاذات الإرهابيين في أفغانستان.
  • مطالبة باكستان مجلس الأمن الدولي بالتحقيق في كيفية حصول حركة طالبان الباكستانية على إمدادات أسلحة حديثة لشن هجمات ضد المنشآت العسكرية الباكستانية والأفراد خلال العام الماضي.
  • استمرار نفي طالبان الأفغانية لأي صلة لها بالعمليات الإرهابية التي تشهدها المناطق الحدودية بين البلدين، سواءً من خلال توفير الدعم لطالبان باكستان، أو كون أفغانستان حاضنة لعناصر الحركة.

سياق مضطرب:

يحكم النشاط الإرهابي في باكستان سياقًا داخليًا مركبًا يتصل بالواقع السياسي، والاقتصادي، والأمني في البلاد، وهو ما يمكن الإشارة إليه على النحو التالي:

  • تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في باكستان خلال العام الحالي، خاصةً في الأقاليم المتاخمة لأفغانستان، فوفقًا للمعهد الباكستاني لدراسات الصراع والأمن، ارتفعت الهجمات الإرهابية المسلحة في باكستان بنسبة 79% في النصف الأول من عام 2023[1]، مما أدى – وفقًا لتقديرات المعهد – إلى مقتل 389 شخصًا، وإصابة 656 آخرين.
  • قرب انعقاد الانتخابات العامة الباكستانية، والمقرر انعقادها في أوائل فبراير عام 2024، وذلك بعدما تم تأجيلها مرتين بدلًا من الموعد الذي كان مقررًا لها في نوفمبر 2023، وقد أعلنت مفوضية الانتخابات في باكستان ضرورة إعادة تحديد الدوائر الانتخابية بما يتناسب مع الإحصاء السكاني الجديد.
  • تصاعد الاضطرابات السياسية نتيجة حالة عدم الاستقرار الحكومي منذ إقالة رئيس الوزراء الأسبق “عمران خان” في أبريل 2022، مرورًا بتولي “شهباز شريف” رئاسة الوزراء، حتى تم اختيار “أنوار الحق كاكر” كرئيس وزراء موقت في أغسطس الماضي، بعد حل البرلمان والحكومة الفيدرالية تمهيدًا للانتخابات العامة.
  • أن تفاقم الأزمة الاقتصادية في باكستان قد أدى إلى ارتفعت معدلات الفقر في البلاد خلال العام الحالي من 34.2% إلى 39.4%، ليصل عدد الباكستانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى نحو 95 مليون باكستاني، كما سجل معدل التضخم في باكستان 27.4% في أغسطس الماضي، مما زاد من حجم المظاهرات والاعتصامات، احتجاجًا على الأوضاع المعيشية المتردية والزيادات المستمرة في أسعار الكهرباء والوقود والسلع الغذائية.
  • رفض حركة طالبان باكستان التراجع عن مطالبها بإلغاء اندماج المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية سابقاً مع إقليم خيبر باختونخوا، وكذا رفضها التخلي عن السلاح في حال التوصل إلى اتفاق هدنة مع الحكومة، وهو ما نتج عنه إلغاء اتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه بين حكومة إسلام آباد وطالبان باكستان في يونيو 2022.

سيناريوهات مستقبلية:

تطرح التحديات الأمنية والسياسية الراهنة التي تواجه باكستان بعض السيناريوهات التي يُحتمل أن تشكل الملامح الرئيسية لتطورات المشهد الإرهابي في باكستان خلال الفترة المقبلة، ويمكن الإشارة إلى تلك السيناريوهات على النحو التالي:

