العربية

انعكاسات تهديد الملاحة في البحر الأحمر على قطاع النقل البحري العالمي

أثرت الهجمات الحوثية على حركة ملاحة السفن في البحر الأحمر، على خلفية الاستهداف المستمر للسفن التابعة لإسرائيل، أو تلك التي تنقل البضائع، منها وإليها، في محاولة للضغط على تل أبيب من أجل وقف عدوانها على قطاع غزة، وقد دفع ذلك بالعديد من شركات الشحن إلى إعادة توجيه السفن عبر طريق رأس الرجاء الصالح، مما أدى إلى العديد من التأثيرات السلبية على قطاع النقل البحري العالمي.

ارتفاع التكلفة:

إن قيام العديد من شركات النقل البحري بتغيير مسار سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح يعني ارتفاع تكلفة الرحلة، بسبب تزايد استهلاك الوقود، إضافةً إلى عوامل أخرى مثل: تكلفة العمالة، وهو ما يبرزه الجدول التالي:

مقارنة بين طول وزمن الرحلة البحرية بين عدة موانئ عبر طريقي البحر الأحمر/ قناة السويس ورأس الرجاء الصالح

الطريق البحريمسار الرحلةطول المسافةزمن الرحلة
    البحر الأحمر / قناة السويسرأس تنورة (السعودية) / روتردام (هولندا)6436 ميل17 يوم
رأس تنورة (السعودية) / نيويورك (الولايات المتحدة)8281 ميل23 يوم
شنغهاي (الصين) / روتردام (هولندا)10525 ميل43 يوم
    رأس الرجاء الصالحرأس تنورة (السعودية) / روتردام (هولندا)11169 ميل31 يوم
رأس تنورة (السعودية) / نيويورك (الولايات المتحدة)11794 ميل32 يوم
شنغهاي (الصين) / روتردام (هولندا)13843 ميل57 يوم
تم استيفاء البيانات من موقع: www.sea-distances.org

يوضح ما سبق أن طريق البحر الأحمر / قناة السويس أقصر من طريق رأس الرجاء الصالح، فعلى سبيل المثال يوفر الأول نحو 14 يوم من زمن الرحلة بين الصين وهولندا، كما أنه يوفر 3318 ميل لنفس الرحلة، وهو ما يعني أن التحول نحو طريق رأس الرجاء الصالح يؤدي إلى ارتفاع ملموس في التكلفة.

كما أن زيادة التوترات في طريق البحر الأحمر/ قناة السويس، وتحديدًا بالنسبة للسفن التي لم تغير مسار رحلتها، يعني ارتفاع تكلفة التأمين بسبب التهديدات، وهو ما يتم إضافته إلى إجمالي تكلفة الرحلة، بينما السفن التي حولت مسار رحلتها لطريق رأس الرجاء الصالح، سيؤدي ذلك أيضًا إلى زيادة تكلفة التأمين بسبب طول المسافة الإضافية، وهو ما سينعكس بالسلب على المستهلك النهائي الذي سيتم تمرير له التكلفة المترتبة على تلك الاضطرابات، هذا بالإضافة إلى التأخر في عمليات التسليم، مما يضع أعباء إضافية على عمليات الإنتاج في الدول المستوردة للمواد الخام والسلع الوسيطة.

بالنسبة لشركات الشحن البحري، فإن طول المسافة وتزايد زمن الرحلة يعني أن السفن وناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال ستقوم بعدد رحلات أقل مقارنةً بالمعدل المعتاد، وهو سينعكس بالسلب على إيرادات تلك الشركات، مما يدفعها لرفع تكلفة رحلات سفنها، والتي ستنعكس هي الأخرى على المستهلكين، وكذا على ميزانيات الحكومات التي تقوم بالاستيراد لسد فجوات الاستهلاك المحلي.

ارتفاع أكبر لأسعار النفط:

يؤدي زيادة طول طرق النقل إلى المزيد من الطلب على الوقود، مما يزيد من أسعاره في السوق العالمي، وهو ما قد يتبلور بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة، لا سيما أن النفط يشهد بالفعل ارتفاعًا بسبب التخوف من تعطل إمدادات منطقة الشرق الأوسط، وكذا ارتفاع أسعار تكلفة نقله، مما يرفع سعر استيراده، مع الأخذ في الاعتبار أن الفترة الماضية قد شهدت بالفعل تزايد الاعتماد على نفط دول منطقة الشرق الأوسط، على اعتبار أنه بديل للنفط الروسي.