  • من المرجح أن تستمر طالبان باكستان، والحركات التابعة لها، في استهداف التجمعات والمؤتمرات الانتخابية للمرشحين، لا سيما في إقليمي خيبر باختونخوا و”بلوشستان” المتاخمين لأفغانستان، وهو ما يعني وجود احتمالات تتعلق بتأجيل إجراء الانتخابات العامة مرةً أخرى وتمديد فترة الحكومة المؤقتة؛ ويعني ذلك بالتبعية استمرار الوضع السياسي الهش في البلاد.
  • من غير المرجح أن تشهد الفترة المقبلة اختراقًا ملموسًا في ملف المفاوضات بين إسلام آباد وطالبان الباكستانية، في ظل غياب حركة “الإنصاف” وزعيمها عمران خان عن المشهد السياسي، والتي سبق لها إجراء محادثات مع حركة طالبان باكستان أفضت إلى الهدنة، لكن مع تولي زعيم حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية شهباز شريف الحكومة الباكستانية، انهارت المحادثات مع الحركة ومن ثم تضاعفت العمليات الإرهابية في البلاد. 
  • قد تعزز حالة الهشاشة الأمنية والسياسية الحالية من تشكيل بعض التحالفات والتفاهمات بين الجماعات الإرهابية النشطة في باكستان، خاصةً على طول الخط الحدودي المتاخم لأفغانستان؛ مما سيجعل الوضع الأمني في باكستان أكثر تعقيدًا، فقد تنضم عناصر من طالبان باكستان إلى تنظيم “داعش خراسان”؛ على خلفية بعض الضغوط التي قد تمارسها طالبان الأفغانية عليها في الفترة المقبلة، لنقل عناصرها بعيدًا عن المنطقة الحدودية، استجابةً للضغوط الباكستانية، كما قد تحدث تفاهمات بين بعض الجماعات الانفصالية البلوشية وتنظيم داعش خراسان من جهة، وبعض فصائل حركة طالبان باكستان من جهة أخرى.
  • من غير المرجح في الوقت الراهن أن تزيد الولايات المتحدة من مستويات تعاونها الأمني والعسكري مع باكستان في إطار جهود مكافحة الإرهاب، حيث يُتوقع أن يستقر التعاون بين البلدين عند نفس المستويات القائمة، وهو أمرٌ مدفوع بالأساس برغبة الولايات المتحدة في الحياد بين إسلام آباد وكابول، وعدم خلق بؤر أمنية جديدة في ظل الانشغال بالحرب الدائرة في قطاع غزة، بالإضافة إلى الحرب الروسية الأوكرانية.
  • قد تشهد الفترة المقبلة انخراطًا أعمق من جانب بعض القوة الإقليمية (لا سيما: روسيا، والصين، وإيران) في المنطقة وتعزيز العلاقات مع إسلام آباد، بما يشمل جهود مكافحة الإرهاب؛ وهو ما قد يطرح معادلات إقليمية جديدة في ظل الاستقطابات الدولية، والتي أضحت جهود مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة ملمحًا رئيسيًا لها.

وختامًا، تجدر الإشارة إلى أن التصعيد الإرهابي في باكستان يحمل بعض الاحتمالات بشأن وجود مستويات تنسيق ودعم بين طالبان باكستان وطالبان الأفغانية، وهو ما تجلى في إشارة بعض التقديرات الأمنية الباكستانية إلى أن الأسلحة المستخدمة في العملية، هي أسلحة أمريكية، من مخلفات الانسحاب الأمريكي من الأراضي الأفغانية، كما أنه من الواضح أن طالبان باكستان ترغب في تحقيق بعض المكاسب السياسية من خلال التصعيد العملياتي لها في المناطق الحدودية مع أفغانستان، وذلك بهدف عدم استبعادها من أي معادلات سياسية مستقبلية، وكذا محاولة السيطرة على الحزام القبلي المحاذي للحدود.


[1] PICSS, “Terrorism in Pakistan Soars 79% in First Half of 2023”, July 7, 2023. Available at https://www.picss.net/articles/terrorism-in-pakistan-soars-79-in-first-half-of-2023/

burkina
غاية معلقة: مكافحة الإرهاب في "بوركينا فاسو"
ai terror
توظيف الجماعات الإرهابية للذكاء الاصطناعي
ISIS Russia
ارتدادات موسكو: مخاطر عودة داعش في الشرق الأوسط
russia Africa
مقاربة جديدة: حدود الدور الروسي في مكافحة الإرهاب في أفريقيا
Scroll to Top