وقد دلل على ذلك تقرير صادر عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (نُشر في 4 ديسمبر 2023)، كشف أن نحو 8.8 مليون برميل يوميًا من النفط (خام – مكثفات – منتجات نفطية) قد عبر في النصف الأول من عام 2023 عبر مضيق باب المندب، وهو رقم قياسي مقارنةً بحجم النفط الذي عبر يوميًا منذ عام 2018، مع الأخذ في الاعتبار أن فترة المقارنة تشير إلى النصف الأول من عام 2023 فقط مقارنةً بعام كامل، أي أن حجم تجارة النفط المارة عبر المضيق في عام 2023 قد تتضاعف مقارنةً بالأعوام السابقة، وهو ما يوضحه الجدول التالي:

تطور حجم النفط المار عبر مضيق باب المندب بين عام 2018 والنصف الأول من عام 2023 (بالمليون برميل / يوم)

الفترة20182019202020212022النصف الأول 2023
عدد البراميل6.15.954.97.18.8
إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (www.eia.gov)

عدم جاهزية البديل:

تواجه الخدمات والتجهيزات اللوجستية اللازمة لضمان ملاحة بحرية آمنة للسفن في طريق رأس الرجاء الصالح مشكلة حقيقية بسبب عدم جاهزية الموانئ على ذلك الممر، وذلك في ضوء الازدحام المفاجئ الناتج عن تغيير المسار، مما يجعل عمليات التزود بالوقود والمؤن وكذا الصيانة في حال حدوث أعطال تحديًا إضافيًا لحركة الملاحة البحرية عبر الطريق البديل، الأمر الذي يزيد من فترات طول الانتظار ومن ثم تأخر عمليات التسليم للوجهات النهائية، هذا بالإضافة إلى طول الطريق بالفعل، ويرتبط ذلك أيضًا بالتعقيدات البيروقراطية في بعض تلك الموانئ.

توقعات قاتمة:

تشكل التوقعات المرتبطة باضطراب الشحن البحري عبر البحر الأحمر عاملًا من عوامل عدم الاستقرار لقطاع النقل البحري برمته، حيث توقعت شركة “A.P. Moller-Maersk” استمرار الفوضى التي تؤثر على الشحن عبر البحر الأحمر لعدة أشهر، وهو ما يعني تحديد المتعاملين في القطاع والتجار لأسعار الشحن بناءً على تلك التوقعات، وسينعكس ذلك على أسعار المنتجات النهائية، وسيؤدي الاضطراب الراهن إلى تزايد التكهنات بشأن موجة تضخم جديدة في العديد من الأسواق، بخلاف الارتفاع الفعلي الناتج عن زيادة تكلفة عوامل الإنتاج المباشرة كما سلف الذكر.

ويعزز من الطرح السابق أن أسعار العقود المستقبلية لخام نفط برنت تسليم الأشهر المقبلة (والتي ارتفعت مؤخراً بسبب التصعيد في البحر الأحمر)، انخفضت بوتيرة بطيئة (نحو 1% في 6 أشهر)، في دلالة على استمرار المخاوف من التداعيات الناتجة عن تصاعد التوترات في البحر الأحمر، حيث انخفض سعر عقود تسليم شهر فبراير 2024 من 79.07 دولار/ برميل، إلى 78.12 دولار/ برميل تسليم شهر يوليو (وفق موقع www.oilprice.com).

وتستمر التخوفات السابقة مع استمرار الاستهداف الحوثي للسفن والمرتبط بالحرب الإسرائيلية في غزة، والتراجع المحتمل في إنتاج وتصدير النفط من دول المنطقة بسبب احتمالات تراجع الطلب على نفط دول المنطقة بسبب ارتفاع تكاليف نقله.

وختامًا، فقد ظهرت خلال الفترة الأخيرة تأثيرات مباشرة وغير مباشرة لأثر التصعيد الحوثي في البحر الأحمر على قطاع النقل البحري، وما يتبعه ذلك من تأثير سلبي على سلاسل التوريد العالمية، وعلى الدول المستوردة والمصدرة على حدٍ سواء، وذلك في ضوء اختناق ذلك القطاع بالفعل نتيجة العديد من العوامل، منها على سبيل المثال جفاف قناة بنما وتراجع مرور السفن عبرها، وبالتالي فإنه من المرجح أن تشهد الفترة المقبلة آثارًا جديدة تعزز من الاضطرابات في قطاع النقل البحري، وهو ما قد تكون له انعكاسات عميقة على الاقتصاد العالمي في عام 2024.

WFP
لماذا تتزايد تهديدات أمن الغذاء العالمي؟
sanctions
هل يؤثر الاستخدام المتزايد للعقوبات على الاقتصاد العالمي؟
g20
تزايد الانقسامات الدولية في الملفات الاقتصادية
galaxy leader
عوائق مستجدة: مشروعات الممرات الاقتصادية في الشرق الأوسط
Scroll to Top